إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف دائم، وتجرعِ هموم عتيقة ترتدي ثياب الحداد، ولم تظفر برؤية الوجه الآخر للحياة مذ أن فُقد زوجها في إحدى المعارك الأخيرة، وتباينت الأنباء الواردة على ألسنة الجنود العائدين من جبهات القتال بشأن مصيره المجهول: منهم من أبلغها أنه سمع خبر استشهاده في المعركة الأخيرة، بينما نفى رهط آخر من الجنود تلك الإشاعة مؤكدين لها رؤيتهم له عن بعد بعيونهم التي سيأكلها الدود أنه قد تم أسره بعد هجوم مباغت من الأعداء، ولكن جمعاً آخر نقضوا الخبر برؤيتهم له جريحاً على ضفة النهر دون أن يستطيع أحد إنقاذه بسبب شدة القصف والانسحاب السريع من أرض الحرام، بيد أنها رجحت الخبرين الأخيرين على الأول؛ لتأكيد ثلة من الرواة عليهما.
على الرغم من أنها كانت تطل على ضفة الثلاثين من العمر إلا أن مخيلتها ما فتئت تنتظر بفارغ الصبر عودة زوارقها الورقية الراحلة على سطح الماء إلى مرافئ أحلامها القديمة، كما لو كانت في عهدها الأول من الحياة؛ فحَملتْ حقائبها، وروحها، وجسدها لرحلة العذاب في قطار من العمر بزمن عسير يشق المسافات المضببة التي تختفي فيها اللائحات المشيرة إلى عناوين المدن المغسولة بأمطار الراحة والهدوء والاطمئنان. تبحث عن الماضي المخبوء في حقائبها: تجده خائفاً مذعوراً ينحني لقسوة سياط الحاضر، بينما تهرب منه الابتسامات والأمنيات من النوافذ، تحملها رياح الخوف إلى لحود الذكريات في سراديب الطفولة تاركة جسدها يهتز لحركة القطار الذي لا يكف عن الدوران في دائرة الحزن المغلقة، والأمل الذي أوصد أبوابه فجأة في زهو شبابها، وتبقى مع التيه، والزمن، والفراغ في دوران دائم، وصراع مميت يودي بها إلى حالة الضياع. تستسلم للقدر حيث ينقلها عكسياً خارج خارطة حدود أحلامها من عالم الطفولة وجمال الماضي إلى قسوة الحاضر وأنفاقه المظلمة، لتغدو الأماني الضالة كغزلان شاردة في سراب المستحيل.
في رحاب الأفق البعيد يبدو قرص الشمس الأُرْجُوانيّ المائل نحو الغروب: كشعلة من نار متقدة في فناء مخيلتها الذي ينصهر فيه خليط متجانس من مشاعر الوحدة والوحشة والاغتراب؛ فتتذكر حينما قالت لأولادها في العام الأول من غيابه:
- لا تيأسوا، سيعود أبوكم العام القادم، أو تصل منه رسالة تثبت أسره عبر اللجنة الدولية في الصليب الأحمر.
