انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

سيرة المرايا

عبد الامير عسكر
عبد الامير عسكر

شاعر وكاتب عراقي

4 دقائق للقراءة
32 مشاهدة
سيرة المرايا
مشاركة:

(1)

المرآة ذاكرة المسافات التي تتهشم على حواف الزمن.

تمامًا؛ ما يحدث في مرآة السيارة، فلا صورة تبقى في حاضرها، كل الزمان عجول ليكون في ماض هارب.

في مرايا السيارات؛ مفارقة تلازمك، أنك ترى مستقبل حادثة تقع لك، فعندما تترجل ترى الذكرى لما جرى لك، فأنت قد كنت حاضرًا وشاهدًا فقط، ليس بمقدورك أن تلحق رحلة ما يحدث في المرآة، السيارة تتجه للمستقبل، وأنت حاضرها وهناك الماضي يأخذ كل المشاهد، ترى كيف تبتعد الماديات، تتراجع في عينيك رغم أنها تتجه إلى مصيرها مثلك.

حالة تنافر بين الناظر خلالها وبين ما هو معكوس، هل قرأت عبارة " الصورة غير حقيقية في مرآة السيارة"، فالصور القادمة تتبع فضولها؛ تواصل الاقتراب وهي بكامل العجز، لا تثق بالصورة؛ تخرج رأسك من النافذة لتتأكد من مشاهد تلحق بك، تراها بعيدة، وهل عيناك تخبرك اليقين!

هل زرت طبيبًا لتعرف صحة تخمينك للمسافات، القصر والبعد في النظر؛ تخلق دفع الأزمنة من جديد، وهذا هلع جديد يدب في الأزمنة الثلاث.

تتناسى الترقب، تواصل النظر عبر النافذة الأمامية، المرآة باتت مهرجة، تأتي بالأنباء المتشظية.

(2)

السكون هنا، مرآة عروس تتغنج؛ ترى ثبات صورتها، لا تشك لحظة في ما هو معكوس، ولا تريد غير التأمل في دهشتها، في داخلها امتنان لسيدة الصالون، فهي قد جعلت المرأة في المرآة إلى منزلة الحسن، ولأنها الآن تصنع ثبوت جمال تريدها العروس، وما يحدث لبعض الالتفات؛ هو انتظارها لرحلة العرس القريب.

(3)

ما يشبه البعد الضئيل عن مرآة العروس، وقريبًا من مرايا العاشقات، الأخيرات يخترن مرآتهن بعناية، كأن تكون مرآة صغيرة بحجم ساعة جيب، وبأشكال شتى؛ دون اكتراث لذلك، فقط تناسب الأمكنة الصغيرة، لتخبئ في أصغر الجيوب مثل قطعة نقود نادرة، المرآة الصغيرة تحمل بهذا الحنان لتلبي رغبات العاشقة قبل الوصال ورحلات القرب والهيام.

 بهذه تحسن تصحيح مستحضرات التجميل التي وضعنهن، هن يردن التأكد واليقين بأن كل شيء على ما يرام، وإلا أخذن برهة ممن فيهن من تواصل ولقاء معشوقهن، قد يتطلب منهن إعادة وضع أحمر الشفاه، أو تعديل خط كحل مال إثر ظرف، أو يهرعن لتغطية ندبة تقلق ذهابهن الغارق بالبروفات الما قبل التحية والغرام.

مرآة العاشقة حاجة تواجد ملحة، تبقى رفيقة الرحلات؛ يردنهن حتى لو غاب استخدام ذلك، هي لازمة ضرورية؛ خشية أية نكبة قد تطرأ على ملامح الفاتنة.

(4)

لا يهتم الجندي في مرآته، كبيرة كانت أو بشكل بشع أو متسخ في الغالب، يكفي في محطات كثيرة، أن تكون صغيرة تعكس ملامحه فقط، لا حاجة له بصورة معكوسة لجسده، أو لجعله في منزلة قيافة القادة، يريدها للتأكد من القيافة الملزمة فقط، أن تعكس لحيته وكيف بدت، تمهيدًا للحلاقة من عدمها؛ بعدها تدس هذه القطعة السحرية الفريدة في ساعات الحروب المشتدة إلى أحد الجيوب الصغيرة من حقيقبته.

