انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

طيور يتيمة

نجمان ياسين
نجمان ياسين

قاص وشاعر وناقد عراقي

12 دقائق للقراءة
4 مشاهدة
طيور يتيمة
مشاركة:

لا أحد يعرف كيف جاء هذا اللقب ، ولا أحد يعرف معنى هذا اللقب أيضاً ، لا أحد منا نحن الأولاد العفاريت ، يعرف أيَّ شيء عن أهل - غريب النسلي - ، ولسنا ندري من أين وصل إلى حيِّنا العتيق ، ليفتح دكان حلاقته العجيب !

ذلك الدكان الذي يوفر الفيء والهواء المنعش لنا ، ويجعلنا مبهورين بالطيور التي

تتهادى برشاقة وتغني بأصوات تطربنا ، وتجعلنا ننسى أنفسنا وعذاب العصا التي

ستنهش أجسادنا عندما يعرف آباؤنا أننا قد هربنا من كُتّاب – المُلاّ كسو – وقصدنا دكان حلاقة " غريب النسلي " !

دكان حلاقة " غريب النسلي " ، قريبة من كُتّاب – المُلاّ كسو – ذلك الأعضب العجوز الذي تقول عنه جدتي :

- ما إيبول على يد مجروح !

الدكان قرب – سوق الأحمدية – ونصعد إليه مستخدمين عشر درجات مبنية من حجارة خشنة وطين ، تفضي إلى الزقاق التي تأخذنا إلى السوق ، وفي مطلع الزقاق نبصر دكان الحلاقة ، منزوية ، منعزلة ، وبعيدة عن صخب وأصوات السوق بالرغم من أننا نسمع أحياناً أصوات وشتائم بعض الباعة السفهاء كما يصفهم  – المُلاّ كسو –.

إعتدنا أن نذهب في الصيف إلى كُتّاب – المُلاّ كسو – وإعتاد أن يفتش الخرق التي تحمل طعامنا ، وكان يحلو له أن يأخذ من هذا الولد بيضة ، ومن الآخر خيارة ، ومن الثالث حبة طماطة ، كما إعتاد أن يقتطع من كل رغيف خبز قطعة ، ويكوِّم كل ذلك في زنبيله ، ولا ينسى أن يسألنا إن كان بحوزة أحدنا بعض ذرات الملح !

يقرأ - المُلاّ كسو – على الطعام ويقول لنا :

- كلوا يا أولاد فقد باركته بآيات الذكر الحكيم .

ويحمل طعامه ويغيب عنا لدقائق ، يعود بعدها في هيأة وحش همه أن ينقض علينا ويفتك بنا!

من منا نحن الأولاد ، لا يذكر كيف كان يتحجج علينا ، ويهيئ لنا الذنوب ؟ كي تبدأ عصاه القاسية إضرام النار في أيدينا وأرجلنا ومؤخراتنا !

من منا لا يتذكر زنقة – الفلقة – حيث تدور لائبة أرجلنا المقيدة ، وترتعش أصواتنا مستغيثة من لسعات النار على باطن أقدامنا ؟

وهل ننسى إيقافه لنا في حر الشمس وإجبارنا على قراءة : - قل يا أيها الكافرون لا أعبد

ما تعبدون – مائة مرة . كي لا ننساها ونخلط ونذنب في قراءتها كما نفعل في كل مرة ؟ !

لكننا كنا نخطئ الحفظ في كل يوم ، وينال من أذنب منا العقاب الذي يجعل أقدامنا محمرة ، ومنتفخة متورمة ، كل يوم .

وجدنا نحن أولاد الحي العتيق ، كيف نتخلص من كُتّاب – المُلاّ كسو – وكان الحل ممتعاً ولذيذاً ، فبدل أن نذهب إلى كتابه ، نذهب إلى دكان حلاقة " غريب النسلي "، ونمضي وقتنا مع طيوره وألعابه الحلوة ، موهمين أهلنا بأننا قد فعلنا ما أرادوا لنا في الذهاب إلى الكُتّاب !

كثيرة هي الأفعال التي أدهشتنا في جنة " غريب النسلي " ! وكثيرة هي الأمور التي جعلتنا نصفر لهفة وإنبهاراً ، ونحن نبصره يقوم بأفاعيل تدخل السرور إلى قلوبنا النابضة بالسؤال عما يجري في هذه الدكان الطيبة الحبيبة إلى أرواحنا !

