(إنّ أكثر ما يخيف الإنسان ليس الموت، بل الشعور أنّ الزمن قد إنقلب عليه، فصار عدوّه اللدود الذي لايعرف كيفية الخلاص منه. ورطة شديدة القسوة جعلت الإنسان يبحث عن أوهام الخلاص،،)!!
تؤمن (مريم جواد)الجريئة الأفكار الرافضة لكل معاني الخنوع والإستسلام ، بيقين لا يتزعزع، أن الوقت كائن حيّ.ليس مجازًا، ولا استعارة شعرية كما يردد المثقفون في الخمارات نصف المظلمة، بل مخلوق حقيقي، له أنفاس باردة، وأصابع طويلة، وخطوات لا تُرى، يلاحقها … منذ الليلة التي خرجت فيها من غرفة التحقيق نصف امرأة ونصف شبح. الساعة المعلقة على جدار غرفتها تشير دائمًا إلى الثانية عشرة إلا خمس دقائق.كلما حاولت إصلاحها، تعطلت من جديد.وحين نزعتها عن الجدار، عادت في حلمها، معلقة فوق رأسها مثل فأس.قالت لأختها ذات مساء:
— لا تلمسيها…!!
ردّت هناء، وهي ترتب فناجين الشاي:
— ساعة معطلة وليست قنبلة. لم
الخوف منها..؟!!
إقتربت منها، بعينين واسعتين كأنهما ليلان متجاوران:— هي تعرف. متى أتنفس، ومتى أخاف، ومتى أكذب على نفسي.!!
تنهدت هناء:— عاد الوسواس من جديد…!!
صرخت فجأة:— ليس وسواسًا!
أرتجف زجاج النافذة صارخاً.— ليس وسواسًا،الوقت في الغرفة. رأيته يلبس وجه محقق…!!
صمتت الأخت.لإنها تعرف أن الباب إذا فُتح، فلن يُغلق بسهولة.جلست على الأرض، مسندة رأسها إلى الحائط، كمن يعتذر منه.قالت بصوت خافت:
— حين اتهموني… لم أفهم شيئًا. قالوا إني أخفي رسائل من جهات ممنوعة، وإني أتعاونً مع جهات تريد قلب نظام الحكم، و أعرف أسماء لا أعرفها. كنت أقول لهم: أنا مدرسة لغة عربية، أقسم بالله لا أعرف أحدًا… لكنهم كانوا يضحكون.!!
ابتلعت ريقها، كأنها تبتلع مسامير. في اليوم الثالث، . ساعة كبيرة، سوداء، عقاربها حمر إمامي. قال المحقق
: —نتركك وحدك معها. عندما تصل العقارب إلى هنا… تعترفين..،!!
— بماذا؟
— بأي شيء. لم يك يهمهم…!!
ارتجفت أصابعها.:— كنت أسمع التكتكة كأنها ضربات قلبي. لا… كأنها خطوات قاتل يقترب. كل ثانية كانت صفعة. كل دقيقة كانت سكينًا صغيرة تُغرس تحت أظافري.سكتت.ثم همست:— منذ ذلك اليوم، صار الوقت يعرفني…دون معرفته…الوقت حصان
ريح شرس!!
اقتربت هناء وربتت على كتفها.
— نجوتِ .
ابتسمت مريم ابتسامة كسيرة.
— لا أحد ينجو من الزمن يا أختي… نحن نتأخر في الموت.دونما سبب
معقول!!
كانت تحمل سلال مواجعها حين، خرجت إلى السوق.ماشية بحذر من يعبر حقول ألغام.مراقبة الساعات في واجهات المحلات، و هواتف الناس، وفي أبراج الكنائس البعيدة، و في عيون العابرين.عند بائع الكتب القديمة، توقفت.رجلًا عجوزًا إسمه سلمان، يعرفها منذ طفولتها.رفع رأسه اليها مبتسمًا:— مريم… ما الذي جاء بكِ إلى مقبرة الورق؟!!
قالت:— أبحث عن كتاب لا يذكر الزمن.؟!!
ضحك:— عليك البحث عن كتاب لم يُكتب بعد…الأزمنة اقمطه أرواحنا
التي علمتنا الخوف والخنوع..!!
بهدوء متشنج جلست أمامه، مقلبة ديوانًا قديمًا.قال فجأة:— ما زلتِ تخافين،،،؟!!
نظرت إليه طويلًا.:— وهل يشفى من رأى وجه الخوف الحقيقي؟!!
أشعل سيجارة بطيئة:— أحيانًا، لا نُشفى… نتعلم فقط كيف نجلس بجوار الوحش دون صراخ…!!
