-5-
ظلّ عبد القادر داخل الصخب الذي ملأ مجلسه تلك الليلة. كانت الضحكات ترتفع بين أصدقائه، وأكواب الشاي تتناقل من يدٍ إلى أخرى، لكن القلق المائل إلى الفرح كان أوسع من الجدران الضيّقة للكازينو. شعر بأن شيئًا ما يتحرّك في داخله، رغبة عارمة في أن يخرج هذا القلق إلى العلن، ويعرف بماذا تفكّر الناس، أو على الأقل ما يفكّر به بعض أصدقائه ومعارفه. ثمة أفكارٌ تجعله في حالة فرحٍ وأخرى تجعله في بحرٍ من القلق والخوف.. شيئان يتنازعانه، يسحبانه باتجاهين متعاكسين، أحدهما يطارد الآخر، الأول الذي يملأه أبيه من أن لا أحقيّة للفرح في الحرب، وعدم الانجرار خلف العواطف والأخذ برأي من يريد البحث عن الضغينة والحرب والثأر.. والثاني الذي يضع أمام عينيه كلّ كتب التاريخ والتصريحات السياسية التي امتدّت لعقودٍ طويلةٍ والتي تتجمّع كلّها في كراهية إيران. لذا احتاج إلى أن يتنفّس في فضاءٍ أوسع ليعادل على الأقل الكفّتين، فهو أسير دائما. ويعرف هذا الأمر كلما صار هناك نقاش مع مهدي الذي وجده هو الآخر مسحوبًا باتجاهين.. ويرى أنهما كلما ناقشا الامر سحبتهم آراء التعصّب إلى منطقة الجدل.
أخرج هاتفه ببطء، كأنّه يتعامل مع شيءٍ سيغيّر مزاج الليل كلّه. فتح صفحته في الفيسبوك، وبقي يحدّق في الفراغ الأبيض للشاشة. كان الفراغ أمامه أشبه بصفحة قدرٍ لم تُكتب بعد. مرّر إصبعه قليلًا، رسم قلبًا أحمر في أعلى المنشور. بدا القلب لامعًا فوق الشاشة، مثل قطرة دمٍ طازجةٍ على ورقةٍ باردة. بعده بدأ يكتب، والكلمات تخرج منه بسرعةٍ غير مألوفة، كأن الأفكار تتدافع في رأسه خشية أن يسبقها التردّد أو يبتلعها الصمت.
لكن الكتابة وحدها لم تكفه (متى تتوقّف الكراهية، ومن سببها، ولماذا يندفع البعض نحو التعميم)
نهض من مكانه واتجه إلى حمّام الكازينو، تاركًا الأصدقاء يفرشون أحاديثهم، كأنهم يتبادلون كرة طائرة، لا يراد لها أن تسقط على الأرض. كان داخل الحمام يسمع الكلام الذي يتصاعد وسيتداخل ويتصارع.. كلام يخرج من أفواهٍ أكثرها متفقة وقليلًا ما يأتيه الكلام المعارض، سمع أحدهم بالقرب من مغسلة الماء القريبة من باب الحمام، يقول، إن الأمر سائر نحو المجهول والجماعة يبحثون عن ثأر. سمعه الآخر يرد عليه فيما كان صوت ماء المغسلة يشاطر اللهجة، من أن الجميع يعيشون هكذا.. محذّرًا إيّاه من أن يتحدّث بهذا اللغو، وإلّا لاتّهموه بالتبعيّة. ثم سمع قهقهةً غريبة غطّت على صوت ماء المغسلة والماء الذي سكبه في الحمام. هو يعرف ماذا يقصد. لذا وجد صورة مهدي أمامه، صورة من دائما يطلب منه ألا يخلط الأوراق، فالأكثرية عاقلة .
