في بَدء التّكوين، يَومَ كانَت طاقَةُ الهَيُولى تَموجُ كَسَديمٍ لَزِجٍ فَوقَ مَاءِ العَدَم، لم تَكُن تِلكَ التَّجاويفُ مُجرَّدَ مَجارٍ لِلتَّصريف، بَل كانَت أمعاءً صِناعيّةً عَمياء تَمْتَدُّ كأورامٍ مُستَحكَمةٍ تَحتَ قِشرةِ الأَرض، تَجتَرُّ نُفاياتِ الزَّمَنِ وسَوائِلَ النِّظامِ الغَليظة. في ذلكَ القاعِ السُّفليّ، حيثُ يَتوقَّفُ النَّبضُ الحَيويُّ لِيَبدأَ نَبضُ التَّحلُّل، كانَت قَطراتُ الوَحلِ تَهوِي خارِقَةً نَواميسَ الجاذِبيّة، تَتَحرَّكُ بإيقاعٍ رَتيبٍ تُمليهِ ساعَةٌ حَديديّةٌ مُحشُوّةٌ بِمَسحوقِ العِظام؛ كأنّ ذلكَ الحَيّزَ امتِدادٌ مَطمورٌ لِمَخابِرِ الاستِئصال، حيثُ يُحكَمُ على الكَينونَةِ بِنِسيانِ فِكرَةِ النور.
في هذا التَّجويفِ المُظلِم، كانَت أسرابُ الصَّراصيرِ تَتَناسَلُ كأفكارٍ مَعطوبَةٍ تَتَداوَلُها جُمجُمَةٌ مَعدِنيّةٌ غارِقَةٌ في الدَّيْجور. كائناتٌ تَدثَّرَت بِدُروعٍ كيتينيّةٍ صَلبَة تَلْمَعُ بِشَحمِ التُّروسِ والزَّيتِ النَّفطيّ، تُولَدُ وفي صُدورِها فُجُواتٌ جاهِزَةٌ لِالتِهامِ أقرانِها. لم يَكُن تَكاثُرُها فِعلاً حَيَويّاً لِلبَقاء، بَل كانَ خُضوعاً لِـ "الهَندَسَةِ العَكسيّةِ لِلإبادة"؛ فَكُلُّ كَبسولَةٍ تَنفَلِقُ لا تَقذِفُ بِيَرقَةٍ إلى الوُجود، بَل بِمِرآةٍ مُهَشَّمَةٍ تَعكِسُ ذاتَ المَلامِحِ المَمْسُوخَةِ لِلصَّرصورِ الذي سَبَقَها، لِيَتَأبَّدَ التَّشويهُ في حَلَقةٍ مُوصَدَة.
فَوقَ كُتْلَةٍ شُيِّدَت مِن أسرّةٍ مَعدِنيّةٍ مَصهورَة، ومَساميرَ جِراحيّةٍ صَدِئَة، جَلَسَ "المُهندِسُ الأكبَر"، رَقيبُ الدَّائِرةِ وكَبيرُ مُصَمِّمِيها؛ كائِنٌ صَقريُّ المَلمَحِ يُشبهُ مَشارِطَ التَّشريح، بِعَينَينِ مَسلوخَتَينِ تَعمَلانِ كَعَدَساتِ رَصدٍ لا تَرَيانِ إلا مَناسيبَ التَّلَف. كانَ يَقبِضُ على قَضيبِ تَحكُّمٍ حَديديّ يَقيسُ ثِقَلَ الزَّيْفِ ومُعامِلاتِ الإذعان. كانَت أطرافُهُ مَوصولَةً بِخَراطيمَ عِملاقَةٍ تَضُخُّ في المَسارِبِ "عُصارَةَ البُكاءِ المُمَوَّه"؛ مَزيجاً رَصاصيّاً يُعَطِّلُ المَجَسّاتِ العَصَبيّة، فَيُقنِعُ القَطيعَ بأنّ غازَ الميثانِ المُتَصاعِدَ هوَ نَسيمُ الحَياة، وأنّ نَهْشَ لَحمِ الشَّقيقِ لَيسَ جَريمَة، بَل "وَظيفةٌ خَلَويّةٌ حَتميّةٌ لِصِيانَةِ المَنظومَةِ وضَمانِ ضَغطِ الأُنبوب.