عادوا لمزاولة نشاطهم المدرسي اليومي، كلٌّ حسب مرحلته الدراسية، ثم أطبق الحلم أجفانهم على أمل أن تكتحل عيونهم برؤيته قادماً إليهم بعد انتصاف ليلة رأس السنة الجديدة ولكنه لم يأت، ولم تصل منه رسالة تدل على أسره. تتجمد دموعها على بشرة وجهها المعفرة بتجاعيد الفراق: كما الصمغ النازف من جرح لحاء الشجر. في بداية كل عام يسألونها هل ثمة أمل؟
ثم يسْتَأْنِفُونَ حياتهم غير الطبيعية وسط حصار جائر يستنزف كل أحلامهم طوال زمن دام ثماني سنوات، لتسافر في رحلة من المعاناة مع الألم طويلة الأمد، يرافقها حزنها الموروث من الفاقة وشظف العيش والحرمان، دون أن تشكو من صبرها المكبوت. تئن من أوجاع مفاصلها بسبب العمل المتواصل، والجلوس المستمر خلف ماكنة الخياطة. إلى الله تبُثّ مَا تتَوَجَّع بِهِ في جسدها، وما يحزنها من ضعف في البصر؛ تَجَلَّتْ مشقَّته في لَضْمِ الخيوط الرفيعة في خروم ضيقة لإبر الخياطة التي تنسج منها مستقبل أولادها الناجح رغم عذاباتها وأمراضها المزمنة. يفيض الشوق في صدرها لرؤية من يواسيها ويجبر خاطرها بكلمة طيبة تحثها على التصبر والانتظار، بيد أن الشدة كانت قد هزت أواصر ثقتها المطلقة وكل آمالها المعلقة بصور الأَهْلِ وَالأَحِبَّةِ وَالأَقَارِبِ الذين سرعان ما تنصلوا سراً وعلانيةً من وشائج الدم والقربى بينهم، ورحلوا بخلسة وهدوء من حدقة عينها واحدا تلو الآخر، تطاردهم دموع عِتَاب غزيرة، مُعَبَّأَة بالكثير من علامات التعجب والدهشة والخذلان.
تغرق في بحر من الهموم. القدر أخطبوط يمخر عباب ذلك البحر. أمواج الآلام لا تهدأ في جسد: مائل نحو الغروب، والشمس آفلة تتهيأ للرحيل. الأخطبوط: يعيث في أحشاء الجسد فساداً، ويفتك بالرئتين. أمواج البحر لا تهدأ، وقوارب النجاة غارقة في أعماق المستحيل. جسدها يرتعش كعصفور خائف تحطمت جناحاه فاقداً حلمه بالطيران؛ ليقبع في مخابئ الصمت واليأس. الدنيا تضيق معالمها، وهي تنظر إلى أطفالها الثلاثة، ثمار شجرة طيبة: تعرضت للعواصف، وجفاف الأوراق، والمصير المجهول. ربما للقلب أمنيات لكنه يصبح كمسكين يستجدي الرحمة على عتبة الزمن الذي لا يبالي بسيل الدموع المنحدرة: كشلال من سفح جبل من الهموم والآلام ويعود خائباً ينحني لسياط الحاضر: كفراشة قص الزمن جناحيها لتنأى عن رحيق الأزهار.
ليس ثمة هم في الروح سوى ما بعد النهاية: رعاية الأبناء بعيداً عن أبيهم المغيب في غياهب الحياة. صوت العقل يمكث معها، يلازم ما تبقى من حياتها، يدخل من نوافذ الحكمة من دون استئذان، يوصيها بالصبر من أجل الأولاد الذين احتضنتهم كما الأزهار من أشواك الزمن الجارحة.
وضعت قميصه القديم تحت وسادتها؛ عسى أن تنفذ رائحته إلى مخيلتها وتجلب لها من خلال إحدى الرؤى والأحلام بشرى سارة تعلن عن بقائه على قيد الحياة. تلك الأمنية الوحيدة التي تحتكر مخيلتها الصدئة: كطحالب خضراء تطفو على سطح بركة مياه راكدة.
رأت شخصاً بهي الطلعة على وجهه هالة من نور ملائكي، ما إن وطئت قدماه صحراء مخيلتها القاحلة حتى تحولت إلى واحة خضراء وتفجرت من الأرض عين جارية لا تنضب. هو سائح غريب يتجول في مصايف صبرها الجميل. ربما رسول بشرى يزف إليها خبراً يذيب كميات الحزن المتخثرة في شرايينها، أو قد يكون عابر سبيل من فرح مؤقت سرعان ما يتحول إلى أضغاث أحلام. ولكن الفجر يشهق لقدوم نسائمه. نادته من أعماق جرحها الغائر، أجابها بابتسامة عريضة، مشوبة بتحذير شديد النبرة ملبياً ذلك النداء:
- افتحي الباب، واستقبلي أملك المنشود، إياك والصدمة؛ فأنت للحزن معشوق دائم رغم كرهك الشديد له. ولكنك مرغمة على الارتباط به منذ الشباب، تشتد غيرته عليك إذا ما رافقتك لحظة من فرح في غفلة منه سرعان ما يطردها ويأمرها بالانصراف.
