جلس على أريكته القديمة المهترئة وسط المنزل، وقد أرهق سمعه خفوت مستوى الصوت المنبعث من المذياع؛ بسبب قرب نفاد طاقة بطارياته الثلاث، الأمر الذي جعله مضطراً إلى حمله بضجر وامتعاض من سطح الطاولة الخشبية أمامه، ووضعه بمحاذاة أذنه اليسرى للاطلاع على آخر المستجدات العسكرية، والإنصات إلى النداء المكرر الذي يبثه الإعلام الحربي لقوات الجيش القادم لتحرير المدينة بعد اندلاع المقاومة فيها وسقوطها بأيدي الثوار: "على الجنود العالقين في المنطقة، غير القادرين على الالتحاق بوحداتهم بسبب تردي الاوضاع الأمنية: التجمع أمام المقر العسكري الجديد، الرابض في الجزء الشمالي من المدينة لغرض توفير وسائل النقل لهم إلى العاصمة والتحقيق معهم، ثم منحهم كتاب تأييد إلى وحداتهم يثبت عدم مشاركتهم في الأحداث"
بدأ يفكر حائرا بين ثلاثة خيارات لا رابع لها: إما المجازفة بتسليم نفسه والإلتحاق في هذا اليوم، وإما البقاء في المنزل إلى إشعار آخر، أو مغادرة البلاد من خلال عبور الحدود الصحراوية إلى إحدى الدول الأخرى طلباً للجوء، ولكنه سرعان ما صَرَفَ فكرة الخيار الأخير عن ذهنه؛ لاستحالة مفارقة أمه الحنون، وعدم السماح لأدنى تفكير منه بجعلها وحيدة تكابد آلامها المزمنة ومشاق ومصاعب الحياة. ثم تساءل في نفسه مُرْتَاباً من عواقب الخيارين الأوليين: من يضمن سلامتي إزاء انعدام الثقة بالسلطة الحاكمة فيما إذا التحقت بركبها وأصبحت تحت قبضتها؟ هل تعزو غيابي عن الجيش دون تصريح كتابي؛ إلى تعذر وسائل النقل وانقطاع الطرق والمواصلات كما في حقيقة الأمر، أم تتهمني بالتمرد عليها والمشاركة في الانتفاضة التي وصفتها بصفحة الغدر والخيانة؟ على خلاف ذلك لو تم اختيار البقاء، وتأجيل الالتحاق ريثما تكون جميع أنحاء المدينة وضواحيها في قبضة الجيش، واستتباب الأمن فيها تماما: من يضمن لي تمديد العفو التام إلى ذلك الزمن القادم دون أن يُقيّد اسمي في سجل الهاربين من الخدمة الالزامية؟
روض مخاوفه على مضض بقبول الخيار الأول. نهض لارتداء بزته العسكرية وبسطاله وبيريته. ما كاد أن يفتح الباب، ويقف على عتبة المنزل مترعا بالتوتر والاكتئاب حتى اعترضت طريقه أمه، وطلبت منه التريث في اتخاذ القرار؛ خوفا من غدر وبطش النظام، لكنه أبلغها بثقة غير تامة قائلا:
- إنَّ هذا اليوم هو آخر موعد للالتحاق المحدد بزمن مدته ثلاثة أيام، ولقد رأيت عددا من الجنود خلال اليومين السابقين قد سارعوا بالذهاب والإياب حاملين بأيديهم كتب التأييد لوحداتهم المشيرة إلى عدم مشاركتهم في الأحداث.
ثم ودعها بقبلة على رأسها، وهي بدورها قد بادلته العناق بحرارة وحصنته بالدعوات.
سار بضع خطوات قلقة، مترنحا وسط دوامة من مشاعر متناقضة، متأرجحة بين التراجع والإقدام، وبين الخوف والطمأنينة؛ الأمر الذي جعله يتعثر في طريقه واجمًا، مضْطربا، لا يعلم بما يخبّئ له القدر وما يؤول إليه مصيره المجهول.ثم توقف مترددا بعض الشيء. حانت منه التفاتة إلى الخلف فرأى أمه ما برحت تقف على عتبة الباب ملوحة له بكفها للوداع، وهو يحمل في جيبه ربع رغيف ساخن من صنع يديها الكريمتين تفوح منه رائحتها الطيبة، ثم ما لبث أن واصل سعيه واسْتَأْنف المسير.