كانَت مَجموعاتُ الصَّراصيرِ تَتَلاحَمُ في دَوائِرَ دِفاعيّة، تَقضَمُ أرجُلَ بَعضِها في حَالةٍ مِنَ التَّشنُّجِ القَسريّ. وإذا ما جَسَرَ صَرصورٌ مارِقٌ على مَدِّ قَرنِ استِشعارِهِ نَحوَ صَدْعٍ في سَقفِ القَبوِ تَلْمَعُ عَبْرَهُ شَظايا فَضاءٍ خَارجيّ، تَبادَرَت بَقيّةُ الرَّعيّة، بِعُيونِها البَيضاءِ العَمياء، إلى قَرضِ ذلكَ القَرنِ بِأسنَانِها دَرْءاً لِـ "خَرْقِ السَّلامَةِ العامّة". لَقَد نَجَحَ الحاكِمُ الآليُّ في غَرْسِ العَقيدَةِ الوَظيفيّة:
فالآخَرُ لَيسَ شَريكاً، بَل قِطعَةُ غِيارٍ غِذائيّةٍ تُؤجِّلُ عَمَليّةَ التَّلَف. لم تَكُن كَينونَتُهُم سِوى أرقامٍ في كَشْفِ تَجارِب؛ نَماذِجَ حَشَريّةً تُحقَنُ بِوَهمِ النَّجاة، بَينَما تُفرَغُ بُطونُها مِن أيِّ مَعنى.
خَلفَ عَوازلِ الزُّجاجِ المُصَفَّح، على الضِّفافِ المَعزولَةِ لِحَوضٍ بِلّوريٍّ صافٍ كالمِرآة، كانَت تَتَحَرَّكُ أسماكُ "الفايتَر" المُحارِبَة. كائناتٌ تَتَمَوَّجُ بِزَعانِفَ قِرمزيّةٍ ولَهَبيّة، كأنّها ألْسِنَةُ نارٍ تَمَرَّدَت على مَحارِقِ المَصانِع، تَتَنَفَّسُ الوعيَ الصِّرفَ وتَتَحرَّكُ كَشَراراتٍ تُقاومُ الانطِفاء. كانَت تِلكَ الأسماكُ تَختَزِلُ في حَمضِها النَّوَويِّ ذاكِرَةَ الدَّفْقِ الحُرّ، ويَنابيعَ التَّشَكُّلِ الأولى قَبلَ أن يَمْتَدَّ إليها خُرطومُ التَّرويض.
تَقَدَّمَت إحدى أسماكِ الفايتَر، وزِعنِفَتُها تَشتَعِلُ بِشُعاعٍ يَفتِكُ بِالعَتَمَة، ودَفَعَت بِجَسَدِها عَبْرَ ثُقبِ تَصريفٍ كَساهُ التَّكَلُّس، مُوجِّهَةً نِداءَها إلى صَرصورٍ نِصفِ مَبثورٍ كانَ يَتَهاوى على حافَّةِ مَجرىً مُتَخَثِّر.
قالَت لَهُ بِنَبرَةِ التَّمَوُّجِ الخالِص:
اقفِز نَحوَ النَّقاء! اخلَع عَنكَ هذا الرُّكام؛ إنّ المِياهَ هُنا تَطهُرُ مِنَ الدَّرَنِ ولا تَسحَقُ جلدك!
غَيرَ أنّ الصَّرصور، الذي تَخَثَّرَت أليافُ دِماغِهِ بِفعْلِ الذَّبذَباتِ المَبثوثَةِ مِن لَوحاتِ التَّحكُّم، رَمَقَها بِعَدَساتِهِ المُرَكَّبَةِ التي لا تُدرِكُ إلا حِساباتِ الصِّدام. لم يَرَ في صَفاءِ العُنصُرِ إلا خَديعَةً لِتَجريدِهِ مِن دِرعِه.
فَحَّ بِفَكَّيهِ المُتَخَثِّرَينِ بِسَوائِلِ أقرانِه:
تُريدينَ ان اجَرّي إلى المَجهول! لا لَحمُ جاري دافِئ، ومَجرانا حَصينٌ لأنّهُ لا يَكشِفُ عُيوبَنا التَّشريحيّة!.
حاوَلَتِ السَّمَكَةُ أن تَدفَعَهُ بِرِفقٍ على هُدْبِ زَعانِفِها، لَكنَّ الماءَ النَّقيَّ ما إن لامَسَ غِشاءَهُ المَكشُوفَ حتّى أحرَقَهُ كالحِمْض؛ لَقَد أُعِيدَت بَرمَجَةُ خَلاياهُ لِتَستَمرِئَ القَيْحَ وتَلفُظَ النَّقاء. وفي هَجمَةٍ عَمياء، غَرَسَ أنيابَهُ في نَسيجِها الحَريريّ، سَاعِياً إلى سَحبِها نَحوَ الرَّواسِب، لِتَغْرَقَ مَعهُ في القاعِ ذاتِهِ وتَغدو القَباحَةُ شَرطاً شَامِلاً لِلجَميع.
