انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين سرق المختار الألف من فاطمة: مرثية الاسم الذي قتله الفقر مرتين

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

17 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
حين سرق المختار الألف من فاطمة: مرثية الاسم الذي قتله الفقر مرتين
مشاركة:

لم تكن فاطمة تعرف أن اسمها سيموت في ذلك الصباح. لم تكن تعرف أن الحروف يمكن أن تُذبح من أعناقها، وأن الألف يمكن أن تُساق إلى المقصلة، وأن طفلة لا تملك من الدنيا سوى اسمها يمكن أن تستيقظ فاطمة وتنام فطيم، دون أن تمرض، أو تموت، أو ترتكب ذنبًا، أو تتقدم في العمر يومًا واحدًا. كان الجنوب العراقي يومئذٍ يتقلب فوق جمر الفاقة، وكانت القرى المبعثرة بين الأهوار والحقول والطرقات الترابية تشبه قطعًا من جسد عتيق نسيه أصحابه تحت الشمس، وكانت الحكومة الملكية تحاول أن تعرف عدد الذين يعيشون في تلك البلاد، فتبعث دفاتر تسجيل النفوس إلى الأماكن التي لم تصلها من الدولة إلا الضرائب والأوامر وأخبار الرجال الذين يملكون الأرض ولا يعرفون أسماء الذين يزرعونها. وفي قرية من تلك القرى، حيث الفقر ليس حادثًا يقع على الإنسان بل قدرًا يجلس معه إلى المائدة، جاءت اللحظة التي قرر فيها التاريخ أن يختبر مقدار ما يستطيع الإنسان أن يكون لئيمًا حين تمنحه السلطة دفترًا وقلمًا وختمًا. جاء المختار، يحمل أوراق الحكومة، ويمشي مشية رجل اكتشف فجأة أن مصائر الناس معلقة بأصابعه، وأن الحبر الذي في محبرته أشد نفوذًا من دموع الأمهات، وأن بوسعه أن يمنح الاسم أو ينتقص منه، وأن يقرر كيف يدخل الفقراء إلى سجلات المملكة. لم يكن ملكًا، ولا وزيرًا، ولا قاضيًا، ولا صاحب علم، ولكنه كان يمتلك في تلك الساعة سلطة صغيرة، والسلطة الصغيرة حين تقع في يد نفس ضيقة تصبح أحيانًا أشد قسوة من السلطة الكبيرة، لأنها تريد أن تثبت وجودها على أجساد الذين لا يستطيعون الاعتراض. وقف عند بيت الأرملة، والبيت، في المخيال الذي تستدعيه هذه الحكاية، لم يكن سوى جدران تحاول أن تتماسك حتى لا تسقط على بناتها. كانت المرأة قد فقدت زوجها، وكان عليها أن تؤدي وحدها وظيفة الأب والأم والسقف، والباب والرغيف والرجاء. لم تكن الأرملة تحتاج إلى من يذكرها بأنها أرملة؛ فالغياب كان ينام إلى جوارها، ويستيقظ قبلها، ويضع يده الباردة فوق الطعام القليل، ويحصي معها ما تبقى من الأيام. وكان عليها الآن أن تقدم بناتها إلى دفتر النفوس، كأن الدولة التي لم تسأل عن جوعهن جاءت أخيرًا لتسأل عن أسمائهن. بدأ المختار التسجيل، اسمًا بعد اسم، حتى بلغ البنت الوسطى. سأل عن اسمها، فأجابت الأم بلسان الجنوب الذي يحذف من الكلام ما لا يحذفه من المحبة: فاطة. لم تكن الأم قد أسقطت من اسم ابنتها شيئًا، وإنما نطقت به كما تنطق الأمهات أسماء أولادهن حين تذيب الألفة الحروف، وتختصر الحنان المسافات بين اللسان والقلب. فاطة، أي فاطمة، تلك التي يعرفها البيت، وتعرفها أخواتها، وتعرفها الأم التي حملتها في أحشائها قبل أن تحملها في سجل النفوس. ولكن المختار توقف، وزم شفتيه، واصطك على أسنانه، ومد الاسم بين فكيه كما يمد الجلاد جسد ضحيته قبل الضربة، فاااااااااطمة !؟  ثم جاء الحكم، لا بوصفه خطأ في السماع، ولا اختلافًا في الكتابة، بل احتقارًا عاريًا خرج من فم رجل وجد أمامه طفلة يتيمة لا سند لها. ما هي إلا بنت يتيمة، ولا تستحق سوى فطيم. وهكذا وقع ما لا تستطيع دفاتر الدولة أن تسجله: جريمة بلا دم، ومذبحة بلا سكين، وجنازة خرجت من فم المختار ولم يمش خلفها أحد. ماتت فاطمة على الورق، وولدت فطيم في السجل، ولم تكن الولادة الثانية احتفالًا بالحياة، بل شهادة بأن الفقر يستطيع أن يتدخل حتى في تركيب الاسم. في تلك اللحظة لم يكن المختار يختصر كلمة، وإنما كان يختصر إنسانًا؛ لم يكن يحذف حرفًا، وإنما كان يحذف حقًا؛ ولم يكن يصحح لسان امرأة جنوبية، وإنما كان يعاقب طفلة على موت أبيها. ولو أن للألف روحًا، لسمع الناس صرختها وهي تُنتزع من فاطمة، ولو أن للدفتر قلبًا، لأغلق صفحاته خجلًا، ولو أن للقلم ضميرًا، لانكسر بين أصابع المختار. لكن الدفتر ظل مفتوحًا، والقلم ظل يكتب، والمختار ظل مختارًا، والأرملة ظلت أرملة، والطفلة التي لم تطلب من الدنيا شيئًا وجدت نفسها مطالبة بأن تعيش باسم اختاره لها الاحتقار.