ندخل الدكان من بابها الخشبية المرصعة بدوائر تشبه عيوناً فضية لامعة ، لنصبح داخل غرفة رحبة ، باردة ، جدرانها من جص شديد البياض ، وأرضيتها من تراب مصقول ومتماسك ومرشوش برذاذ خفيف من الماء ، وثمة مروحة تتدلى من السقف وترسل الهواء الناعم الذي يتسرب إلينا بحنو ورحمة .

وجوار كرسي الحلاقة ، منضدة إستقر عليها مذياع صغير أصفر اللون ومستطيل ، وقريباً منه – غرامافون – تجاوره إسطوانات كثيرة ، تبدو مثل أقراص سود متوهجة تحت نثار الضوء المتسلل من أعلى الكوة في سماء الغرفة .

ندخل الغرفة ومعنا لفات طعامنا ، والحقائب المصنوعة من بقايا ثياب قديمة معلَّقة على أكتافنا، وداخلها جزء - عمَّ - وجزء - تبارك - ومعنا لهفتنا وخوفنا ولهيب الصيف تحت جلودنا .

يقول أحد الأولاد :

- جئنا لنقص شعورنا .

يهز " غريب النسلي " رأسه بوداعة ، ويرسم إبتسامة حنونة على شفتيه . ويشير إلينا أن نجلس ، يشير من دون أن يتفوه بكلمة أو حتى بحرف !

هكذا كلما إرتأينا أن نهرب من الحر وعصا المُلاّ المنقوعة بالماء والملح التي تنهش أقدامنا وأيدينا ، نلجأ إلى جنتنا الآمنة .

ندخل الغرفة ، فيواجهنا " غريب النسلي " بإبتسامته الرقيقة المفصحة عن الإحتفاء والترحيب بنا، نرى ذلك أيضاً في عينيه المبتهلتين الناعستين وكأنه ضائع أو خارج من نوم طويل ، ونكاد نبصر في ملامح وجهه الرضي صفناته التي تُحلِّق به في حلم وتأخذه من حلم ، ونظل متصلبين في وقفتنا !

يومئ لنا ثانية أن نجلس ، فتتراخى أجسادنا على الكراسي المغزولة من قصب رقيق يابس أصفر كالذهب ، ونشعر بعذوبة الهواء البارد تتسرب إلينا وتمنحنا راحة لذيذة .

نجلس صامتين ، نؤثر الصمت والمراقبة ، ولا يجسر أحدنا أن يبادر إلى قول أو إقتراح ، فالذي يقرر الأمر أولاً وأخيراً ، هو " غريب النسلي " .

نعرف أن وجودنا في الغرفة التي تبث السكينة في أرواحنا ، وتنشر الفرح في قلوبنا ، يرتبط بما يريد " غريب النسلي "، فهو من يقرر إن كنا سنقص شعر رؤوسنا ، أم سنؤجل ذلك إلى يوم آخر ، وهو من يحدد متى يبدأ ، وأين ينتهي ؟

وكنا نحن قانعين بكل ما يرغب فيه ، فذاك فضل منه ، وكيف لا يكون فضلاً وقد أتاح لنا الجلوس مع طيوره الأليفة التي تصدح بغناء له أكثر من لون ؟ كيف لنا ألاّ نكون راضين وقد أدخلنا جنته الباردة وإنتشلنا من جهنم الصيف ؟ كيف لا نرضى وهو لا يتقاضى منا عن حلاقة الرأس الواحد سوى نصف درهم . بينما يأخذ الحلاقون الآخرون الدرهم بالتمام والكمال؟

نجلس ونرقب " غريب النسلي " ، بدلته سوداء ولماعة ، وقميصه أبيض ناصع ، وربطة عنقه صغيرة ولونها الأحمر يشبه الدم الصافي ، وفي جيب سترته الأعلى وردة تكون مرة بيضاء ومرة حمراء ، تتدلى قريباً من قلبه ، عند الصدر النحيل الملموم على جسد ضامر .

أرقب شعره المدهون والمفروق من الوسط ، شعره الأسود كالليل وهو يحيط بوجهه الأبيض ، وأكاد أمسك بالحزن في عينيه المبتهلتين ، وأذكر قول خالي الذي اكتشف هروبنا من – المُلاّ كسو – والتجاءنا إلى جنة " غريب النسلي " ، ولم يخبر آباءنا في الحي العتيق ، بل تستّر علينا ، أذكر كلمات خالي تقرع كالناقوس في رأسي:

- مسكين غريب النسلي ، مسكين ومنكسر القلب ، يقولون إنه في شبابه قد تعشّق صبية سلبت عقله ، قالوا بأنها من عائلة تحصر الزواج بين الأقارب فقط ، وقالوا بأن النسلي قد طاش فؤاده وضاع لبه ، وإنه قد هام حافياً في طرقات المدينة لأشهر ، ثم إسترد نفسه وإعتكف في دكانه منقطعاً عن الدنيا .