تَراجَعَتِ السَّمَكَةُ والدَّمُ الذَّهبيُّ يَتَساقَطُ شُهُباً صَغيرَة، مُدرِكَةً الحَقيقَةَ القاطِعَة:
تَعجِزُ زَعانِفُ الحُريّةِ عَن نَجدَةِ كائِناتٍ جَرى تَبْديلُ جِهازِها العَصَبيِّ بِبَرنامَجِ الإفناءِ الذّاتيّ.
عِندَ البَرزَخِ الاظلم، حيثُ يَلْتَقي الإشعاعُ البِلّوريُّ بِأدخِنَةِ القَطران، بَرَزَ "المُهندِسُ الأكبَر" كَكُتْلَةٍ هَجينَةٍ مِن صَفائِحِ التِّيتانيوم، ومَسنَناتِ العاج، ورُؤوسٍ نَحتيّةٍ مُشَوَّهَةٍ تَتَشابَكُ فيها المَجَسّات. كانَ يُلوِّحُ بِمِسطَرَتِهِ الفُولاذيّةِ كَأداةِ فَصْلٍ جِراحيّ.
على الجِهَةِ المُقابِلَة، كانَت الفايتَر تُناوِرُ في مَدارِها الصّافي، زَعانِفُها القِرمزيّةُ تَتَوَهَّجُ كَشُعلَةٍ تَرفُضُ التَّرويض، وزَفراتُها تُطلِقُ كُراتٍ هوائيّةً تَرتَطِمُ بِالحاجِزِ الزُّجاجيِّ كَمَطَارِقِ تَحذير.
بادَرَها المُهَندِسُ بِصَوتٍ ميكانيكيٍّ حادّ:
ما زِلتِ تَتَرَدَّدينَ حَولَ صَمّاماتِ الطَّرْد، يا وَريثَةَ البَدائيّةِ العَقيمَة. تَبْعَثينَ بِطَيفِكِ في نِظامٍ لا يَحتَمِلُ الزَّوائِد. ألَمْ تَستَوعِبي بَعدُ هَندَسَةَ هذا القاع؟ النَّقاءُ هُنا لَيسَ خَلاصاً، بَل طاقَةٌ مُدَمِّرَةٌ تَنْتَزِعُ استِقرارَ التَّدوير!
صَدَمَتِ السَّمَكَةُ لَوحَ الزُّجاجِ فَرَنَّ الفَراغ:
تُسَمّيهِ استِقراراً وهُوَ خَنْقٌ مُبَرمَج! أحْكَمْتَ إغلاقَ هذا القَفَص، شَحَنْتَهُ بِالعَفَن، ثُمَّ لَقَّنتَ الحشرات أنّ الرُّكودَ حِكمَة، وأنّ التِهامَ الأطرافِ فَرِيضَةُ بَقاء. أيُّ انتِصارٍ هذا الذي تَبنيهِ على مَحْوِ إدراكِ كائناتٍ حَيّة، لِتَفرِضَ عليها الإيمانَ بأنّ حُدودَ وُجودِها لا تَتَعدّى مِساحَةَ القَبوِ الذي تُرْدَمُ فيه؟
تَطاحَنَتِ التُّروسُ في صَدرِ المُهَندِسِ مُحدِثَةً هَديراً مَكتوماً:
الحُريّة؟ ذلكَ الخَلَلُ البُنيَويُّ الذي يُفجِّرُ الأجهِزَة! انظُري عَبْرَ العَازِل؛ إنّهم لا يَطلُبونَ تَحريراً. أنا لم أنتَزِعْ سِيادَتَهُم بِالقَسر، بَل قَدَّمتُ لَهُم التعويض والمُعاوَضَةَ الأكثَرَ نَجاحاً في تاريخِ المادّة:
كَفَيْتُهُم مَشَقَّةَ الإدراك. التَّفكيرُ نَزيف، ونَقدُ الواقِعِ عَطَبٌ لا يَبْرأ. لَقَد بَنَيتُ لَهُم دَورَةً تَشغيليّةً مُغلَقَة؛ أطعَمتُهُم الخَوف، والخَوفُ هوَ المادَّةُ اللاصِقَةُ الوَحيدَةُ التي تَردَعُ التَّشَظّي. حينَ يَنقَضُّ الصَّرصورُ على صِنوِهِ، هوَ لا يَرتَكِبُ فَوْضى، بَل يُؤدّي دَورَهُ المَرسومَ لِتَغذِيَةِ المَسار. مَن أنتِ لِتَسلُبي مِنهُم سَكينَةَ العَمَى؟
رَدَّتِ الفايتَر بِثَباتٍ قاطِع:
أنتَ لم تُعفِهِم مِنَ العَطَب، بَل جَرَّدتَهُم مِنَ المَعنى حتّى غَدا الألَمُ هُوَ الإشارَةَ الوَحيدَةَ التي يَتَحَقَّقونَ بِها مِن وُجودِهِم! حَوَّلتَهُم إلى قِطَعِ غِيارٍ في مُختَبَرِكَ الآليّ، تَقيسُ مَدى صُمودِهِم أَمامَ التَّلَفِ وتَزعُمُ أنّ تِلكَ "طَبيعَة". هُم يَكرَهونَ مِياهي النَّظيفَةَ لأنّكَ مَحَوتَ مِن ذاكِرَتهم التَّدَفُّقِ الأوّل، وعَلَّمتَهُم أنّ الشَّفافيّةَ خَطَرٌ يَسلِبُهُم غِطاءَ النَّجاة. هذا لَيسَ نِظاماً، بَل تَحويلُ الحَياةِ إلى تِرْسٍ مَيتٍ في مُعَدَّلِ هَلاكٍ عالي ورتيب!