اشرأب عنقه عن بعد نحو مشارف ذلك المقر الأمني الجديد، هاله ما رآه من حشد بشري هائل من الجنود يتكدس وقوفا في أحواض الشاحنات المغادرة إلى العاصمة. ما هي إلا لحظات حتى وجد نفسه واقفا مع الآخرين في مؤخرة إحدى الشاحنات، يهتز جسده بسبب انطلاقها رافعاً بصره إلى السماء مناجياً ربه بدعوات خالصة من القلب، في حين كانت أمنياته تتدفق: كالسيل الجارف من شلالات سفوح جبال الصبر في مخيلته الندية. لا يعلم لماذا احلولت الدنيا بعينيه في تلك اللحظة: كأنه يودعها إلى عالم آخر؟ كان ينظر إلى الغيوم البيضاء كندف من القطن متناثرة متسائلا في نفسه: ماذا خلف تلك الغيوم؟ وماذا تضمر له الدنيا من مفاجآت؟ وهل ثمة بقايا للعمر تحتفي بزوال هذه الشدة؟
تذكر كيف كانت أمه تستعرض على مسامعه أسماء الفتيات من الأقارب، وتمنحه فرصة الاختيار لواحدة منهن، وكيف كان يمازحها رافضا مقترحها؛ لعدم تحيُّن الوقت المناسب للزواج. ولكن حينما ذكرت له اسم بنت عمه اكتسحه الصمت والحياء بنحو مفاجئ، وتوقف عن مشاكستها، واحمرَّ وجهه خجلا، عندئذ قرصت خده ضاحكة، وأدركت رغبته المكبوتة نحو تلك الفتاة؛ الأمر الذي جعلها ترجئ مفاتحة أهلها وخطبتها رسمياً لحين عودته سالما في إجازته القادمة.
بغتة، يقطع شرود ذهنه زعيق أفراد الانضباط الذين كانوا يرافقونهم في تلك الشاحنة، وقد تحولت نبرات أصواتهم إلى صرخات آمرة، ناهية، شاتمة؛ أدرك من خلالها وقوعه في فخ النظام بين أنياب حكمه الجائر.
حين الوصول إلى أحد مقرات الاعتقال في العاصمة بعد الغروب: صدر الأمر بإنزالهم واحدا تلو الآخر، وإخضاعهم للتفتيش، وإرغامهم على الدخول في أحد الجملونات الكبيرة الذي اكتظ وازدحم بعددهم الغفير. كانت حصته من المكان أن يتَّكئ على الجدار في حين يستند على ساقيه جندي آخر، وهكذا ترقد الرؤوس على الأقدام وتتداخل الأطراف وتتقارب الأجساد، وما أتعس حياة الجندي المحتجز حينما يكون بسطاله المخلوع من قدميه وسادة يضع عليها رأسه المحموم.
كثيرا ما كان يتناهى إلى سمعه في المنام نعيق غربان تحوم في الفضاء، وتتراءى له كوابيس مرعبة برموز وألغاز مبهمة لا يعلم تفسيرها ولا تأويلها: كأنه أمام لوحة تجريدية مرسومة بقلم الرصاص أوالفحم مغطاة بالتراب والغبار، تكتنفها حالة من الغموض، كلما تمعن النظر فيها وجدها تشير إلى صور متفرقة، تنعدم فيها الألوان بالكاد تتبين منها ملامح مشوشة لأشياء غرائبية، مختلطة سرعان ما تنفصل عن بعضها البعض، وتتوارى خلف حجب النسيان؛ لتندرج تحت صفة أضغاث أحلام مثل رؤية: جرافات، كاسحات رمال، خنادق عميقة، جماجم بشرية، هياكل عظمية، جثث محنطة بالتراب، تماثيل حجرية، وساعات أثرية فقدت عقاربها في عالم مفرغ من الهواء بمنظر ضبابي غير مألوف يتكرر في كل ليلة، كَمَا أَنَّه بين فترة وأخرى سواء في حالة اليقظة أو خلال نومه المتقطع: تضج مخيلته بذهول واندهاش وحيرة أمه وصرختها المدوية التي تقرع أبواب السماء.
