لم يكن لآل "سعيد" في قريتهم الرابضة على كتف الجبل القاحل ما يذودون به غائلة الحرمان سوى أسمال رثة، ووجوه خطّت عليها الريح السموم أخاديد من الشقاء الصامت؛ سبعة أنفس، يقتاتون على الكفاف، ويترقبون غيثاً شحيحاً لا يأتي. وفي ليلة قاسية البرد، أسلم عميدهم العجوز الروح، وكان رجلاً أمضى زهرة عمره يلمّ شتات خيباتهم ويداري عوزهم.
حين انهمرت دموع ابنته الكبرى "ندى" فوق جثمانه المسجى، حدث ما لم تحط به عقول الحاضرين؛ لم تبتل الوجنات بالماء الإنساني المعهود، بل سُمع صليل معدني جاف، رنّ صوته على الألواح الخشبية العتيقة. انحنى الأخ الأكبر ليلتقط ذلك الوجع الساقط، فارتدت أصابعه من فرط الذهول، إذ كان يمسك بحبة مستديرة، ثقيلة، تشع في عتمة الغرفة بنقاء غريب؛ لقد ذرفت عيناها دمعة من تبر خالص، بعيار لم تشهد مثله أسواق الصاغة قط.
في تلك الساعات الممتدة، تداخل النحيب بالحيرة، وكلما ذكروا فقرهم واشتد بكاؤهم على راحلهم، تساقطت من المآقي حبات الذهب، حتى غدا بساط العزاء منجماً من الثراء المفاجئ، فكانت تلك قطيعة كاملة مع ماضيهم، وأول العهد بلعنة سكنت بيوتهم.
تبدلت الأحوال سريعاً، فشيد بنو "سعيد" قصراً من رخام أبيض يناطح السحاب، وارتدوا الحرير الخزّ الصفيق الذي لا يجرح أجسادهم التي ألفت الخشونة، غير أن هذا النعيم كان محكوماً بشرط وجودي مرعب: هذا المعدن لا يولد إلا من رحم الانكسار النفسي الصادق.
بمرور الأيام، وبتأثير الرفاهية المفرطة التي طالت تفاصيل عيشهم، جفت المآقي، وتبلد الحس في الصدور، ولم يعد في واقعهم اليومي ما يستدعي الأسى أو يثير الشجن؛ وهنا انفتحت بوابات المأساة، فقد جاع القصر إلى المادة التي صنعت مجده الجديد، وجف النبع الذي يمدهم بالقوة.
جمع الأخ الأكبر إخوته، وقد بدت ملامحه صارمة كوجوه التماثيل المحنطة، وقال ناصحاً: "إن الرخاء يفسد مأربنا، والعيش الرغيد يجفف مآقينا، وإن لم نبكِ، سنعود إلى العدم الذي انتشلنا منه ذلك الموت القديم". ومن تلك النقطة، انطلقت الشرارة الأولى للتنكيل المنظم، فتحول المسكن المنيف إلى ساحة للاضطهاد المتبادل؛ ولم يكن الأذى قادماً من عدو خارجي، بل كان تدبيراً عائلياً خالصاً، حيث اتفقوا على تبادل أدوار السجان والضحية، وابتكروا أساليب غريبة لانتزاع العبرات من عيون بعضهم البعض.
أصبحوا لا يتخاطبون إلا بلسان الجفاء والقطيعة، فكان الأخ ينفرد بأخته الصغرى، يذكرها بأيام الجوع الكافر، وينبش في ذاكرتها الطفولية عن كل حرمان قديم، حتى إذا ما تحرك الشجن في صدرها وهطلت عيناها تِبراً، سارع بجمع الحصاد في أوانٍ من الخزف الصيني وهو يمعن في ترويعها لتستمر في النحيب. ولم تسلم الكبرى "ندى" من هذا التدبير، إذ عمدوا إلى إتلاف مقتنياتها التي تحبها، وحرمانها من الراحة لأيام طوال، كونهم فقهوا أن الحزن النفسي العميق يدرّ ذهباً أكثر نقاءً من الألم الناجم عن الأذى البدني.