تَبَدَّلَت لَوحَةُ الوَجهِ في هَامَةِ المُهَندِس، وانطَفَأت إحدى شاشاتِهِ كَشَقٍّ حَجريّ، ثُمَّ أشارَ بِمِسطَرَتِهِ إلى كُتلَةٍ تَتَنازَعُ على فَضلَةٍ مُتَكَلِّسَة:
لو رَفَعتُ هذا الصَّمّامَ الآن، وصَبَبتُ مِياهَكِ فوقَهُم، لَتَقَشَّرَت أجسادُهُم هَلَعاً. النُّورُ سَيُتْلِفُ شَبَكيّاتِهِم لأنّها صُمِّمَت لِلعَمَلِ في الرُّكام. لو عايَنَ الصَّرصورُ حَقيقَةَ دَمامَتِهِ لانْتَهى رُعْباً مِن ذاتِه. أنا دِرعُهُمُ الواقي؛ أنا مَن يُديرُ الوَهْمَ لِيَحفَظَ التَّماسُك. الخَلاصُ الذي تَدْعِينَ إليهِ هُوَ فَناؤُهُم، لأنّهُم لم يَعُودوا كائناتِ البَدء، بَل أُعِيدَت هَندَسَتُهُم هُنا:
" مُستَهلِكونَ ومُستَهلَكون"!
هَدَرَتِ السَّمَكَة، وزَعانِفُها تَتَّسِعُ كَرايَةِ مُجابَهَة:
حتى وإن كانَت المِياهُ سَتَكويهِم، فالتَّلاشي في طاقَةِ النَّورِ أنقَى مِنَ التَّرَسُّبِ في حَمْأةِ المَجرى! أنتَ لا تَخشى على عُيونِهِم مِنَ التَّلَف، بَل تَرتَعِدُ مِن لَحظَةِ الإبصار؛ تَخافُ أن يَكُفَّ صَرصورٌ واحِدٌ عَنِ النَّهْش، ويَرفَعَ مَجَسَّاتِهِ مُتَسائِلاً:
"لِماذا؟". سُؤالٌ واحِدٌ كَفيلٌ بِإسقاطِ بَرمَجَتِكَ وإحالَةِ مِسطَرَتِكَ إلى حَديدٍ خُردَةٍ في قاعٍ مَهجور!.
تَباطَأت حَرَكَةُ التُّروسِ في صَدرِ المُهَندِس، وغَامَت مُؤشِّراتُهُ لِلَحظَةٍ كأنّ التِمَاساً مَسَّ داراتِهِ الدَّاخِليّة، ثُمَّ سَحَبَ أطرافَهُ إلى الظِّلّ، تارِكاً خثرة سوَداء َتتَدَفَّقُ عَبْرَ الصَّفائِحِ لِيَطمِسَ المَشهَد، وقَالَ بِصَوتٍ مُخْتَنِقٍ اختَلَطَ بِصَريرِ المَضَخّات:
ذَلِكَ السُّؤالُ يَستَدعي جَسارَةَ التَّمرُّد، وأنا قَد حَوَّلتُ التَّساؤُلَ عِندَهُم إلى عَطَبٍ مَحظور، واستَبْدَلتُ الإرادَةَ بِغَريزَةٍ واحِدَة:
أن يَسلَمَ الكائِنُ لِيَأكُلَ جِوارَهُ غَداً. ارحَلي؛ فهذا القاعُ لا يَسقُط الى قاع ادنى منه... لأنّهُ هُوَ السقوط نَفسُه!