الألف المذبوحة ومأتم الحروف

منذ ذلك الصباح، يمكن تخيل الحروف العربية وقد أعلنت الحداد في تلك القرية. الألف، ذلك الحرف المستقيم الذي يقف في أول الأبجدية كإنسان لم يتعلم الانحناء، خرج من اسم فاطمة مطرودًا، ومضى يتعثر بين الحقول، يسأل القصب عن مأوى، ويسأل الماء إن كان يستطيع أن يحمل اسم طفلة إلى مكان لا يصل إليه المختار. كانت الميم تبكي لأنها فقدت امتدادها الأول، وكانت الطاء تتلفت مذعورة، وكانت التاء المربوطة تبحث عن بيتها القديم، لكن الجريمة لم تقف عند حرف واحد؛ فقد أعاد المختار تشكيل الاسم كله حتى أصبح الاسم الجديد علامة على أن صاحبة الاسم ليست حرة في امتلاك صورتها اللغوية. فاطمة اسم يحمل تاريخًا طويلًا من الأمومة والقداسة الشعبية والانتساب الرمزي إلى عالم واسع من المعاني، أما فطيم، في تلك الواقعة، فلم يكن مجرد تصغير مألوف في اللهجة، بل كان تصغيرًا مقصودًا للمنزلة الإنسانية، لأن الذي نطق به لم يرد التدليل، وإنما أراد الإهانة. والفرق بين التصغيرين هو الفرق بين أم تقول لابنتها يا صغيرتي فتفتح لها ذراعيها، ورجل يقول لها أنت صغيرة حتى عن اسمك فيغلق في وجهها أبواب الاعتراف. ليست المشكلة في لفظ فطيم نفسه؛ فقد يكون اسمًا عزيزًا تحمله امرأة مكرمة، وقد يكون لقبًا محببًا في بيت آخر، ولكن المشكلة في تلك اليد التي وضعته مكان فاطمة عقوبة على اليتم. فالكلمات لا تظلم دائمًا بمعانيها المعجمية، وإنما تظلم بالسلطة التي تنطق بها، وبالنية التي تدفعها إلى الوجود، وبالعلاقة المختلة بين من يملك حق التسمية ومن يُجبر على قبول الاسم. وهنا تكمن الفجيعة الثقافية العميقة في هذه الحكاية: لقد تحول الاسم من وسيلة للاعتراف بالشخص إلى أداة لإعلان مرتبته الاجتماعية، وصار دفتر النفوس، الذي يفترض أن يساوي بين المواطنين في إثبات وجودهم، مرآة تعكس التفاوت الذي يعيشونه خارج صفحاته. كان ينبغي للدفتر أن يقول إن هذه طفلة موجودة، لها اسم، ولها أم، ولها مكان في البلاد، لكنه صار، بفعل المختار، يقول إن هذه طفلة موجودة بشرط أن تقبل بالاسم الذي يناسب فقرها. وهكذا دخلت الطبقية إلى الأبجدية، وأصبح اليتم قاعدة إملائية، وصارت الفاقة سلطة صرفية تستطيع أن تصغر الأسماء كما تصغر الأجساد من الجوع. يا للهول! أيمكن أن يبلغ الإنسان من الضعة حدًا يجعله يغار من اسم يتيمة؟ أيمكن أن يضيق صدر رجل بألف واحدة، فيقتلعها من فم طفلة كما تُقتلع شجرة من أرض لا مالك لها؟ أيمكن أن تكون فاطمة ثقيلة على دفتر المملكة، وفطيم أخف على ضمير المختار؟ أي ميزان هذا الذي توزن فيه كرامة البشر بعدد الآباء الأحياء؟ وأي عدالة تلك التي تجعل موت الأب سببًا لموت جزء من اسم ابنته؟ كان اليتم قد أخذ من الطفلة صوتًا كان يمكن أن يناديها في الصباح، ويدًا كان يمكن أن تربت على رأسها، ووجهًا كان يمكن أن تقرأ فيه ملامحها، ثم جاء المختار ليأخذ منها ما بقي من حضورها في اللغة. لم يكن الأب حاضرًا ليرد الإهانة، لكن غيابه لا يعني أن أحدًا امتلك حق التصرف بابنته. الأب الميت لا يسقط عن ابنته حقها في اسمها، والأرملة لا تفقد حقها في الكلام، والطفلة لا تصبح ملكًا عامًا للمتسلطين لمجرد أن بيتها خلا من رجل. تلك هي المسألة التي ينبغي أن تبقى معلقة فوق الحكاية كجرس لا يتوقف عن الرنين: لماذا احتاج اسم فاطمة إلى أب حي كي يكون محترمًا؟ ولماذا لم تكن الأم، بكل ما تحمل من وجع وكفاح وحق، كافية لحماية الاسم الذي اختارته؟ كان المختار يرى في غياب الأب فراغًا يمكن أن يملأه بإرادته، بينما كان ينبغي أن يرى فيه سببًا لمزيد من الرحمة. غير أن اللؤم ليس نقصًا في معرفة الفضيلة، بل قدرة عجيبة على التعرف إلى موضع الألم والضغط عليه. فاللئيم لا يضرب دائمًا حيث يستطيع، وإنما يضرب حيث يعلم أن الضربة ستوجع أكثر، ولا يحتاج إلى سيف حين يجد أمامه قلبًا مكشوفًا. لقد عرف المختار أن الأرملة وحيدة، وأن البنت يتيمة، وأن الاسم لن يجد من يدافع عنه، فأطلق حكمه كما يطلق رجل حجرًا في بئر، ثم مضى، تاركًا الصدى يعمل وحده عبر السنين. ويمكن للخيال أن يرى الأم في تلك اللحظة وقد ابتلعت صرخة لا تسعها القرية، لا لأن الصرخة كانت صغيرة، بل لأنها كانت أكبر من أن تخرج من فم واحد. ربما أرادت أن تقول إن اسم ابنتها فاطمة، وربما أرادت أن تسأل ما شأن اليتم بالأسماء، وربما جمدت الكلمات في حلقها أمام دفتر الدولة وختمها. لا نعرف ما قالته بعد ذلك، ولا يجوز أن ننسب إليها احتجاجًا لم تحفظه الرواية، لكننا نعرف أن الإهانة وقعت، وأنها كانت كافية لكي يتحول مشهد التسجيل إلى مأتم أخلاقي لا ينتهي بإغلاق الدفتر. وفي هذا المأتم لم يكن الحاضرون أشخاصًا فقط؛ كانت العدالة غائبة، والرحمة مطرودة، والكرامة واقفة خلف الباب، والأب الميت حاضرًا بغيابه حضورًا موجعًا، وكانت الألف المفقودة تطرق جدران البيت طوال الليل، فلا يفتح لها أحد، لأن المفتاح صار في جيب المختار.