أما معضلة إطعام هذا الحشد البشري الهائل الذي يضيق به المكان تكمن بسوء التنظيم حيث توضع على الأرض قصعة تحتوي على كَمّيَّة من الأرز الممزوج بالحساء الأحمر، وينادى على أربعة من الجنود المصطفين في الطابور شريطة أن يكون تناول الطعام بسرعة فائقة تستغرق بضع ثوان فقط، وإلا يجلد بالهراوات كل من يتجاوز مدة هذا الزمن المحدد. وقد صادف ذات مرة إن تخلف عن أقرانه بسبب محاولته البطيئة باتخاذ وضع القرفصاء بصورة صحيحة، ولم يكد يمد يده فوق القصعة متأخراً حتى انتهى الوقت المحدد، وفوجئ بضربة قاسية بالهراوة كادت تقصم ظهره إلى نصفين، ولم يكتف الضابط الواقف فوق رأسه بمعاقبته عند هذا الحد، بل تمادى في غضبه ساحباً جسده من ياقة قميصه بمسافة إلى الخلف كأنه يمسح به بلاط الأرض مضاعفا عليه الجلد مرات عديدة؛ ليكون عبرة لكل من يخالف تنفيذ الأوامر ويعرقل تطبيق القوانين، وعلى إثر ذلك المشهد غير الإنساني؛ ضج المعتقلون بالاسىتهجان والصوت الرافض والمتأثر من ممارسة هذا الفعل المخزي للضابط الذي سرعان ما أصدر أمراً ساخطاً للجلادين بالإِقْتِصَاص منهم جميعا بِلاَ اسْتِثْنَاء.
ليس ثمة دورة مياه صحية في هذا الجملون، إنما توجد بالركن المجاور للبوابة من الداخل مساحة معزولة مسيجة بحاجز من الطوب، تفتقر إلى التهوية والإضاءة، تتراكم على أرضيتها السوائل والفضلات دون سحب أو تصريف، تنبعث منها روائح العفن والرطوبة مسببة تهيج حساسية العين وكثرة افراز الدموع، و عدد من حالات الاختناق. في كل مرة كلما يحاول الدخول إليها لا يستطيع أن يتحرك فيها بحرية إلا بوضع قدميه على قطع من الطوب المتناثرة في أماكن متفرقة بخطوات حذرة مماثلة: لحركات مَنْ تتأرجح ذراعيه في الفضاء بتأنٍ وتوازن في مغامرة المشي على سلك رفيع معلق عالياً فوق الأرض في لعبة من ألعاب السيرك القديمة، وكم مرة خدعته بعض تلك القطع بمتانتها ومظهرها الصلد ولكن ما أن يدوس عليها؛ حتى يتفاجأ بلدانتها ورطوبتها فتتهشم متحولة إلى مسحوق مبلل يكاد يجعله يترنح يميناً وشمالاً، فاقدا إتزانه، موشكاً على الوقوع لو لم يتمالك نفسه في اللحظة الأخيرة.
بين يوم وآخر في ضحوة النهار يخرجونهم من الزنزانة؛ لتعريض اجسادهم تحت أشعة الشمس تجنباً من انتشار عدوى الأوبئة والأمراض. ذات مرة لمح بسرعة خاطفة رفيقه حسن وهو يدخل مع المعتقلين في الجملون المجاور. ناداه في الحال دون أن ينتبه له، وقد نال بسبب ذلك النداء ضربة سوط لاذعة من أحد الحراس. لم يكن يعلم باعتقاله، وقد طلب من الله أن يجمعه مع رفيقه؛ كونه بأمس الحاجة إلى شخص قريب من الروح تربطه معه صداقة حقيقية، يفضفض له أسراره ومعاناته ويبادله الهم ذاته، ويغمر حواسه المضطربة بفيض من مشاعر التهدئة و التصبر والأمان.
أُشيع بين المعتقلين نقلا عن ألسنة الحراس: أنَّ هذا المكان مؤقت لحين نقلهم إلى معتقل آخر يتم فيه التحقيق هناك، ومنحهم كتب التأييد الذي يثبت عدم اشتراكهم في الأحداث، وثم الالتحاق بوحداتهم العسكرية.
