انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ربما أنا لست الذي في الصورة

مروان ياسين الدليمي
مروان ياسين الدليمي

شاعر وكاتب عراقي

6 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
ربما أنا لست الذي في الصورة
مشاركة:

كان المبنى يشبه جسدا قديما، جدران تتذكر أكثر مما ينبغي، وباب يفتح كأنه يتثاءب، وممر قصير يقود إلى صالة أطول من الذاكرة.

في الداخل كان قد انتهى درويش من ترتيب لحظة لا تشبه الترتيب. كاميرته لم تكن مجرد آلة، بل كائن صغير يراقبنا جميعا ببرود يشبه برودة الملفات القديمة في دوائر الدولة، تلك التي تكتب فيها أسماء الناس ثم تنساهم الأوراق.

وأنا أدخل إلى مقر جمعية المصورين في ذلك النهار من منتصف أيار لم أكن واثقا، إن كنت أدخل المكان أم أن المكان هو الذي يدخلني ببطء إلى أرشيفه الخاص، حيث تحفظ الأشياء التي لم تعد بحاجة إلى تفسير.

جلست، أو ربما أُجلست، لا أذكر بدقة، فالأشياء في مثل هذه اللحظات تفقد رغبتها في أن تكون دقيقة.

قال درويش:

"اجلس هنا."

وقال آخر:

"الضوء مناسب."

لم أفهم من الذي كان يتحدث فعلا. الضوء نفسه كان يتكلم، يتسلل من جهة واحدة، كأنه موظف متأخر عن الدوام، يريد أن ينهي مهمته بسرعة ثم يغادر دون أن يترك توقيعا.

لم أكن أفكر أنني سأصبح صورة. كنت أظن أن الصور تحدث للآخرين، لأولئك الذين يملكون وقتا كافيا ليصبحوا موضوعا بصريا. أما أنا فكنت أملك وقتا كافيا فقط للجلوس، وهذا يبدو اليوم كنوع من السخرية المتأخرة.

حين ضغط على زر الكاميرا، لم أسمع شيئا واضحا. ومع ذلك شعرت بأن شيئا صغيرا في وجهي قد انسحب خطوة إلى الخلف، كأنه يخاف من المستقبل. لم أقل شيئا، فالصور لا تحتاج إلى موافقة من أصحابها، إنها تأخذ ما تريد ثم تغادر، مثل موظف تفتيش لا يشرح أسباب زيارته.

بعد أيام عدت إلى المكان نفسه. لم يكن علي أن أعود، لكنني فعلت ذلك كما يفعل الناس حين يزورون قبرا لا يعرفون لماذا أصبحوا متعلقين به.

كانت الصورة مطبوعة. معلقة أو موضوعة أو مستندة إلى جدار لا يهتم كثيرا بما يحمل.

اقتربت منها.

هناك رأيتني، أو رأيت ما يفترض أنه أنا.

الرجل في الصورة لم يكن متأكدا من أنه أنا أيضا. كان يجلس بطريقة توحي بأنه ينتظر شيئا لا يأتي، أو أنه وصل متأخرا إلى حدث انتهى منذ زمن. نصف وجهه يخرج من الضوء، والنصف الآخر يختبئ في عتمة كثيفة، كأنّ العتمة ليست غيابا بل قرارا إداريا بعدم الاعتراف به.

قلت في نفسي: هذا الرجل يعرفني، لكنه لا يحترمني.

كان ذلك أول شعور حقيقي.

اليدان موضوعتان فوق بعضهما، أو ربما فوق الطاولة، أو فوق احتمال ثالث لم أعد أذكره. اليدان تبدوان كأنهما تعملان في وظيفة لا تتطلب حركة كثيرة، وظيفة تنتظر فيها الأوامر دون أن تصلك الأوامر. فكرت أن اليدين في الصور دائما أكثر صدقا من الوجوه، لأنهما لا تتدربان على الكذب بنفس الحماس.

في مدينتي، الأشياء لا تُنسى بسرعة. فهي تعلمت أن تحتفظ بكل شيء، حتى بما لا تريد الاحتفاظ به. الحرب مرت من هنا مثل موظف سيئ الأخلاق، ترك توقيعه في كل ملف، ثم غادر دون أن يغلق الباب. لذلك حين نظرت إلى الصورة، لم أر وجهي فقط، بل رأيت أرشيفا صغيرا مفتوحا داخل الجلد.