المملكة التي أحصت الأسماء ولم تحصِ الدموع

كانت الحكومة الملكية تحاول تسجيل النفوس، وكان ذلك جزءًا من سعي الدولة الحديثة إلى معرفة سكانها، وضبط سجلاتها، وتحويل الجماعات المتناثرة إلى أفراد يمكن التعرف إليهم إداريًا. وليس في تسجيل النفوس ظلم بذاته، بل قد يكون الاعتراف القانوني بالإنسان حماية لحقوقه، وإثباتًا لوجوده، وضمانًا لانتسابه إلى وطن لا ينبغي أن يطرده من دفاتره. غير أن الدولة لا تصل إلى الناس دائمًا بصورتها التي ترسمها القوانين، بل تصل أحيانًا بوجه الموظف الصغير، والمختار المحلي، والوسيط الذي يستطيع أن يجعل من القانون بابًا للإنصاف أو أداة للإذلال. وفي تلك القرية الجنوبية، كان وجه الدولة هو وجه الرجل الذي زم شفتيه وسخر من اسم يتيمة. هنا تبدأ المأساة في تجاوز حدود الحكاية الفردية، لتكشف عن بنية اجتماعية كان الفقير فيها يعيش على هامش الاعتراف، لا لأنه خارج البلاد، بل لأنه داخلها من دون قوة تحميه من مزاج أصحاب النفوذ. كان المختار يعرف أن الدفتر يمنحه سلطة على كتابة الاسم، فتصرف كأن السلطة على الكتابة تمنحه سلطة على قيمة الإنسان. وهذه واحدة من أقدم حيل الاستبعاد: أن تتحول الوظيفة العامة إلى ملكية خاصة، وأن يصبح صاحب المنصب حارسًا لبوابة لا يعبرها الضعفاء إلا بعد أن يدفعوا شيئًا من كرامتهم. لم يكن مطلوبًا من فاطمة أن تثبت أصلًا كريمًا، أو مالًا، أو نسبًا نافذًا، أو قدرة على رد الإهانة؛ كان المطلوب أن يُكتب اسمها كما هو، لكن المختار اخترع امتحانًا لم تنص عليه الدولة، وجعل النجاح فيه مرهونًا بوجود أب يستطيع أن يقف خلف الطفلة. وهكذا صارت الأبوة، لا المواطنة، مصدر الحماية، وصارت الأرملة، لا بوصفها أمًا كاملة الأهلية والكرامة، بل بوصفها امرأة بلا رجل، موضعًا لاستسهال التعدي. وما أفدح أن تعيش المرأة مأساة فقد الزوج، ثم تكتشف أن المجتمع لا يكتفي بمطالبتها بأن تحل محله في إعالة الأطفال، بل يعاقبها أيضًا لأنها لا تستطيع أن تستحضر سلطته حين يتعرضون للإهانة. إنها مطالبة بأن تكون أبًا وأمًا حين يتعلق الأمر بالتضحية، لكنها تُعامل كأنها لا تكفي حين يتعلق الأمر بالدفاع عن حق بسيط. وفي هذا التناقض تقيم واحدة من أكثر صور الظلم قسوة: أن يُحمَّل الضعيف مسؤوليات الأقوياء، ثم يُحرم من حقوقهم. كانت الأرملة تقف أمام المختار وفي داخلها، على الأرجح، تاريخ من الخسارات لا يعرفه الرجل ولا يريد أن يعرفه، وكان يكفيه أن يسمع كلمة يتيمة حتى يقرر أن الاسم الكامل ترف لا تستحقه صاحبته. ولكن من قال إن الأسماء امتيازات؟ من قال إن الحروف توزع وفق الطبقات؟ من قال إن للفقر قواعد لغوية خاصة، وإن على اليتيم أن يدخل المدرسة والشارع والدوائر الحكومية باسم أصغر من اسمه، كي لا يزعج أصحاب الأسماء الكاملة؟ إن المجتمع الذي يسمح بمثل هذا الفعل لا يظلم الإنسان في رزقه وحده، وإنما يعتدي على حقه في تعريف نفسه. فالاسم ليس زخرفة معلقة على الجسد، بل هو الباب الأول الذي يدخل منه الفرد إلى العالم، وهو النداء الذي يستدعي حضوره، والوعاء الذي تتراكم فيه الذكريات والعلاقات والاعترافات. وحين يغير صاحب سلطة اسم طفل ازدراءً لأصله الاجتماعي، فإنه لا يغير مجموعة من الحروف فحسب، بل يحاول أن يفرض عليه صورة مهينة عن نفسه. وفي الخيال العجائبي لهذه الواقعة، يمكن تصور دفتر النفوس وقد تحول إلى مخلوق هائل يبتلع أسماء الفقراء ثم يعيد إخراجها بعد أن يمضغها بأضراس السلطة. تدخل إليه فاطمة فتخرج فطيم، ويدخل إليه الفلاح فيخرج رقمًا، وتدخل إليه الأرملة فتخرج خانة في سجل، ويدخل إليه الجوع فلا يجد الموظف له مكانًا بين الأسطر. وحين يسأل الدفتر عن مهنة الرجل، يعرف كيف يكتبها، وحين يسأل عن عمر المرأة، يعرف كيف يثبته، لكنه حين يقف أمام دمعة لا يعرف أين يضعها، لأن الاستمارات لا تتسع لما لا تريد الدولة أن تراه. ومن وراء الدفتر تقف القرية، ومن وراء القرية يقف الجنوب، ذلك الجنوب الذي لا يجوز اختزاله في الفقر، لأنه كان أيضًا عالمًا من العمل والقرابة والذاكرة والأغاني والصبر، لكنه عرف أشكالًا قاسية من الحرمان والتفاوت. وكان على الإنسان فيه أن يخوض معارك يومية كي يبقى واقفًا، وأن يحمي اسمه من الضياع كما يحمي خبزه من الجوع. وفي الحكاية لم تكن فاطمة ضحية شخص لئيم وحده؛ كانت ضحية علاقة اجتماعية جعلت اللؤم ممكنًا، وضحية ميزان مختل أعطى الرجل الصغير حقًا كبيرًا في تقرير ما يستحقه الآخرون. فلو كان المختار يخشى مساءلة حقيقية، أو يرى في الأرملة مواطنة لا تقل عنه كرامة، أو يؤمن بأن اليتيم لا تنقص إنسانيته بموت أبيه، لما استطاع أن يطلق عبارته بتلك السهولة. إن الاستبداد لا يبدأ دائمًا من القصور، فقد يبدأ من طاولة تسجيل في قرية، ومن قلم يتردد فوق اسم، ومن شفتين تنقبضان احتقارًا، ومن رجل يجد لذة في أن يجعل الآخرين أصغر مما هم عليه. وهكذا صار الجنوب كله، في تلك اللحظة الرمزية، واقفًا خلف فاطمة، لا لأن جميع أبنائه عاشوا الحادثة نفسها، بل لأن الحكاية تكثف سؤالًا عرفته المجتمعات المحرومة طويلًا: هل يكفي أن تكون إنسانًا لكي تستحق الاحترام، أم ينبغي أن تقدم شهادة قوة قبل أن يعترف الناس بكرامتك؟ ولم يكن جواب المختار إلا فضيحة معلنة؛ لقد أراد أن يقول إن اليتيمة أقل، لكنه كشف، من حيث لا يدري، أن الذي يستطيع إهانة طفلة بسبب موت أبيها هو الذي فقد شيئًا جوهريًا من إنسانيته. لم تكن فاطمة هي التي صغرت يوم أصبحت فطيم، بل المختار هو الذي تصاغر حتى لم يعد يتسع قلبه لألف واحدة.