هزت جسدها أيادي أولادها الثلاثة بفرحة مفاجئة:
- استيقظي يا أمي، لقد جلب أفراد الأمن والدنا إلينا بعد إطلاق سراحه من الأسر.
صرخاتهم شقت خيوط الحرير التي نسجتها دعواتها في سنين الانتظار؛ لتستيقظ من شرنقة الحلم كأنها غير مبالية برؤية زوجها الواقف أمامها بلحمه ودمه وبشرته ولكن بتجاعيد مسنة ولون أبيض يغزو فروة رأسه و يطغى على ملامحه القديمة التي كانت طرية زاهية بالألوان. ودت لو تغمض عينيها مرة أخرى عسى أن تعود الرؤيا مرة أخرى وتلتقي بذلك الشخص لتقدم له وافر الشكر والامتنان.
حينما عانقته بحرارة مجهشة بالبكاء والنحيب رأى ثلاثة شبان يحيطون به ولم يتوان عن طرح السؤال:
- من هؤلاء؟
أجابتته بفرح بالغ:
- لك الحق أن لا تعرف أولادك بعد كل ذلك الفراق لأنك تركتهم صغاراً.
ما كادت تكمل إجابتها حتى فغرت فمها ذهولاً لسؤاله المصاحب لنظراته المريبة حولها وعلى الأولاد وفي أرجاء المكان:
- من أنتِ؟
تتفاجأ بذاكرته المغيبة في بادئ الأمر ثم تتيقن تماما بمصادرة الزمن لمحتوياتها المخزونة على المديين القريب والبعيد؛ فتهوى إلى الأرض مغمى عليها من هول الصدمة الشديدة بعد تجرعها مرارة كل ذلك الصبر العتيد والحرمان الصعب والانتظار الشديد طوال تلك السنين.
بمحاولة من أجل البقاء والتكيف للأمر الواقع لرعاية زوجها وأولادهما: تتشبث كفها بكف طبيبها الذي دائماً ما يتطوع لعمل الخير بالحضور إليها في بيتها دون أجر لتعسر حالتها المادية، ولكن الداء قد توغل بين ضلوعها مثل: عشب ضار في أرض طيبة، وكسحابة سوداء في أوردتها من دون برق يخطف في ظلمة الأحشاء، وبلا رعد يهدّد ضجيج الآلام التى تئن تحت ضلوعها وتلفها في مرض خبيث: تنعدم فيه ألوان الحياة في دهاليز معتمة، وممرات سرية تستقبل الحبوب المهدئة والعقاقير، والجلد ملتصق على العظام هجرته الشرايين غير المرئية التي سئمت من حقن الإبر المستمرة، والشعر يتساقط من تأثير الإشعاعات الكيميائية. الشفاء يغلق أبوابه، والمرض يشّن حرب الإبادة على كل الخلايا؛ ليتكاثر ويتفاقم بمخالبه الخرافية على نبضات القلب يحيله إلى حطب يابس ما أن تسقط عليه جمرة من نار؛ حتى يزداد اشتعالاً ويتحول إلى أكوام من رماد.
تضطرب أجنحة القلب: كارتعاشة طير حان دوره في الذبح مرعوباً من رؤية السكاكين المسننة، والدم المسفوح من أقرانه المذبوحة؛ فتسحب شهيقاً خائفاً لا يكفي لإنعاش رئة متهرئة، وخاوية. بغتةً، ينتهي كل شيء، وتهدأ أمواج البحر عند الغروب، لا يُسمع لمياهه هدير، وفي الفضاء تحلق أسراب الطيور: تطلق أصوات الفراق الأبدي بينما يقف على ضفة البحر زوجها الذي لم يدرك شيئاً مما يحدث وأولادها الثلاثة الذين أدهشهم سكونه المفاجئ، وعيونهم تتشبث بالرمال، والفضاء والصمت، وعقرب الساعة الذي توقف في أحشاء زمن محنَّط بالآلام.
على ضفاف الجراح

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:١٣ م






التعليقات