درويش كان يقف في زاوية ما، أو ربما كان جالسا، لا فرق.

المصورون في النهاية يتحولون إلى ظلال إضافية، يراقبون العالم من مكان غير معترف به في الخرائط الرسمية.

فِكرتُه عني لم تكن فكرة، بل نوع من الترتيب البصري، وكأنني عنصر في جملة طويلة لم تكتمل بعد.

اقتربت أكثر من الصورة. الضوء كان يضغط على الجبين كما لو أنه يريد استخراج اعتراف. اعتراف بشيء لا أعرفه.

في تلك اللحظة شعرت أنني متهم في قضية لا أعرف رقمها، وأن المحكمة هي هذه المساحة الصغيرة بين الضوء والعتمة.

قلت لنفسي: ربما أنا لست الرجل الذي في الصورة، ربما هو نسخة احتياطية من حياتي، نسخة احتفظت بها العدسة تحسبا لانهياري لاحقا. لكن النسخ الاحتياطية دائما أكثر قسوة من الأصل.

في الخلفية، كان هناك شيء يشبه الفراغ، لكنه ليس فراغا تماما. الفراغ في مدينتي دائما له تاريخ، له أسماء، له شظايا من أصوات. حتى الصمت هنا لا يأتي فارغا، بل يأتي محملا بما نسيه الناس عمدا.

تذكرت حينها جلسات طويلة في مقاهي الموصل، حيث كان الناس يتحدثون عن أشياء لا علاقة لها بما يحدث فعلا. السياسة كانت تشبه طاولة مكسورة، نضع فوقها فناجين القهوة كي لا نرى الكسر. والفن كان محاولة مستمرة لإعادة ترتيب هذا الكسر بطريقة تبدو جميلة في الإضاءة المناسبة.

في الجمعية ، كان الكسر أقل تهذيبا، أكثر صدقا. لذلك بدت الصورة لي كأنها لا تحاول أن تكون جميلة، بل تحاول أن تكون صحيحة بطريقة غير مريحة.

في لحظة ما، شعرت أن الرجل في الصورة بدأ ينظر إلي. ليس إلى الكاميرا، بل إلي أنا، الذي أقف أمامه الآن. لم تكن تلك نظرةً عادية، بل نظرةٌ تشبه استدعاءً رسميًا من جهة لا يمكن تجاهلها.

قال لي بصوت لا يسمعه أحد غيري:

"هل أنت متأكد أنك كنت أنا؟"

لم أجب.

لأن الإجابة ستحتاج إلى حياة كاملة من التوضيح، وأنا لم أعد أملك هذا القدر من الوثائق.

تذكرت أشياء صغيرة لا علاقة لها بالصورة مباشرة. مثل مقعد خشبي في بيت قديم، أو رائحة ورق رطب في مكتبة لم تعد موجودة، أو وجه أبي حين كان يحدق في الفراغ كأنه يقرأ شيئا لا يخصه. هذه التفاصيل لا تأتي وحدها، بل تأتي كموظفين متأخرين أيضا، يصرون على دخول الذاكرة رغم انتهاء الدوام.

في الصورة، العين غير المضيئة كانت تقول شيئا آخر. كانت العين أشبه بنافذة تم إغلاقها من الداخل. ليس خوفا، بل تعبا. تعبت من النظر، تعبت من الفهم، تعبت من محاولة تفسير ما لا يريد أن يُفسر.

فكَّرتُ أن درويش لم يصوّر وجهي، بل صوّر استقالتي البطيئة من فكرة أن أكون واضحا.

الوضوح نوع من الترف. الناس هنا يعيشون في طبقات من الظلال، كل طبقة تحمي الأخرى من الانهيار. لذلك حين يأتي الضوء فجأة، لا يكون تحريرا، بل نوعا من الفضيحة.

اقتربت أكثر من الصورة حتى شعرت أن الجدار نفسه بدأ يتنفس.

قلت للرجل في الصورة:

"ماذا تريد مني؟"

لم يجب، لكنه رفع حاجبه قليلا، وكأنه يقول:

"لا شيء، فقط أردت أن أراك دون أن تتدخل في نفسك."