محاكمة المختار بعد أن مات الشهود

مرت السنوات في مجرى الزمن، لكن بعض الوقائع لا تنتهي بانتهاء أصحابها، لأنها تظل تبحث عن محكمة لم تنعقد في يومها. وهذه الحكاية واحدة منها. لا نعرف من الرواية ما الذي جرى لفاطمة بعد تسجيلها، ولا كيف عاشت، ولا إن كانت قد استعادت اسمها في وثيقة لاحقة، ولا ما الذي حل بالمختار، ولذلك لا ينبغي أن نخترع لها حياة أو موتًا أو انتصارًا لم يصلنا خبره. لكننا نستطيع أن نفعل ما لم يفعله دفتر النفوس: أن نعيد فتح القضية، وأن نستدعي إلى محكمة الذاكرة كل ما كان صامتًا يومئذٍ. فلندع الخيال يفتح أبواب قاعة واسعة، لا يجلس فيها قاضٍ من البشر، وإنما تجلس العدالة نفسها وقد شاخت من طول الانتظار، ويقف في صدرها دفتر قديم ترتجف أوراقه، وعلى يمينه قلم أسود يحاول أن يخفي رأسه، وعلى يساره ختم ثقيل تلطخ وجهه بآلاف القرارات التي لم يسأل أصحابها عن آثارها في حياة الناس. يدخل المختار، لا بصفته رجلًا من زمن مضى، بل بصفته رمزًا لكل من استعمل سلطة صغيرة كي يجرح إنسانًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه. تسأله الذاكرة عما فعل، فيشير إلى الدفتر كأن الورق قادر على حمل المسؤولية عنه. يسأله الاسم عن سبب اقتطاعه، فيلوذ بعبارة اليتم، كأن اليتم تهمة تستوجب العقاب. تسأله الأمومة بأي حق استباح اسم ابنتها، فلا يجد جوابًا سوى ذلك المنطق البائس الذي يجعل القوة مصدرًا للحق. ثم تدخل الألف، لا بوصفها حرفًا، بل بوصفها شاهدة نجت من الجريمة. تدخل حافية، مكسورة الضوء، وعلى جبينها أثر الأصابع التي اقتلعتها من موضعها، وتقف أمام المختار مستقيمة على الرغم من الجرح. لا تحتاج الألف إلى خطبة، فهي نفسها الدليل، وغيابها هو شهادة الاتهام. وحين تفتح المحكمة سجلها، تكتشف أن الجريمة أكبر من حذف حرف، وأن المتهم الحقيقي ليس المختار وحده، بل ذلك النظام الأخلاقي الذي يسمح للناس بأن يقيسوا استحقاق الإنسان بمقدار ما يملك من مال وسند ونفوذ. هنا تتكاثر الأصوات في القاعة، لا أصوات أشخاص نعرفهم، بل أصوات المعاني التي أهينت طويلًا. يتقدم اليتم ويقول إنه ليس عيبًا في الطفل، بل خسارة لم يخترها. ويتقدم الفقر ليقول إنه ليس شهادة نقص في الكرامة، بل حال مادية واجتماعية قد تصنعها ظروف لا يملك الإنسان دفعها. وتتقدم الأرملة لتعلن أن غياب الزوج لا يجعل الأم نصف إنسان، وأن المرأة لا تحتاج إلى رجل كي تكون أهلًا للدفاع عن أولادها. وتتقدم الطفولة، ذلك الكائن الذي يفترض أن تحرسه المجتمعات من القسوة، لتسأل لماذا يتحول الضعف الذي يستدعي الحماية إلى ذريعة للاعتداء. أما اللؤم فيقف في زاوية القاعة، صغيرًا، ضامرًا، لكنه لا يخجل؛ لأنه يعرف أن العالم منحه عبر التاريخ وظائف كثيرة، وأنه