عاد إلى مكانه بالقرب من أصدقائه، لم يزل النقاش حادًا، كلّ يرفع ما يريد من سقف توقّعاته أو تحليلاته، لكنها كلّها تصبّ في أن الحرب هذه ستغيّر الشرق الأوسط. وهم يعبّرون عن خشيتهم من
وقوع العراق في أتون الحرب، كما قال صديق متربّع أمام ناركيلته. ليكملها بجملة صادمة:
- إذا اشتركت الفصائل فالعراق إلى المجهول، وستحل المجاعة، لأن أمريكا وإسرائيل لن تسكت، وستضرب المصالح العراقية. مصيبتنا بالفصائل. والحكومة عاجزة عن السيطرة.
أجابه صديق آخر مؤكدا كلامه:
- نعم ضرباتهم على مواقع الفصائل تتوالى، لكن الأغرب قصفهم لموقع طبابة عائدة للجيش العراقي، وهذا الأمر أخطر.
اتّكأ على مسند الأريكة، ولم يزل الهاتف في يده اليسرى، فتح الكاميرا، لا يعرف لماذا، لكن الشاشة التقطت سقف الكازينو، كان الطلاء الأبيض قد تقشّر في أكثر من موضع، تاركًا بقعًا رمادية تشبه خرائط صغيرة لبلادٍ متعبة.. حمله باتجاه وجهه، رأى عينيه متوقّدتين، وفي ملامحه شحوب مغطى بالقلق، كأنه يقف أمام جمهورٍ حقيقي لا خلف كاميرا هاتف.
سحبه صديق، من الذين لا يتوانون من نقد الواقع على صفحته ويمتلك الجرأة الكبيرة:
- لم تقل لنا رأيك يا عبد القادر؟
توقّف الكلمات في حنجرته، ولم يجد إلا أن يجمّع أنفاسه، ولا يريد للكلمات أن تزلق إلى هاوية خطرة والتي تقع على جهتين. لكنه وجد نفسه ينطق جملة كأنها هبطت على لسانه:
- الأمر أكبر من القول أو الرأي مني.. إنها لعبة مخطط لها.
لم يعجب الجواب من أطلق السؤال، لذا عدّل من جليته كمن يريد السيطرة على الجلسة:
- أنا اليوم فرحان، الحرب التي بدأت بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.. بالنسبة لي هذا أمر يبعث على الأمل.
ارتفعت نبرته قليلًا، وصار صوته أكثر حرارة.
- الاثنان أعدائي.. إسرائيل لولاها لما حصل كلّ هذا الخنوع العربي والإسلامي.. لكن إيران، تدخلت في شؤون العراق سنوات طويلة، ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك. وهي من أوجدت هذا الحكم.
كان يتكلّم بسرعة، كأنه يخوض جدالًا مع جمهورٍ غير مرئي يقف خلف الشاشة: كان ينظر الى الوجوه فيجدها صاغية، وهم يعرفونه تابع لجهة سياسية، مشاركة في الحكم:
- أعرف أن هناك من سيخرج الآن ليقول إنني، صهيوني، أو عميل، أو أي شيء آخر. أعرف أن هناك من سيهاجمني، لكن هذا لا يغير شيئًا.
ابتسم ابتسامة فيها شيء من السخرية، ثم قال:
- ليحزنوا على مقتل زعيمهم إن شاءوا.. أما نحن فلنفرح بمقتله. ربما تنتهي هذه الحرب أخيرًا ويتوقّف تدخلهم في شؤوننا.
أطلق ضحكةً قصيرةً، ضحكة فيها قدر من التحدّي. جعلت عبد القادر يحتار بين التأييد والمعارضة، فهو يصارع الحالتين، ولا يريد لأحدهما الانتصار على الأخرى.. لم يجد مفرًا من اللجوء الى الصمت، ومتابعة ما يتم نشره على شبكات التواصل الاجتماعي. فسقطت صورة مهدي أمامه، هو لا يعرف لماذا كلّما فكّر بأمرٍ من هذا النوع يحضر مهدي، متذكرًا كل النقاشات التي تحصل بينهما. ولا يعلم أن مهدي كان جالسًا وحده في غرفة الهول في بيته. بدت الغرفة أضيق من المعتاد، والحزن يحتل الفراغات بين الأشياء. التلفاز لا يزال يعمل، لكن صوته أصبح خافتًا، مجرّد همهمةٍ بعيدةٍ تشبه طنينًا لا يتوقف.