ابتسمت لأول مرة:— من علّمك هذا؟
أجاب بعد أن نفث دخان سيجارته:
— الحب…!!
ضحكت بسخرية حزينة:— الحب،،، الحب متأخرًا دائمًا. جاء بعد الخراب، بعد الاعترافات الملفقة، و صار قلبي غرفة تحقيق…!!
قال سلمان بهدوء:— لكنه جاء…؟!!
سكتت.شعرت إن في صوت الرجل شيء يشبه النجاة.شيء يجعل الخراب أقل وحشة.قالت:— أتعرف.. أحيانًا أشعر أني لو أحببت أحدًا حقًا… يتوقف الوقت عن مطاردتي…!!
— بل يجلس معكما ويشرب الشاي..
وأنتما تتحدثان عن أحلام وأماني
تحتاج وجوده..!!
ضحكت، هذه المرة بصدق.مرّت الثانية عشرة إلا خمس دقائق…دون أن يحدث شيء.رفعت رأسها بإتجاه السماء.بدت الشمس عادية جدًا.
دونما محققين، أو أبواب حديدية،و لا ساعة حمر. نهار بسيط، كأن الله يعتذر لها سرًا.همست:— ربما… ربما تعب الوقت مني أيضًا…!!
قال سلمان:— أو ربما أدرك أنكِ لم تعودي فريسة…!!
نظرت إليه، وفي عينيها دمعة لم تسقط.:— وهل يمكن للإنسان أن ينتصر على ما يسكنه؟!!
أجاب:— لا… لكنه يمكن مصادقته.!!
حين عادت إلى بيتها مساءً.مرّت بجانب الساعة المعلقة..ناظرة إليها طويلًا. تقدمت ببطء، ضابطة عقربيها بيد ثابتة.الثانية عشرة تمامًا.
ابتسمت قائلة:— لن أكون سادنتك بعد الآن… إفعل ما شئت.!!
تلك الليلة، نامت للمرة الأولى دون أن تسمع التكتكة.كأن الزمن، سامحها أخيرًا…لكنَّ الليل، حين يهدأ العالم وتنام الجدران، لا ينسى أحدًا.في الساعة الثالثة فجراً، استيقظت على صوتٍ خافت.تك… تك… تك…فتحت عينيها دفعةً واحدة.الظلام ساكنًا، لكن الصوت واضح، قريب، كأنه يخرج من داخل صدرها.جلست على السرير، ويدها ترتجف فوق قلبها.تك… تك… تك…همست:— لا… ليس الليلة.،!!
نهضت ببطء، لتمشي حافية نحو الصالة، حيث الساعة المعلقة.ساكنة
بعقارب لا تتحرك،لكن الصوت مستمر.
تك… تك… تك…وضعت يدها على الحائط.الصوت لم يك من الساعة.بل من الُدرج القديم… ذاك الذي لم تفتحه منذ سنوات.تراجعت خطوة.
دُرج خشبي ، ملقى في زاوية الغرفة، يحمل بقايا حياة أخرى: أوراق قديمة، صور باهتة، ورسائل لم تُرسل والأهم…
مظروف رمادي. خرجت به من المعتقل.والذي أقسمت ألا تفتحه أبدًا.قالت لنفسها:— لا… ليس الآن.،!!
لكن الصوت ازداد.تك… تك… تك…
كأن الزمن يطرق من الداخل.إقتربت.
جالسة أمام الدرج كما يجلس المرء أمام قبر يعرف صاحبه.فتحته ببطء.
ثمة رائحة ورق القديم خرجت مثل تنهيدة طويلة.وإشارة بخط المحقق:
:—حين تفهمين… يكون الوقت قد تأخر…!!
شهقت.كأن أحدهم صفعها من الماضي.دخلت الأخت على الصوت، مذعورة صائحة :— ما الذي يحدث؟
رفعت الظرف بيد مرتجفة.:— هذا… هذا هو السبب.!!
إقتربت الأخت، بوجه شاحب:— ما هذا؟!!
— آخر شيء أعطاني إياه قبل خروجي.!!
— ولماذا لم تفتحيه؟
ضحكت ضحكة جافة:— لأن بعض الرسائل ليست للقراءة… بل للنجاة منها…!!
جلست الاخت قريب منها قائلة.
— افتحيه الآن.
هزّت رأسها بعنف:— أخاف أن يعود كل شيء…!!
قالت الإخت بحزم،:— وكل هذه السنوات ..أليست عودة مستمرة؟
صمتت .لان كلمات أختها دخلت فيها كإبرة دقيقة.نظرت إلى الظرف طويلًا.
ثم مزقته.ببطء.كما لو أنها تشق صدرها بيديها.أخرجت ورقة واحدة.