لم يشعر في حياته السابقة أبداً بثقل الوقت إلا في هذه البقعة البائسة التي ينتظر فيها ساعة الخلاص بينما يتباطأ الزمن مترنحاً بوقع شديد يعبث في مدة الانتظار؛ فيتيقن من مطابقة التشبيه الشائع لواقعه الممل بأن اليوم يقدر بالسنة في أوقات الشدة.
بعد مرور مدة ليست بالقليلة: صدر الأمر بنقلهم إلى مقر اعتقال آخر. وقفوا في الحوض المكشوف لشاحنة الحمل الكبيرة يستند كل واحد منهم على الآخر.
حينما مرت الشاحنة بإحدى ضواحي العاصمة تفاجئوا برؤية جَمْهَرَة مِنَ النَّاسِ من كلا الجنسين بفئات عمرية مختلفة على أرصفة الطرقات كانت تتفرج وتتسلى بمشاهدتهم، وترمي الحصى والأحجار عليهم من كل صوب وجانب، وتتشمت بهم بحقد بالغ، وجهل شديد دون معرفة الحقيقة: حيث النساء تغمهم بأكفهن، والشتائم تنهال عليهم من ألسنة الكبار، بينما تجري زمرة من الشباب الضالة بحماقة بالغة، ورعونة طائشة، ونزق عارم، وسرعة جنونية خلف الشاحنة مثلهم كمثل الكلاب السائبة، والزعيق المسعور ينطلق من أفواههم كالنباح بهتاف مكرر: خونة وعملاء.
قبل أن يدخلوا معسكر الاعتقال أمروهم بالاصطفاف واحداً تلو الآخر ليتقدم كل فرد مهم بضع خطوات للوقوف أمام آلة تصوير محمولة فوق ثلاثة مساند معدنية على الأرض، ثم النطق بالاسم الرباعي واللقب وعنوان السكن ورقم الوحدة العسكرية.
شاء الله أن يستجيب لدعائه ويجمعه مع رفيقه حسن في جملون واحد، وحسنٌ هذا إنسان نادر الوجود، جربه في الشدة والرخاء.
في ظهيرة أحد تلك الأيام العصيبة: اصطف المعتقلون أمام بوابة قبو التحقيق بشكل ثلاثة طوابير منتظمة، متوازية، متباعدة فيما بينها أفقياً بمتر واحد في الفناء تحت ضوء الشمس. كل طابور يتكون من عدد غفير من المعتقلين. كل استغاثة تنطلق من داخل القبو تخترق مسامعه، وتنفذ إلى قلبه محدثة فوضى عارمة في نبضاته، ذارية كل شعور كان يعده بذرّة من الأمان. يصوغ في ذهنه إجابات مناسبة لأسئلتهم المسربة والمكررة من الذين سبقوه وخاضوا عملية الاستجواب بيد أن ذاكرته لا تسعفه بتخزين الكلمات في جوفها؛ إذ أجهض الرعب في رحمها جميع الحروف التي كان يلملمها بصعوبة بالغة. بعد ما نهض من كان أمامه وأصبح هو في المقدمة: انشغل لسانه بالتضرع والابتهال إلى الله للنجاة من هذه الشدة، وتعالت من خلفه همهمات المعتقلين بالدعاء والرجاء.
ما أن حان دوره وأُمر بالنهوض، ووطئت قدماه عتبة القبو حتى كادت نبضات قلبه تدق بإيقاع مضطرب، وتتساقط على أديم الأرض: كأوراق الشجر في فصل الخريف. جالت عيناه تتفحص المكان بنظرة سريعة من الشمال إلى الوسط ثم إلى اليمين. هراوات ترتفع إلى الأعلى وتهوي على أجساد تتلوى من الألم، وتتمرغ على الأرض. صرخات ترتفع إلى السقف وتشق طريقها نحو عنان السماء. خلف المناضد يجلس المحققون بوجوه مترفة وزي عسكري مقيت. يحيط الجلادون حول كل معتقل بقاماتهم الضخمة وأذرعهم المفتولة: مثلهم كمثل المجرمين والقتلة الذين يجسدون أدوار الشر بأقوى المشاهد رعباً في أفلام الكاوبوي والعصابات والمافيات.