كان مهدي قد تعب من تكرار الأخبار، صور الطائرات، الانفجارات، وجوه المحلّلين التي لا تتغيّر. مدّ يده إلى هاتفه دون رغبةٍ حقيقية، فقط ليهرب قليلًا من ثقل الشاشة الكبيرة. بدأ يقلّب الصفحات ببطء. منشورات كثيرة تمرّ أمام عينيه، كلمات عزاء، دعوات للانتقام، تحليلات طويلة، منشورات غاضبة، وأخرى تدعو إلى التهدئة. بدت الصفحات كأنها ساحة حرب أخرى، لكن بلا دخان. فجأة توقّفت إصبعه. ظهر وجه مألوف على الشاشة. قرّب الهاتف من عينيه أكثر. كان عبد القادر.
فرك مهدي عينيه قليلًا، كأنه يشك فيما يرى ويقرأ. ظلّ يحدّق في الصورة طويلًا. هو زميل الغرفة الوظيفية، لكن الملامح هنا غير الملامح التي يراها خمسة أيام في الأسبوع
لكن بملامح لم يعرفها من قبل. وجه مشدود بعلامات غريبة، كأن الحرب نفسها جاءت لتمنحه شكلًا جديدًا. وجد نفسه ينادي على زوجته:
- تعالي.. تعالي بسرعة.
جاءت زوجته مسرعةّ من المطبخ، ظنّت أن خبرًا جديدًا قد وقع. مدّ الهاتف نحوها بعصبية وقال:
- انظري.. هذا عبد القادر.. الموظف معي في الدائرة.
نظرت إلى الشاشة ثم إليه وقالت بهدوء:
- ماذا به؟
قال مهدي وهو يتنفّس بسرعة:
- انظري ماذا يقول.
قرأت الجملة التي نشرها وهو يتساءل عن مسبّب الحرب. أخبرها أنه أراد يكتب تعليقًا ليدوّن إجابته على السؤال، لكنه عدّل من الأمر، لا يريد للمناقشات أن تكون أمام الناس، يكفي ما يحصل بينهم في غرفة الوظيفة..
وضعت الزوجة يدها على كتفه محاولة تهدئته وقالت برفق:
- على مهل.. خذ نفسًا أوّلًا.. ألا ترى السؤال صحيحًا؟
لكن مهدي هزّ رأسه بعصبية.
- أي نفس؟ هذا السؤال يخفي خلفه إجابة لا تتجه إلّا إلى جهة معينة
جلست إلى جانبه، نظرت إلى الشاشة، ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
- ولماذا تهتم إلى هذا الحد؟
ثم أضافت:
- أليس هذا ما كنت تقوله دائمًا؟ أن لكل إنسان رأيه.. دع الناس تعبّر عن آرائها.
لكنّ كلماتها لم تبدّد القلق والحيرة، التي بدأت تتقد في صدره. ظلّ ينظر إلى وجه عبد القادر وهو يضحك أمام المتابعين.
شعر مهدي أن الحرب لم تعد هناك.. في السماء البعيدة حيث الطائرات والقنابل. لقد صارت هنا. بين الناس.. ويخاف أن تمتدّ إلى غرفة الوظيفة، حيث يجلسان يوميًا أحدهما قبالة الآخر، يتقاسمان الشاي وأحاديث العمل العادية.
شيء ما تحرك في داخله.. شعور غامض بأن الصمت خيانة. وضع هاتفه على المكتب، ثم اعتدل في جلسته، مرّر يده
بين خصلات شعره، يهيّئ نفسه لمواجهةٍ غير مرئية. التقط الهاتف من جديد، ضغط الدائرة الحمراء، وبدأ البث المباشر.
ظهر وجهه على الشاشة، متعبًا، لكن عينيه كانتا تشتعلان بحرقة واضحة. قال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا:
- السلام عليكم أيها الأصدقاء..