القطعة الصغيرة العاكسة التي تحتفظ بكيانها وأنها ما زالت مرآة، قد نجت من حوادث كثيرة، يتم الاهتمام بها كما الحاجة الثمينة جدًا، الجدوى أن تحمل معك المرايا؛ دون البكاء على تكسرها في حالة أزمة، ينظر إليها كيفما كان حجمها بأنها من لوازم الجندي، بل رفيقة وفية، تسد المرجو فقط، دون بذخ.

(5)

لا تصمت المرآة إلا في القصور، لتتعطل تمامًا، فمن يقف قبالة حشد من المرايا، وتفريط منها، هي تعكس ذاتها لذاتها في ملل وعبث إلى الأشياء، تتعدد أشكال مرايا القصور وأمكنتها، تجد منها ما هو ملتصق في السقف أو معلق إلى الأقواس الكبيرة أو حتى تفرش بدل الأرضيات الرخامية، يستبدل وظيفة المرآة في القصر، تكاد لا تلمس الحاجة إليها بقدر هذا الرحب منها، الذهول يغييب عمل المرايا هنا.

(6)

بخلاف ذلك، تكون مرآة الحمام مهمة في لحظات سريعة جدًا من الكشف لأجزاء حميمية للإنسان، هنا لا يبدو خجل حاضرًا، المكان يدعو لذلك، ولو أن الجسد المعرى كان خارج هذا المكان لبدا عليه مفهوم آخر، ربما بادر إلى خلق عتمة للمرآة أو هرع إلى ركن مستور، مرايا الحمامات، يحفظن الأسرار، والوقوف قبالتها لا يطول، هكذا؛ زمن نسبي فقط.

(7)

كلما تبدلت الأمكنة؛ تغير زمن الوقوف أمام المرايا، رغم أن ردهات ما قبل المراحيض تكون خالية المرايا، لكن هناك من يعلق منها قرب مكان غسل اليدين، رغم ذلك، فالوقوف عندها قصير جدًا، فمن يقف هنا؛ يريد التأكد من نظافة وجهه، أو فتحات أنفه، دون تأملات طويلة يوقعه في الحرج مما يحدث قربه، من رائحة غير مرغوبة أو أصوات تدعوه للمغادرة عاجلًا، المرايا هنا طارئة، والوقفة طارئة أيضًا.

(8)

العجالة قد تلغي متابعة الإتيكيت أمام المرآة، فتهم لتغادر البيت إلى حيث القادم مما ينتظرك، حتى توصلك المصادفة إلى مصعد يكمل بقية خطواتك إلى حيث تريد، لتجد نفسك أمام مرايات عديدة غطت غرفة المصعد بالكامل، كيفما تدور تجد منها هنا، تتابع اختيار ملابسك أو تراقب ملامحك كيف تتغير وتضطرب بفعل الصعود/ الهبوط، وقد تضحك لماذا وضعوا المرايا هنا ونحن نبقى هنا لثوان، هل لنتفقد أنفسنا في آخر ثانية من الترجل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المرايا تبقى هي المدونة العظمى لأحداثنا، تكتب وتحذف في آن واحد، أنت أمامها بيان واضح جدًا، وفي غياب عنها تحذف عنك أدلة الإشارة تمامًا.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٧ تموز ٢٠٢٦ في ١٠:٠٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قصص قصيرة جدا
سرد

قصص قصيرة جدا

السقف سقف غرفتي ذو الندوب الكثيرة يشبه السماء المزدحمة بالنجوم،وحالما استلقي على سريري تقع عيناي على بقعة أراها تتشكّل بحبيباتها الصغيرة وفق مخلوق ما،بعض الأحيان أنظر إلى الصورة ذاتها بطرف عيني فأرى الغزال يصبح حيوانا آخر أو السمكة تتشكل بصورة دبّ،لكنّ كلّ شيء اختفى حين أعدت طلاء السقف الذي تعرّض…

· 1 د
أشياء لم تحدث
سرد

أشياء لم تحدث

اشياء لم تحدث!! قصة قصيرة نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم 2026 julay حين خرج سالم من منزله صباح الثلاثاء، لاحظ أن ظلَّه لم يخرج معه. توقف عند الباب، التفت إلى الخلف، فرأى الظل واقفًا في الممر، يراقبه ببرود، ثم أغلق الباب من الداخل. لم يشعر بالذعر. شعر بالإحراج. وصل إلى عمله دون ظل، فاستدعاه المدير…

· 4 د
أقفاص الكلمات
سرد

أقفاص الكلمات

في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل من نصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفال ينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري. السوق لا يبيع أجسادًا فحسب، بل…

· 2 د