دخل البيوت والمدارس والإدارات والأسواق متخفيًا بأسماء النظام والعرف والهيبة والتقاليد. وفي هذه المحكمة العجائبية لا يصدر الحكم بالسجن أو الغرامة، لأن الزمن أخذ المتهمين والشهود إلى جهات لا نعرفها، وإنما يصدر حكم أشد بقاءً: أن يُعاد تعريف الجريمة أمام الأجيال، وأن يُعلن أن الإهانة التي تبدو صغيرة في عين صاحبها قد تكون بحجم حياة كاملة في ذاكرة من تعرض لها. فليس من حق أحد أن يقول إن الأمر لا يعدو تغيير اسم، لأن الاسم الذي يتغير بفعل المحبة ليس كالاسم الذي يتغير بفعل الازدراء، ولأن الجرح لا يقاس بطول الأداة التي أحدثته. قد يقتل السيف جسدًا، لكن كلمة واحدة تستطيع أن تبقى في عائلة أجيالًا، لا لأنها أقوى من الموت، بل لأنها تضع الإنسان أمام سؤال موجع: لماذا وجد شخص آخر أن ضعفي سبب كافٍ لإهانتي؟ ومن هنا تستمد فاطمة حضورها الأدبي والأخلاقي، لا من سيرة عظيمة نضيفها إليها، ولا من إنجازات نخترعها لتعويض حرمانها، وإنما من بساطة حقها الذي انتُهك. ليست مطالبة بأن تصبح شاعرة أو عالمة أو بطلة لكي نستعيد اسمها، وليست بحاجة إلى أن نثبت أنها تفوقت على المختار في شيء حتى ندين فعله. إن كرامة الطفل لا تنتظر إنجازه، وحق اليتيم لا يحتاج إلى بطولة، والإنسان لا يستحق اسمه لأنه صنع مجدًا، بل لأنه إنسان. وهذه الحقيقة هي التي تجعل الواقعة أشد فظاعة من حكايات الظلم التي تنتهي بانتصار المظلوم بعد سنوات؛ لأن العدالة هنا لا ينبغي أن تكون مشروطة بما ستصبح عليه فاطمة، بل بما كانت عليه في تلك اللحظة: طفلة جاءت أمها لتسجل اسمها، فوجدت رجلًا يعاقبها على مصيبة موت أبيها. وحين تبلغ المحاكمة نهايتها، تكتشف العدالة أن المختار لم يسرق من الطفلة اسمًا فحسب، بل حاول أن يجعلها تتلقى درسًا مبكرًا في ترتيب البشر: هناك من يولدون بأسماء كاملة، وهناك من يطلب منهم المجتمع أن يرضوا بالأسماء التي يتركها لهم الأقوياء. لكن الحكاية نفسها تنقلب عليه، لأن الاسم الذي أراد تصغيره أصبح، بفعل الذاكرة، أكبر من صاحبه، ولأن فطيم التي أرادها علامة على الهوان أصبحت شاهدًا على هوان فعله. وهكذا تنقلب وظيفة الدفتر بعد عقود: كان أداة لتثبيت ما قرره المختار، فإذا بالحكاية التي خرجت منه تصبح أداة لمحاكمته. لقد امتلك الرجل القلم يومًا، لكنه لم يمتلك الرواية إلى الأبد، وامتلك القدرة على تغيير الاسم في الورق، لكنه لم يمتلك القدرة على منع الأجيال من السؤال عن حقه في ذلك. تلك هي المفارقة الأخيرة التي يصنعها الأدب حين ينحاز إلى المنسيين: إنه لا يعيد الزمن، ولا يبعث الموتى، ولا يمحو الحبر القديم، لكنه يستطيع أن ينتزع من يد الظالم احتكار تفسير ما حدث، وأن يجعل الضحية مركز الحكاية بعد أن كانت هامشًا في دفتر.