توقّف، بلع ريقه بصعوبة، ثم قال:
- نمرّ اليوم بيومٍ من أكثر الأيام حزنًا. أردت فقط أن أشارككم حزني على مقتل مرجع ديني كبير. وليس مرشدًا إيرانيا كما يظن البعض، أمريكا الغادرة والكيان الغاصب غدروا بإيران التي كانت تتفاوض، فكان ردهم أن اغتالوا المرشد.
ارتفعت نبرته قليلًا وهو يكمل:
- إنهم يقتلون المسلمين.. والمشكلة ليست في القتل وحده، فالحرب تعرف القتل دائمًا. المشكلة في الذين يفرحون بمقتل جارهم.. ويدافعون عن الصهاينة.
صار صوته أكثر حرارة، كأنه يخاطب أشخاصًا يقفون أمامه:
- لا توجد منطقة وسطى هنا. الجار أقرب إلينا من الذين قتلوا أهل غزّة واستباحوا لبنان وقتلوا الأطفال. ومن يتحدّث بغير ذلك، فليبحث في قلبه عن الصدأ الذي أكل معدنه.
- تنهد قليلًا وقال:
- أعرف أن هناك من سيقول إنني تابع، أو ذيل، أو أي شيء آخر. أعرف أن هناك من سيهاجمني. لكن هذا لا يغير شيئًا.
ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها كانت مثقلة بالألم، ثم قال:
- ليفرحوا بمقتل المرشد إن شاءوا، أما نحن فلنا السماء، ولنا الدعاء، ولنا يقين بأن الظلم لا ينتصر إلى الأبد.
وسكت. أراد ان يضغط على الدائرة الحمراء ليوقف البث، وتذكر سؤال عبد القادر:
- إن من تسبّب بالكراهية هم من يبثّون الكراهية، مهما كانت الجهة التي ينتمي إليها.. فأولئك يعيشون على ما موجود في صحون الكراهية.
أغلق الهاتف وراح يتابع ما يكتب من تعليقات، متمنيًا في دخيلة نفسه، أن يقرأ تعليقًا لعبد القادر، الذي شاهد وسمع الفيديو، لكنه لم يجب، ثمة كلامٌ كثيرا يبثّ الآن في الكازينو.

-6-
في صباح اليوم التالي، لم تكن الخطوات المتجهة إلى الدائرة التي تقع في قلب بغداد تسير على إيقاعها المعتاد، بل بدت متردّدة، قلقة، كأنّ الأرصفة نفسها تنصت إلى ما يدور في صدور العابرين وتعيده إليهم مضاعفًا، وكان الهواء أثقل من أن يُستنشَق بسهولة، مشبعًا بما لم يُقَل بعد، وبما يُخشى أن يُقال. عند البوّابة الحديدية، تباطأ الداخلون في الحركة أطول من المعتاد، لا بسبب زحامٍ أو إجراءٍ إداري، بل لأنّ كلّ واحدٍ منهم كان يتهيّأ لعبورٍ خفيّ، عبورٍ من ليلٍ مضطربٍ إلى نهارٍ لا يقلّ اضطرابًا، وكانت التحايا التي تبادلوها قصيرةً، مقتضبة، تكاد تُقال على عجلٍ كي لا تُستدرَج إلى ما بعدها، فلا أحد يسأل سؤالًا مباشرًا، ولا أحد يجرؤ أن يفتح الحديث، وكأنّ السؤال نفسه أكبر من أن يُنطَق، لذلك تولّت النظرات ما عجزت عنه الكلمات، وجوهٌ يعلوها وجومٌ ثقيل، وأخرى يمرّ عليها فرحٌ خافتٌ حذرٌ، يكاد يخجل من نفسه، يختفي سريعًا كأنه لم يكن، وقد بدا المبنى وكأنه يحمل قلبين متناقضين ينبضان داخل الجدران نفسها دون أن يلتقيا.