هذا النوع من الجمل لا يقال عادة، لكنه يظهر في الصور الجيدة. في تلك اللحظة فهمت أن المصوّر لم يكن يصنع بورتريها، بل كان يكتب سيرة غير مرئية لشخص لا يعرف كيف يروي نفسه. الكاميرا كانت أداة كتابة، لكن الحبر كان الضوء، والعنوان كان هذا الصمت الثقيل الذي يحيط بالوجه.

في الخارج، كان الناس منشغلين بتفاصيل يومهم العادي. بائعون، سيارات، ضجيج خفيف يشبه ضجيج آلة قديمة لا تريد أن تتوقف كي لا تعترف بأنها انتهت. أما في الداخل، في هذه الصورة الصغيرة، فكان هناك زمن آخر، زمن لا يتحرك للأمام بل يتكدس فوق نفسه.

تساءلت: كم مرة يمكن للإنسان أن يتحول إلى صورة دون أن يلاحظ ذلك؟ ربما كل يوم قليلا. كل قرار صغير، كل صمت غير مبرر، كل نظرة إلى الأرض بدلا من السماء، كلها طبقات إضافية من التحول البطيء.

عدت أنظر إلى الوجه. كان أكثر هدوءا مما ينبغي. هذا الهدوء لم يكن طمأنينة، بل نوعا من الاستسلام الذي تعلم كيف يبدو طبيعيا.

فكرت أنني لو خرجت من الصورة الآن، فلن أكون متأكدا من أنني أترك شيئا خلفي. ربما هذا هو المعنى الحقيقي للبورتريه: ليس أن ترى نفسك، بل أن تفقد حقك في تفسير نفسك.

حين غادرت الجمعية، لم أكن متأكدا إن كنت قد التقيت درويش فعلا، أم أنني التقيت بنسختي التي قررت أن تعيش في الضوء مرة واحدة فقط، ثم تعود إلى عتمتها الخاصة دون ضجيج. لكن الصورة بقيت هناك، معلقة مثل سؤال لا يريد إجابة، وكأنها تقول إن الإنسان ليس ما يراه الآخرون، بل ما تتركه العدسة حين تنتهي من عملها وتغادر بصمت، تاركة خلفها وجها لا يعرف إن كان قد وُلد للتو، أم أنه انتهى للتو.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦ في ١١:٠٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

شجرة بتول
سرد

شجرة بتول

​– أمي. كاد يسألها، لكن ما الجدوى؟ خمنها فضيحةً، وبذاك ستحطمه صرخةُ الأمومة المرتعبة، وإن كانت تشوبها الرحمة. – ماذا تريد؟ أنتظر جوابك؛ البصلة صارت فحماً في الزيت! ظل السؤال يدوي في داخله مثل طائرٍ مذعورٍ. خلال الليل لا يستطيع أن يستكين. يمسك قلماً ويخربش بعصبية. في النوم، سأل والدته عن أسرار…

· 4 د
الملل..!!
سرد

الملل..!!

استيقظتُ في السابعة. لم يكن لديّ ما أفعله. وهذه ليست مشكلة كبيرة، فكثير من الناس لا يملكون ما يفعلونه. المشكلة أنني كنت أملك يومًا كاملًا. نظرت إلى الساعة. كانت السابعة ودقيقة. انتظرت قليلًا. أصبحت السابعة ودقيقة. جلست. كانت السابعة ودقيقة. ذهبت إلى المطبخ. وضعت الماء في الغلاية. انتظرت. كانت…

· 2 د
مرافعات العفن في مرايا بابل
سرد

مرافعات العفن في مرايا بابل

لم تكن هنالك أرضٌ بالمعنى الترابي المقدس، بل كانت هُناك مدينةٌ تُدعى "جحيم الرؤية"؛ حاضرةٌ شُيّدت بواباتها من زجاجٍ أعمى لا ينفتح إلا حين تَرمدُ العيونُ من فرط التحديق في ظلماتها. وسط ساحتها الكبرى، حيث الهواء يتخثر كثمالة نبيذٍ أسود، انتصبت قبةٌ عظيمة شُيّدت من مرايا سديمية عتيقة، تعكس الوجوه قبل…

· 7 د