والآن، بعد كل هذه السنوات، لنعد إلى ذلك الصباح. المختار واقف، والأرملة أمامه، والجنوب وراءها، والدفتر مفتوح، والقلم ينتظر، والطفلة الوسطى لا تعرف أن اسمها على وشك أن يُساق إلى المذبح. تسأل الدولة عن الاسم، فتقول الأم: فاطة. يزم المختار شفتيه، ويصطك على أسنانه، ويخرج من فمه ذلك المد الطويل الذي يشبه عويلًا مقلوبًا: فاااااااااطمة! ثم يقرر أنها لا تستحق سوى فطيم. لكن شيئًا يتغير هذه المرة في المشهد. لا يتغير الماضي، فهو لا يطيع أمنياتنا، وإنما تتغير العين التي تنظر إليه. لم نعد نرى رجلًا يختصر اسمًا، بل نرى عالمًا كاملًا يتواطأ، ولو بالصمت، على إقناع طفلة بأن خسارة أبيها تعني خسارة شيء من حقها في الوجود. ولم نعد نرى أرملة عاجزة أمام دفتر، بل نرى أمًا كانت وحدها تحمل اسم ابنتها في وجه سلطة لم تعرف كيف تحترم حزنها. ولم نعد نرى فطيم اسمًا ناقصًا، بل نرى فاطمة كاملة في إنسانيتها، مهما فعل الحبر، ومهما تقادم السجل، ومهما أصر المختار على أن اليتم ينقص من قيمة صاحبه. وفي المشهد الأخير، ينهض دفتر النفوس من نومه الطويل، وتتحرك صفحاته كما تتحرك أكفان الموتى حين يهب عليها هواء القيامة، ويخرج القلم من بين السطور، ويتقدم إلى الاسم القديم، كأنه يريد أن يصلح ما أفسده، لكن الألف المذبوحة لا تعود وحدها. إنها تقف على باب القرية، وخلفها طابور طويل من الأسماء التي جرحها الفقر، ومن الأطفال الذين أهينوا لأنهم بلا سند، ومن الأمهات اللواتي اضطررن إلى ابتلاع الصراخ كي لا يخسرن ما بقي لهن. وحين تمتد يد القلم لتكتب فاطمة من جديد، لا تطلب الألف الانتقام، ولا تطلب أن يُمحى اسم فطيم، فقد حملته طفلة بريئة ولم يكن فيه عيب، وإنما تطلب أن تُمحى من العالم تلك الفكرة التي جعلت رجلًا يظن أن اليتم ينقص حق الإنسان في اسمه. ثم يسود الصمت. صمت ثقيل حتى إن الماء يتوقف عن الجريان، والقصب يحبس خشخشته، والريح تنسى الطريق، والأرض كلها تنصت إلى سؤال واحد يتردد من بيت الأرملة إلى آخر حدود البلاد: ماذا كان سيخسر المختار لو كتب فاطمة؟ لا شيء. لا رغيفًا، ولا دينارًا، ولا منزلة، ولا ذرة من حبره الأسود. كان سيخسر فقط فرصة أن يكون لئيمًا. وهذا، على ما يبدو، كان أكثر مما يستطيع احتماله. لقد مات الأب مرة واحدة، أما المختار فقد أراد للبنت الفقيرة أن تظل يتيمة حتى في اسمها.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