أضحت جدران القصر صدى لآهات مكتومة، ومؤامرات تحاك في وضح النهار، وصار كل فرد يتربص بنقاط ضعف الآخر، يفتش في أوراقه القديمة عن سر مخبوء، أو زلة عابرة، أو جرح قديم لم يندمل، ليعيد نكأه طمعاً في بضع أواقٍ من الذهب؛ فغاب الود تماماً، وحل محله استثمار الفجائع، وصاروا من أثرياء العصر، لكنهم كانوا يتقلبون في جحيم صنعوه بأيديهم، ينامون والخوف يملأ قلوبهم من أن يستيقظ أحدهم ليجد مبضعاً يلامس جفنه لمجرد استدرار قطرة ثمينة واحدة.
مرت السنوات ثقيلة، وبلغت قسوتهم حداً لم تعد العواطف البشرية قادرة على مجاراته، وبحكم الطبيعة، فإن كثرة التعرض للمؤثرات تبلد الإحساس بها، فتيبست الأرواح، وأصيبت الغدد الدمعية بعقم كامل. ذات صباح، حاول الأخ الأكبر أن يستثير بكاء أخته بكل ما أوتي من وسائل الترويع والتهديد بالطرد إلى الفقر القديم، لكن "ندى" تطلعت إليه بعينين جامدتين كقطع الزجاج، ولم تذرف قطرة واحدة؛ لقد مات الخوف في عروقها، ومات معه النحيب.
أصاب الذعر بقية الإخوة، فخرجوا إلى الممرات يتبادلون اللطم والشتائم، ويستحضرون كل فظاعات العالم، لكن العيون ظلت قاحلة كأرض المحل؛ لقد فقدوا القدرة على البكاء، وصارت مآقيهم متخشبة، جافة، تسكنها برودة المعدن الذي استحوذ على مصائرهم. تزامن هذا الجفاف الروحي مع قحط شديد ضرب جبال القرية، فأغلقت الأسواق أبوابها، وحوصر القصر، ولم يعد أحد من التجار يقبل المقايضة بالذهب بعد أن بارت الأرض وهلك الزرع، فصار لديهم أكوام من السبائك الصفراء المكدسة في الأقبية، لكن خزائنهم كانت خالية من كسرة خبز واحدة أو شربة ماء قراح.
في أيامهم الأخيرة، التأم شمل آل سعيد حول طاولتهم الرخامية الطويلة، وكانت الأطباق أمامهم غاصة بحبات الدموع الذهبية التي جمعوها في سنوات حزنهم القديم، فلم يكن هناك زاد، ولا أنيس، ولا مغيث. نظر الأكبر إلى إخوته الذين استحالوا إلى أشباح هائمة، وحاول أن يبكي حسرة على هذا المآل، لعله يروي ظمأهم بدمعة مائية تغسل وجوههم، أو يشتري بها شربة ماء من عابر سبيل، لكن عينيه قذفتا شظية ذهبية حادة جرحت مأقيه وسقطت برنين ميت على الرخام.
ماتوا تباعاً، جوعاً وعطشاً، متوسدين تلك الثروة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وحين دخل أهل القرية القصر بعد أسابيع، وجدوا سبعة أجساد شاحبة، تحيط بها آلاف الدموع الجامدة. وكانت المفارقة التي تناقلتها الألسن، أن عيونهم بقيت شاخصة نحو السقف، تلمع في بياضها قشور ذهبية رقيقة، كشواهد أبدية على موت الروح قبل الجسد، مخلفين وراءهم حكمة يرددها الركبان: "ويل لمن جعل من عذاباته متجراً، فإن المآقي إذا تغلغل فيها الطمع، حوّلت الإنسان إلى حجر صلد لا ينبض".







التعليقات