زعق به أحد الجالسين على الشمال، والذي كان مكانه خالياً من وجود أي معتقل أمامه. أمره بالجلوس على الأرض، وبدا له أنه من كبار المسؤولين المشرفين على سير التحقيقات الجارية بهيئته المدنية، وارتدائه بذلة سفاري زرقاء غامقة اللون ذات أكمام قصيرة.
أمره بذكر الاسم الرباعي واللقب والعنوان والتحصيل الدراسي أجابه في الحال بذكر معلوماته الشخصية.
سأله باستفزاز:
- هل لديك أخ معدوم؟
نفى ذلك مؤكدا في إجابته بأنه الابن الوحيد لأهله.
زمجر به مستجوبا:
- أنا أعرف كل شبر في مدينتك. أخبرني، كم يبعد بيتك عن محطة الوقود؟
أجابه بإيجاز:
- المسافة بعيدة جدا.
ضرب بقبضته على المكتب، و صرخ به حانقا:
- من الذي شاركك في اقتحام المحطة والسيطرة عليها؟
أثارت غضبه ابتسامته العفوية بتكذيب ما سأله به.
الأمر الذي جعله ينادي على الزبانية قائلا:
- إنّه من نشطاء المتمردين على الدولة.
ما كاد ينهي عبارته حتى انهالت على جسده الركلات والضربات القاسية من كل حدب وجانب: كمن يحفر في جذع شجرة خبيثة، وأصبح وسط حلقة دائرية لا يعلم فيها لماذا اختير من دون المعتقلين بتشديد العقاب عليه هل لجعله كبش فداء، لبث الذعر في النفوس وإلقاء الرعب في الصدور لانتزاع اعترافاتهم بيسر وسهولة؟ أم كما عَلَّلَ حسن مَا قَامَوا بِهِ من عقاب وتنكيل بحقه بأنَّ النور الساطع من ملامح وجهه الوسيم يمنحهم انطباعاً مميزاً يوحي لهم بأنه ربما كان قائداً مطاعاً وقدوة للآخرين؛ فيكثفوا من جرعة التعذيب؟
" تعال إليّ، من ينقذك مني في هذا اليوم، هات أسماء جميع الأشخاص الذين اشتركوا معك في التمرد على الدولة" بهذه العبارة كان المحقق الآخر قد ناداه شاهراً عليه السلاح، مهددا بإعدامه في حالة عدم الاعتراف.
على الرغم من أنهم مارسوا بحقه أقسى حالات التعذيب الحديثة والمحرمة، وأغرب الأساليب المنقرضة والمتبعة في العصور الوسطى والقديمة إلا أنّهم لم يستطيعوا انتزاع أي أعتراف منه لا على نفسه ولا على الآخرين من المشاركين في الأحداث؛ الأمر الذي دعاهم أن يجلبونه للتحقيق في كل أسبوع ولكن دون جدوى. ثمة حافزاً للنجاة منهم كان يراود مخيلته، ويمنحه الثبات متمثلاً بجسده الذي كان يحاول تحمل العقوبة لأقصى مدة ممكنة: كما تمتص مسامات قطعة الإسفنج الماء لكسب إطالة الوقت بفضل مقولة راسخة في ذهنه كان قد قرأها سابقاً عن الصمود والثبات تنص على: أنه طالما أن المحقق موظف يتقاضى أجراً من الدولة، وهو مقيد بسقف زمني محدد لاستجواب عدد معين من المعتقلين، لا بدَّ له أن يكل ويمل ويشعر بالإرهاق؛ لذلك كان التعذيب وأن طالت مدته ورغم بشاعته أحب إليه من تعدد الأسئلة التي تقتحم مخبأ أسراره المحتقنة خلف قضبان قفصه الصدري.
أما حسن لم يتلق أي حالة شديدة من التعذيب خلال الاستجواب باستثناء عدد من الصفعات؛ كون التحقيق معه حدث بسرعة بالغة بغياب الضباط الكبار في وقت متأخر من الليل، ولقلة عدد موظفي التحقيق الذي لا يتناسب مع كثرة عدد الموقوفين المطلوب تدوين إفاداتهم، فكان يطيّب جراحات زميله، ويخفف عنه آلامه ويرعاه، حتى إنه ذات مرة سجل رقماً مثالياً بالوصول إلى ذروة الإيثار: بتطوعه عوضاً عنه بتلقي حصتين من الضرب بالسياط من الحراس في داخل السجن خلال تأديتهم العقاب الجماعي للسجناء بالتسلسل واحداً تلو الآخر، وكان له ما أراد ليرتقي بعمله هذا إلى قمة الوفاء والإنسانية.