عند جهاز البصمة، تتابعت الأصابع بسرعةٍ، ثم تفرّقت كما لو أنّها تخشى أن تبقى متجاورة، وما إن مضت دقائق قليلة حتى بدأت الأصوات تتسرّب من خلف الأبواب نصف المفتوحة، همساتٌ تتكسّر قبل أن تكتمل، وضحكاتٌ قصيرة لا تجد ما يسندها، ثم جدالاتٌ صغيرة سرعان ما تتضخّم قبل أن تخفت فجأةً، وكأنّ هناك من يراقب مستوى الصوت الخفيّ في المكان، ومع أقل من نصف ساعة، لم تعد الغرف مجرّد مكاتب وأوراقٍ ومعاملات، بل تحوّلت إلى تجمّعاتٍ صغيرة، إلى جزرٍ متجاورة لكلّ واحدةٍ منها مناخها الخاص، ففي غرفةٍ يرتفع صوت الشماتة متخفّيًا خلف تعليقاتٍ ساخرة، وفي غرفةٍ مجاورة يتمدّد الصمت كثيفًا، مشبعًا بالحزن والترقّب، وبينهما مساحاتٌ رمادية تحاول أن تبقى محايدة فلا تنجح، حتى بدا المبنى كله وكأنه رقعة شطرنج واسعة، مربّعاتها متلاصقة، لكنّ كلّ مربّعٍ يقف في الجهة المعاكسة للآخر دون أن يتحرّك أحد.
في الطابق الرابع، داخل غرفة المدير العام، كان التوتّر أكثر تركيزًا، الغرفة مكتظّة على غير عادتها، والكراسي امتلأت، وبعض الواقفين استندوا إلى الجدران كأنّهم يطلبون منها ثباتًا لا يجدونه في أنفسهم، جلس المدير العام خلف مكتبه الخشبي العريض، رجلٌ في الخمسين، بلحيةٍ مشذّبة بعناية، لكنّ ملامحه بدت شاحبة، وعيناه متعبتين كأنهما لم تنالا نصيبهما من النوم، وكان يتكلّم بصوتٍ هادئ، غير أنّ الحزن كان واضحًا في نبرته، كأنه يخرج رغمًا عنه، أما مهدي فكان يجلس قرب الجدار، في زاويةٍ لا تلفت الانتباه، مكتفيًا بالصمت، يراقب الوجوه، تتنقّل عيناه بينها كما لو أنّه يقرأ نصوصًا متناقضة، وكان يشعر أنّ الغرفة تضيق شيئًا فشيئًا، ليس بجدرانها، بل بالكلمات التي تتكاثف في داخلها حتى تكاد تُرى.
وفجأةً، ومن دون مقدّمة، هبطت قبضة يدٍ على المكتب بقوّةٍ جعلت الأكواب ترتجف، وارتدّ الصوت في المكان كأنه انفجارٌ صغير، فالتفتت الوجوه جميعها نحو الرجل الذي احمرّ وجهه واشتعلت عيناه، وصاح بصوتٍ عالٍ مشحونٍ بالغضب:
- أنعل أبو أمريكا.. وأنعل كل من يقف معها.
خيّم صمتٌ ثقيل، صمتٌ لا يحمل هدوءًا بقدر ما يحمل استعدادًا للانفجار، كان الرجل من المقرّبين إلى المدير العام، ومن أبناء الحزب نفسه، لكنّه بدا الآن خارج كلّ ضبط، كتفاه مشدودتان وصدره يعلو ويهبط بسرعة، كأنّ الكلمات لا تكفي لتفريغ ما فيه، وأضاف بصوتٍ أكثر حدّة أنّ الأمر لا يمكن السكوت عليه، وأنّ الردّ يجب أن يكون قاسيًا، قصف كلّ ما له علاقة بأمريكا داخل العراق وخارجه، ثم أشار بعصبية نحو جهة اليمين، حيث المنطقة الخضراء، كأنه يراها أمامه: حتى سفارتهم، إمّا أن تُقصف أو نذهب نحن لتدميرها، فاهتزّت بعض الوجوه، وتبادلت نظراتٌ سريعة، بين مؤيّدٍ صامتٍ، ومتحفّظٍ متردّد، وآخرين اكتفوا بالمراقبة.