وجه النسلي ، حليق ، طري وغض ، ومن دون شاربين ، وتفوح منه رائحة عطر طيِّب ، وأصابع يديه ، رفيعة وطويلة وتشف عن عروق ناعمة خضر بارزة .

نجلس في الدكان .

نرقب الطيور ، ونتطلع إلى النسلي بعيون مختلسة مثل لصوص ، لنعرف ما يجري وعلى الرغم من أننا قد ألفنا بعض عاداته ، إلاّ أننا لا ندري كيف سيتصرف ، فهو في كل مرة ، على حال ، وفي كل مرة ، نكتشف شيئاً جديداً في تصرفه معنا .

يحدث أن يقول لنا إذا أراد حلق شعر رؤوسنا :

- البداية .

وبعد أن ينتهي ، يقول :

- النهاية .

هكذا ، يلفظ هاتين الكلمتين ، ولا شيء سواهما ، فكأنه لا يعرف إلاّ هاتين الكلمتين .

ويحدث ألاّ يكون في مزاجه ، وقد قرر مسبقاً ألاّ يحلق شعر رأس أحد ، فيدير الكرسي إلى جهة معاكسة ، ويسحبها إلى زاوية بعيدة عن المرآة .

وكنا نفهم هذا ، كما نفهم أن ليس بمقدور أحد أن يخرجه من إنغماسه في تدخين غليونه الذي يعبق برائحة تبغ له نكهة تفاح وخوخ وإجاص ، نكهة مختلفة في كل مرة ، نكهة فواكه تسطلنا وتجعل لعابنا يسيل من دون جدوى ، وكنا نتساءل :

- من أين يجيء بكل هذه التبوغ ؟

أما إذا دخلنا الدكان ، وكان يصغي إلى مذياعه الذي يرسل الأغنيات الأجنبية أو يستمع إلى أسطوانة تدور مع الغرامافون ، فينبغي ألاّ نصدر نأمة ، وأن نجلس كالتماثيل ، ولن نجلس إلاّ إذا أومأ إلينا بذلك كعادته من دون كلمة أو حرف .

أحياناً ، نراه ساهماً ، ملتفاً على نفسه مثل قنفذ مذعور !

وأحياناً ، نراه صامتاً ، غائم العينين ، يبدو وكأنه يمنع دموعه من الإنسكاب على وجهه الناعم.

وربما رأيناه مرة وقد تراقص الجذل في عينيه ، وبدا شعاع نور يومض بالطمأنينة في أعماقهما النائية ، ولعلنا أبصرناه مرة ، يخرج صفيراً مبهجاً ويحاول أن يدندن بصمت مخنوق لحن أغنية لم نعهدها . يدندن وعيناه شبه مطفأتين !

وقد يكون بعض الأولاد ، مندهشاً مما يجري ، ويكون بعضهم غير مستوعب وقد يرون أن النسلي يهملهم ولا يأبه لهم ، لكن جميع الأولاد ، يشعرون بالرضا ، فهم يعرفون أن ساعاته ليست واحدة ، كما يتحدث أبناء الحي العتيق .

أشياء وأشياء تجعلنا نحب النسلي ، ونقف بين يديه مذعنين ، ممتثلين لأوامره التي تصلنا عبر إشارات يديه النحيفتين ، وعينيه اللتين ترسلان إلينا رسائل كنا قد برعنا في تسلّمها وكشفنا بمهارة ما تريد منا !

نُسلِم رؤوسنا له ، فينكث بيديه السريعتين ، شعورنا ، ويستكشف ما تحوي في طرقاتها ودروبها من فجائع مخجلة ، وإذا صادف وأن عثر على قمل أو بيوض قمل ، توقف للحظة شبه مصعوق ، ثم عاد إلى معالجة الأمر بهدوء وذلك بأن يبلل قطعة قطن بالكاز ويفرك بها شعورنا فركاً متأنياً رفيقاً ثم يشير إلينا بيديه الناطقتين وعينيه الحزينتين ، أن ننهض ليقودنا خارج الدكان حيث يوقفنا في الشمس لدقائق صاغرين ، كي يموت القمل وتطرد بيوضه التي تمص دمنا ، وإذ ينتهي من تنظيفنا ، يبدأ معاينة شعر رؤوسنا ، يعرف كيف يجعل الشعر الخشن الشبيه بجزة صوف ، ليناً ، ويعرف أية قصة تلائم الشعر الأشقر أو الشعر الأسود أو الشعر التمري ، ويعرف ما يفعل بشأن الشعر المرسل الخفيف كالريش ، والشعر الملبد القاسي، يتفنن في قص شعورنا على مزاجه ، يختار لنا طول الشعر ونوع المشط ، وبأية طريقة يُرّجل هذا الشعر من دون ذاك ، وأي مقص يستخدم ؟ ولا يفوته أن يضفي لمساته البارعة في تشذيب ما يزيد من شعرات هنا وهناك ، لينهي عمله بتمسيد شعرنا بدهن كثيف يجعله يسطع ملتمعاً تحت الضوء .