من أخطر الحالات المفزعة و الجاثمة على صدور المعتقلين: قدوم المخبرين السريين إلى داخل السجن، وهم يتفحصون الوجوه واحداً تلو الآخر لتشخيص المشاركين في الأحداث؛ كونهم عاشوا في تلك المدينة واختلطوا مع المنتفضين، وشاركوهم في ترديد الشعارات والهتافات المنددة بالحكومة دون أن يشك بهم أحد؛ لذلك حينما دخل أحدهم ملثماً بالنقاب، وصدر الأمر على جميع المعتقلين بالوقوف متجاورين بصف واحد ليؤدي دوره بالتشخيص: كان حضوره البغيض الذي تستعيذ من شره ألسنة السجناء كريحٍ عاصفٍ ترتعد لها أغصان الشجر في غابة مظلمة تتسيد فيها لغة العيون وسط صمت ثقيل لا يسمع فيه سوى صوت وقع خطواته المرعبة وهو يتجول بين الصفوف بنظرات ما أعظم سطوتها على القلوب وهي تقوم بعملية إجراء مسح شامل لتقصي واستطلاع جميع ملامح وقسمات الوجوه التي يمر عليها، بيد أنه تسمر في مكان وقوفه أمام حسن كأنه يعثر على صيد ثمين مشيراً عليه إلى الضابط الذي يرافقه قائلا:
- سيدي، هذا من أخطر المشاركين في الأحداث.
على أثر ذلك مُسك حسن من رقبته، وتعرض للكم و الركل والضرب، وتكالبت عليه الهراوات والسياط من كل جانب. بعدها اختفى تماماً من الوجود.
ظل في كل يوم بعد فراقه الموحش والأليم: يطيل النظر إلى مقامه الخالي من وجوده فيشعر بغصة بالغة في أعماقه، وقد خيّم الصمت بثقله على المكان، وعم السكون التام معلناً حالة الحداد الدائم على فقدانه لما تبقى له من العمر، وكاد رحيله أن يحدث شرخاً عظيماً في سقف صبره الشاهق لولا تسلحه بمزيد من العزم والإرادة والإيمان.
ذات يوم محزن وكئيب صدر الأمر باقتياد كل من يرقد في هذه الزنزانة والزنارين المجاورة، وسوقهم بالركلات والعصي وأعقاب البنادق إلى جهات أخرى مجهولة: اشتد في فضائها نعيق غربان تطوف فوق بقاع محددة من صحاري تجلى فيها كل ما كان يراه من مشاهد مخيفة في رؤياه القديمة، بينما بقيت ذكرياته وأمنياته وعذاباته المخطوطة على الجدران معيناً لا ينضب من القصص والروايات الملمة بكل التفاصيل الدقيقة.
لمّا سقط شبح الطاغية في حضيض الظلام، واشتد لهيب جمرة الفِرَاق في قلب أمه التي ما فتئت تنتظر إطلاق سراحه بلهفة مميتة؛ هرعت بكل ما تملكه من حنين جارف واشتياق عظيم للبحث عنه في غياهب السجون ودهاليز الزنارين السرية في العاصمة والمدن الأخرى ولكنها صُدمت بخلوها من جميع النزلاء.
ما أن أعلنت الصحراء أمنيتها بالجهر عما دُفن فيها من خبايا وأسرار؛ لتكشف عن مقابر جماعية تضم رفات أجساد مغيبة تسامت أرواحها في السماء حتى تعالت صرخاتها في الفضاء، وهي تردد باستمرار مقولته الأخيرة في لحظة الوداع عن تعهد النظام الغادر بنقل الجنود إلى وحداتهم العسكرية، مهيلة التراب على رأسها وفوق عباءتها السوداء المعفرة برائحة الصبر المعتق، والحزن المنبعث من احتراق قلبها، المفجوع بخيبة الانتظار.
دموع بلون الجراح

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٥ م






التعليقات