قصيرة.مكتوبة بجملة واحدة :—نحن لا نعذب الناس لننتزع الحقيقة… بل لنزرع فيهم شكًّا لا يموت…!!
سقطت الورقة من يدها. ثمة بردٌ عظيم اجتاح جسدها.همست:
— يا الله…!!
قالت:— هذا اعتراف.؟
— لا… هذا حكم مؤبد…!!
— نجحوا… لم يريدوا اعترافي، أرادوا أن أعيش سجينة نفسي…!!
سكتت.ثم انفجرت بالبكاء.بكاءً حادًا، جارحًا، كأن سبع سنوات خرجت دفعة واحدة.احتضنتها الإخت بقوة.
— إنتهى…!!
صرخت وسط دموعها:— لم ينتهِ.. كانوا يريدون هذا… أن أخاف من الهواء، من الأبواب، من الوقت نفسه!!
— لكنك تعرفين الآن…!!
— أعرف أني أحرس سجنهم بيدي…
شهقت.ثم همست، بصوت امرأة ترى نفسها لأول مرة:— لم يكن الوقت يطاردني… كانوا هم…!!
سكت البيت كله.حتى الساعة بدت وكأنها تنصت.رفعت رأسها.وجهها مبلل، لكن فيه شيئًا جديدًا.شيئًا يشبه الغضب النظيف.قالت:— غدًا أذهب…!!
— إلى أين؟
— إلى المحكمة. إلى الصحافة. إلى أي باب لا يخاف الحقيقة..!!
— بعد كل هذا؟
أجابت ، بعد أن مسحت دموعها:
— بعد كل هذا… أستطيع.،،
على عجل وقفت. ساحبة الساعة المعلقة من الجدار.فتحت النافذة.
ورمتها.
نظرت إلى السماء التي بدأ الفجر يفتحها ببطء.قائلة:— اسمعني جيدًا… أنا لا أخافك بعد الآن…أركض إن شئت… هذه المرة، أنا التي ألاحقك. وفي آخر الطريق، !!
أدركت أن الزمن لم يك وحشًا كما ظنّت، بل مرآة قاسية، تعيد إليها خوفها كلما هربت منه.لم تكن مطاردة… بل عودة مستمرة إلى الجرح نفسه.تعلمت أن النجاة ليست أن نهرب من الألم، إنما النظر إليه دون انكسا ر، وأن نسمّي الأشياء بأسمائها: هذا ظلم، هذا خوف، وهذه أنا… ما زلت هنا. تلك الليلة، لم تنم مريم لأنها شُفيت، بل لأنها تصالحت مع الحقيقة:
أن الوقت لا يقتل أحدًا… إن الذي يفعل ذلك، هو الصمت.!!
صرخت وسط دموعها:— لم ينتهِ.. كانوا يريدون هذا… أن أخاف من الهواء، من الأبواب، من الوقت نفسه!!
— لكنك تعرفين الآن…!!
— أعرف أني أحرس سجنهم بيدي…
شهقت.ثم همست، بصوت امرأة ترى نفسها لأول مرة:— لم يكن الوقت يطاردني… كانوا هم…!!
سكت البيت كله.حتى الساعة بدت وكأنها تنصت.رفعت رأسها.وجهها مبلل، لكن فيه شيئًا جديدًا.شيئًا يشبه الغضب النظيف.قالت:— غدًا أذهب…!!
— إلى أين؟
— إلى المحكمة. إلى الصحافة. إلى أي باب لا يخاف الحقيقة..!!
— بعد كل هذا؟
أجابت ، بعد أن مسحت دموعها:
— بعد كل هذا… أستطيع.،،
على عجل وقفت. ساحبة الساعة المعلقة من الجدار.فتحت النافذة.
ورمتها.
نظرت إلى السماء التي بدأ الفجر يفتحها ببطء.قائلة:— اسمعني جيدًا… أنا لا أخافك بعد الآن…أركض إن شئت… هذه المرة، أنا التي ألاحقك. وفي آخر الطريق، !!
أدركت أن الزمن لم يك وحشًا كما ظنّت، بل مرآة قاسية، تعيد إليها خوفها كلما هربت منه.لم تكن مطاردة… بل عودة مستمرة إلى الجرح نفسه.تعلمت أن النجاة ليست أن نهرب من الألم، إنما النظر إليه دون انكسا ر، وأن نسمّي الأشياء بأسمائها: هذا ظلم، هذا خوف، وهذه أنا… ما زلت هنا. تلك الليلة، لم تنم مريم لأنها شُفيت، بل لأنها تصالحت مع الحقيقة:
أن الوقت لا يقتل أحدًا… إن الذي يفعل ذلك، هو الصمت.!!








التعليقات