تَراجَعَتِ الفايتَر إلى أعمَقِ نُقطَةٍ في الحَوض، واحتَشَدَت شُعلَتُها القِرمزيّةُ حتّى استَحالَت كُتلَةً ضَوئيّةً ذاتَ كَثافَةٍ مُطلَقَة. لم تَكُن تَسبَح، بَل كانَت تَستَنهِضُ عُنفُوانَ المِياهِ التي حُبِسَت دُهوراً في مَساماتِ التُّراب. وبِاندِفاعَةٍ انشِطاريّة، انقَضَّت كَسَهْمٍ نارِيٍّ فاصطَدَمَت بِالحاجِزِ الزُّجاجيّ!.
تَصَدَّعَ الجِدارُ الفاصِلُ بِدَوِيٍّ هائِل. انْفَجَرَت الحاجز الزجاجي؛ فَاجتاحَت أمواجُ البِلّورِ القَنواتِ الصَّامِتة، والتَحَمَ النُّورُ السَّائلُ بِأدخِنَةِ النَّفطِ ومَلفّاتِ المُهَندِسِ الأكبَر. تَحَوَّلَ القاعُ إلى ساحَةِ تَطهيرٍ مَيكانيكيّ:
التُّروسُ تَتَناثَرُ شَظايا، والأبواقُ تَغَصُّ بِالماءِ فَتَنفَجِر، والصَّراصيرُ تُفاجَأُ بِشُعاعٍ يَفتِكُ بِأغشِيَتِها الكيتينيّة؛ فاشتَعَلَت دُروعُها في صَحوَةٍ خاطِفَةٍ لم تَدُم إلا ثَوانِيَ مَعدودَة، تَبَخَّرَت بَعدَها وتَحوَّلَت إلى هَباءٍ أسوَدَ يَسري مَعَ الطُّوفان. ذَابَت مَقاصِلُ الحاكِمِ تَحتَ ضَغطِ السَّيل، وتَشَظَّتِ السَّمَكَةُ مِن هَوْلِ الارتِطام، فامْتَزَجَ مَاؤُها بِابخرة الفَناء.
سَادَ بَعدَ ذلكَ صَمتٌ جيولوجيٌّ شامِل. لا أجهزةَ تَضُخُّ السُّموم، ولا حَشَراتٍ تَتَغذّى على بَعضِها، ولا لَوحاتِ تَحكُّمٍ تُديرُ المَفرَمة؛ انتَهى المَعمَلُ بِتَلاشي القاهِرِ والمَقهورِ مَعاً!.
مَرَّت دُهورٌ طَويلَةٌ تَخَثَّرَ خِلالَها الزَّمَنُ تَحتَ سَطْحِ التُّراب.
في حَشا ذلكَ القاعِ المَهجور، لم يَبقَ أثَرٌ لِلأنابيب، بَل تَحَوَّلَ الرُّكامُ إلى طَبَقَةٍ مَعدِنيّةٍ هَجينَة:
كَعكَةٍ صَخريّةٍ مِنَ الأحافيرِ المَعجونَة، تَلاحَمَت فيها رُفاتُ الصَّراصيرِ المُفَحَّمَة، وأسنانُ التُّروسِ الصَّدِئَة، مَعَ جُزَيئاتِ الزُّجاجِ وأليافِ زَعانِفِ الفايتَر التي غارَت في الصَّلصالِ دُونَ أن تَفقِدَ طاقَتَها النَّاريّة.
لم يَكُن الطِّينُ هُناكَ وَحلاً خامِلاً، بَل طَمْياً يَسيلُ بِزَيتِ التَّراكُم، ويَنبِضُ بِذَبذَباتٍ هَيدروليكيّةٍ دَفينَة؛ كأنّ الأرضَ لم تَزَل تَهضِمُ بَقايا الجَريمَةِ التِّقنيّةِ الأولى، مُتَهيّئَةً لِتَخليقِ مَسخٍ جَديدٍ يَجمَعُ بَينَ دِرعِ الحَشَرة، وبُرودَةِ التِّرس، وتَمَرُّدِ السَّمَكَةِ التي فَتَقَتِ العَدَمَ كَي لا يَبقى القاعُ آمِناً ،مزيج قابل للانفجار في اي لحظة تكوين قادمة!.







التعليقات