وبعد أن ينظف شعورنا ، ونصير مشرقين ، نحاول أن ندس قطعة النقد في يده ، فيمتنع ، ويشير إلينا بأن نضعها في صندوق من معدن له شق صغير ، فنفعل ، وربما وضع أحدنا عشرة فلوس بدلاً من نصف درهم ! وحينذاك يبتسم النسلي إبتسامة رضية فاتنة ، ويومئ إلى طعامنا الراقد في حقائبنا مشيراً إلى فمه وبطنه ، فنفهم ، ونضحك ، ونخرج لفاتنا ونبدأ قضمها مثل فئران شرهة أنهكها الجوع .

ويراقبنا ، وعيناه تبرقان بحنو وحزن .

وعبثاً حاولنا أن نشركه في طعامنا ، وعبثاً حاولنا أن نرفض بعض عناقيد العنب الأبيض الحلو كالسكر الذي يسمونه - أصابع البنات - والذي كان يقدمها لنا ، وشبح إبتسامة جريحة تلوح في وجهه الحزين .

نأكل بنهم وتلذذ ، ويداعبنا الهواء المنعش بليونته وبرودته ، فنشعر كأننا في جنة ، ونصغي إلى دقات قلوبنا تنبض بالسرور ، ونراقب النسلي وطيوره .

صدور الطيور مرقطة بالأحمر والأسود والأصفر ، ولبعضها لون البنفسج ولون الذهب أيضاً، وربما توهج ريش بعضها بلون الفضة .

عيون الطيور تبرق مضيئة ، ريشها براق ونظيف يلمع تحت نور الشمس النازل من أعلى الغرفة ، ريشها ناعم كالحرير .

الطيور تحف بالنسلي ، وتحيق به من كل صوب ، يرتمي بعضها في حضنه ويندحس طير في فتحة قميصه ، ويقفز آخر إلى أحد كتفيه ، ويضم هو طائراً إلى صدره ، يقربه من وجهه وعينيه ويهمس شيئاً في أذنيه ، يوشوش له بصوت مكتوم نتبينه في إرتعاش شفتيه ، يتمتم ويطلقه ليمسك طيراً يناغيه ويناجيه بلغته الصامتة ، يلتحم به ويحدق في عينيه الملتمعتين ، وشفتاه ترتعشان بخشوع كما لو كان يمسك شيئاً طهوراً له قدسية ، والأولاد ينظرون مشدوهين ، وأنا أتذكر قول جدتي لي :

- إن النبي سليمان ، كان يكلم الحيوانات والطيور !

أتذكر قول جدتي وأبصر أمامي النسلي يكلم الطيور مثل نبي الله سليمان .

الدهشة سماء تهبط علينا ، ونحن نرقب ونسمع ونرتجف فرحاً ، فكأن الطيور قد أدركت أن النسلي يستحثها على الغناء ، فبدأت تشدو بأصوات شجية ، تتوقف فجأة عن الغناء وكأنها قد أفرطت وجاوزت حدها وسرعان ما تفيض بالغناء ، وعينا النسلي ، فيهما إبتهال وضراعة ولهفة حتى ليبدو مثل غريق في نهر الغناء الصافي وتردد النغمات والألحان في مهرجان الطيور .

وجه النسلي ينم عن الرضا ، وثمة طائر يصدح بصوت مرتفع وآخر ينبعث صوته بخفوت .

الطيور تشدو بأنغامها المتناسقة ، والمتنافرة ، تغرد جماعياً وفردياً وثنائياً ، وتندفع في الغناء حتى إذا شعرت بأنها قد تمادت ، أمسكت ، وعادت لتغني بصوت ملآن يصدح بالألفة مرة ، وبالوحدة مرة ، ويجيء غناؤها مشحوناً بالبهجة ، متلاصقاً ، ومتتابعاً ، هارباً ومتعاقباً ، وتنقر ريش بعضها بنعومة ومناغاة ، وتنثني متمايلة في رشاقة ومرح وخيلاء .