اعتدل المدير العام في جلسته ببطء، وضع كفّيه على سطح المكتب كأنه يثبّت نفسه قبل أن يثبّت الآخرين، ورفع نظره نحو الجمع، وأطال التحديق في الرجل الغاضب، ثم قال بصوتٍ هادئ، لكنه مشدود من الداخل:
- اهدأ.. اهدأ قليلًا.. اهدأوا جميعكم، نحن في دولة، وليس في مقرٍّ حزبي.
وأضاف بعد صمتٍ قصيرة:
- الغضب الآن لن يغيّر شيئًا.
غير أنّ الرجل قاطعه بسرعة، وكأنّ الكلمات الهادئة تزيد النار اشتعالًا، وقال بنبرةٍ لا تخلو من احتجاج:
- لقد اغتالوا المرشد، فكيف نهدأ أستاذ.
مرّ توتّرٌ يشاطر من في الغرفة، تحرّكت بعض الأجساد في مقاعدها، وتجنّبت عيونٌ أخرى الالتقاء، كأنّ المواجهة اقتربت أكثر مما ينبغي، عندها رفع المدير العام يده قليلًا، بإشارةٍ تجمع بين الطلب والسلطة، وقال بصوتٍ أثقل:
- السيد ذهب شهيدًا، شهيدًا للإسلام والمذهب.
توقّف الكلام ليمنح الجملة وزنها، ثم طلب منهم الصبر والانتظار، وأنّ رأي الحكومة والمرجعية والجهات العليا هو ما سيحدّد المسار، وأنّ الأيام القادمة ستكشف ما ستكون عليه النتائج.
لكنّ الكلمات، رغم هدوئها، لم تنجح في تبديد التوتّر، فقد ظلّ كلّ واحدٍ من الجالسين يحمل رأيًا متقاطعًا، وجرحًا غاضبًا، وخوفًا مختلفًا.
شعر مهدي أنّه مكانٌ ليس له فيه انتماء إلا الانتماء الوظيفي.. لا يعرف لماذا حضر إلى هذه الغرفة، و كيف وجد نفسه بين هؤلاء، كل ما أعرفه أن رئيس القسم نادى على بعض الموظفين بالتوجه إلى غرفة المدير العام، فاعتقد انه من ضمن المدعوين، وأنه اجتماع عمل واستماع إلى ملحوظات وتعليمات وربما أوامر.. لكنه أدرك، متأخرًا، أنّ هذا الاجتماع لم يكن عابرًا، بل هو أقرب إلى تجمّعٍ غير معلنٍ، وأنه خاص لمن يلتقون في الميل ذاته.. نظر حوله متفحصا الموجودين، لم يرَ زملاء عملٍ في ذات القسم، بل هم من أقسام وطوابق أخرى، رأى تصدّعاتٍ صغيرة تتّسع، وجوهًا كانت بالأمس تتقاسم الشاي والملفّات، تقف اليوم على حوافّ متقابلة، كلٌّ منها يتمسّك بما يراه حقيقة، تشبه من يمسك السلاح.
دون أن يسعى للأمر، قفز إلى ذهنه وجه عبد القادر، تذكّره كما رآه الليلة الماضية، أو كما تخيّله، ولم يعد متأكدًا من دقّة تلك الصورة، هل كان مبتسمًا حقًا، أم أنّه أسقط على ما كان يخشاه، شدّ مهدي يديه بقوّة فوق ركبتيه، وأحسّ بأنّ شيئًا ما يزحف ببطء، لا من الخارج، بل من الداخل، مدركًا بوضوحٍ مؤلمٍ أنّ الحرب لم تعد هناك، في الأخبار فقط، بل سبقت البارود، ودخلت إلى العقول، إلى هذا المبنى، إلى هذه الغرفة، وربما إلى غرفٍ أخرى لمديرين عامين آخرين، وحين استقرّت هذه الفكرة في داخله، همس بصمتٍ كأنه يتشبّث بآخر ما يمكن إنقاذه:
- المهم.. ألّا تدخل القلوب.







التعليقات