فجر أحمر.. نهار ضبابي*
سرد

فجر أحمر.. نهار ضبابي - رواية في حلقات الحلقة الأولى

فجر أحمر.. نهار ضبابي* علي لفتة سعيد رواية لم يكنْ الفجرُ قد اكتمل بعد. كان الضوء ما يزال حائرًا بين سواد الليل وبياض الصباح، حين انتهى الناس من سحورهم في ذلك اليوم الرمضاني. أدّوا الصلاة، ثم تفرّقوا إلى فراشهم، كلٌّ منهم يسلّم جسده لنعاسٍ خفيفٍ قبل أن يبدأ يومٌ جديد. بدا العالم هادئًا على نحوٍ…

· 10 د
فجر أحمر.. نهار ضبابي
صدى الاغتيال
سرد

فجر أحمر.. نهار ضبابي- رواية في حلقات الحلقة الثانية - صدى الاغتيال

3- كان الفجر في ذلك اليوم ممتدًّا على غير عادته، طويلًا وصامتًا وقلقًا، لا يريد أن يسلّم ساعاته للصباح. فقد أشرقت الشمس على ذبول أشعّةٍ خاملة. الضوء يتسرّب ببطءٍ شديدٍ إلى الأزقّة والبيوت، لا يحمل صفاء الصباح المعتاد، بل شيئًا من الكآبة الثقيلة. حتى نهار اليوم الأوّل من الشهر الثالث بدا ملبّدًا…

· 9 د
عدالةُ السماء
سرد

عدالةُ السماء

() اياد خضير الليلُ بهيمٌ على وشك الانتهاء. الريحُ تركض في الطرقات. حمدان عائدٌ من المسلخ، يضع في حزامه العريض سكاكين القصابة. سمع صوتاً يستغيث. أسرع إليه. كانت الريح تدفعه إلى الوراء، تعيقه. عند وصوله تعثر، فوقعت إحدى سكاكينه على جسد الرجل الملقى. مسكها.. فشعر بلزوجة الدم في كفيه. في تلك اللحظة…

· 1 د