النسلي يراقب الطيور ، ويغرق في نهر أصواتها الغزير الذي يفيض علينا ، ونحن نغرق معه في هذا الغناء المتسق المتناغم الذي يأخذ أرواحنا بعيداً عن أشواك دنيا - المُلاّ كسو - وعقابه الصارم .

وعندما تنتهي الطيور من أناشيدها ، تنفش ريشها وتداعب بعضها بحنو ، فينهض النسلي ليرمي حبات القمح ونثار القش المُجَّوف ، ويستبدل بمائها ماءً جديداً موضوعاً في كاسات من خزف أخضر اللون يشبه كاسات اللبن الرائب الذي نعده في بيتنا .

تنقر الطيور الحبات ، وتلتقطها وتعبث بنثار القش المُجَّوف ، وتندفع صوب الدائرة التي كوّنها نور الشمس ، فتنفش ريشها ، وتتشمس وتروح تغرد بأصوات آسرة تجعل الدنيا ترقص بحبور ، وتجعل أرواحنا تخفق بسعادة لذيذة .

لماذا جاء الأولاد بهذا الخبر ؟

ولماذا شعرت كأن حبلاً يلتف على رقبتي ويمسك جوزة حلقي ؟ لا بل لماذا أحسست كأنهم يدقون مسماراً صدئاً في قلبي ؟

الآن أشعر بمرارة قاسية في فمي ، بأشواك عصية تُقَمِط صوتي وتمنعني من الصراخ .

هل صحيح أننا قد فقدنا جنتنا ، وأننا لن نبصر النسلي ؟ وأين ستذهب الطيور الآن ؟

إنتبه أهل الحي العتيق ، إلى أن النسلي لم يعد يفتح دكان الحلاقة !

وإنتبهنا قبلهم إلى ذلك ، فقد هربنا من كتاب - المُلاّ كسو – لمرتين ، لندخل جنتنا المأمونة ، ووجدنا الباب موصداً.

هجم القلق علينا .

قال مختار الحي لخالي :

- فاحت رائحة من داخل الدكان ، وسمعنا صراخ ونواح الطيور ، فإضطررنا لكسر الباب ، ووجدناه مسجى على الأرض ، تصور كان يبدو وكأنه يبتسم في موته ، وكانت طيوره مذعورة ، صرخ بعضها وطار بعضها الآخر خارج الدكان ، وبقيت طيور أخرى تولول بيتم وتبكي عند رأسه !

هبط الخبر على رأسي مثل حجارة ناتئة ، شجته وأدمتني !

قال خالي :

- هكذا هو منكسر القلب ، غريب ، وحيد .

قال المختار :

- دنيا .

تمنيت لو أن للدنيا رقبة ، لكسرتها ، وتخيلت أن وجه الدنيا الأسود يضحك أمامي متشفياً فشرعت أبصق عليه بلا هوادة .

ووجدتني أسأل روحي :

- أين سنهرب من مجلس الأعضب - المُلاّ كسو - ومن نار الصيف ، وقد غادرنا غريب النسلي ، وتركنا مثل يتامى ضائعين ؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٨ تموز ٢٠٢٦ في ٠٥:٠٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

سيرة المرايا
سرد

سيرة المرايا

(1) المرآة ذاكرة المسافات التي تتهشم على حواف الزمن. تمامًا؛ ما يحدث في مرآة السيارة، فلا صورة تبقى في حاضرها، كل الزمان عجول ليكون في ماض هارب. في مرايا السيارات؛ مفارقة تلازمك، أنك ترى مستقبل حادثة تقع لك، فعندما تترجل ترى الذكرى لما جرى لك، فأنت قد كنت حاضرًا وشاهدًا فقط، ليس بمقدورك أن تلحق…

· 4 د
أقفاص الكلمات
سرد

أقفاص الكلمات

في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل من نصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفال ينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري. السوق لا يبيع أجسادًا فحسب، بل…

· 2 د
أطراف الضوء
سرد

أطراف الضوء

(الحرية هي ما تفعله بما فُعِل بك.!!) "سارتر" لم تك الشظايا هي التي أصابتها. كانت الفكرة.الفكرة التي مرت في السماء كطائر أعمى، ثم هبطت في جسدها لتستقر.منذ ذلك اليوم، صار جسدها وثيقة سياسية، وصارت روحها سؤالًا لا تجيب عنه نشرات الأخبار.في الصباح، لا تستيقظ؛ تُستخرج من نومها كما تُستخرج اعترافات من فم…

· 6 د