فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي اسْتَوَى فِيهَا العَمَاءُ الأَوَّلُ عَلَى عَرْشِ الهَبَاءِ، لَمْ يَنْبَجِسِ التَّارِيخُ عَنْ صَوْتِ رَعْدٍ أَوْ وَحْيٍ مُقَدَّسٍ، بَلْ عَنْ زَفْرَةٍ هَيُولِيَّةٍ خَاثِرَةٍ رَفَسَتْ فِي مَشِيمَةِ الوُجُودِ الأَزَلِيِّ؛ كَانَ الهَوَاءُ كُلُّهُ عِبَارَةً عَنْ غَيْمَةِ قَيْحٍ مُصْمَتَةٍ، لُجَّةٍ دَبِقَةٍ تَقْطُرُ مِنْهَا خَثَرَاتُ الصَّدِيدِ ، سَمَاءٌ ثَخِينَةٌ كَالمُرَارِ تَعْقِدُ لُعَابَهَا عَلَى الحَنَاجِرِ فَتُحِيلُ التَّنَفُّسَ إِلَى لُهَاثٍ مَعْدِنِيٍّ حَارِقٍ. فِي تِلْكَ البُقْعَةِ السَّحِيقَةِ مِنْ "أُورْ" المَطْمُورَةِ ، حَيْثُ تَمَازَجَتْ عِظَامُ الأَسْلاَفِ بِطِينِ الصَّلْصَالِ ، انْتَصَبَ الذُّبَابِ كَطَنِينٍ عَارِضٍ يُكَدِّرُ سَكِينَةَ الخَلِيقَةِ،و جَوْهَرٍ أَوْلِيٍّ، وجَبَرُوتٍ مُجَنَّحٍ قَبَضَ عَلَى مَفَاتِيحِ البَدْءِ؛ كَائِنَاتٌ طُوطَمِيَّةٌ كُسِيَتْ هَيَاكِلُهَا بِفِرَاءِ البَاذِنْجَانِ الأُرْجُوَانِيِّ القَاتِمِ، زَغَبٌ بَنَفْسَجِيٌّ لَزِجٌ كَالطُّحْلُبِ البَاطِنِيِّ يَمْتَصُّ شُحُوبَ الشَّمْسِ المَخْنُوقَةِ وَيَنْبِضُ بِشَهْوَةِ التَّحَلُّلِ الأَبَدِيِّ.
كَانَتِ المَدِينَةُ تَمُوجُ بِشُخُوصٍ مَمْسُوخَةِ التَّرْكِيبِ، خَلْقٌ تَشَكَّلَتْ كَيْنُونَتُهُمْ مِنْ تَقَاطُعِ العُبُودِيَّةِ العَمْيَاءِ بِآلِيَّاتِ الفَنَاءِ الصَّامِتَةِ؛ رُؤُوسُهُمْ مُنْحَنِيَةٌ بِزَوَايَا حَادَّةٍ قَاسِيَةٍ كَقَوَائِمِ صَرَّافٍ آلِيٍّ صَدِئٍ نُصِبَ فِي خَرَابٍ أَبَدِيٍّ، أَعْنَاقُهُمْ مَغْرُوزَةٌ جَبْراً فِي حُجُورِهِمْ تَنْتَظِرُ أَمْرَ القَبْضِ وَالسَّحْبِ، وَعُيُونُهُمْ لَيْسَتْ سِوَى شَاشَاتٍ بِلَّوْرِيَّةٍ مُتَصَدِّعَةٍ تَرْتَشِحُ مِنْ شُقُوقِهَا أَرْقَامٌ خَضْرَاءُ بَاهِتَةٌ، تَنْضَحُ بِحِسَابَاتِ الرَّصِيدِ المَفْقُودِ وَتَنْفُثُ قُصَاصَاتٍ مِنْ وَرَقِ الحِسَابِ المَعْجُونِ بِالدَّمِ وَالنُّتْنِ. يَمْشُونَ فِي حَرَكَاتٍ مِيكَانِيكِيَّةٍ رَتِيبَةٍ، يَحُكُّونَ جِبَاهَهُمُ المُسْتَطِيلَةَ بِجُدْرَانِ الآجُرِّ العَتِيقِ، يَلْغُونَ فِي نُهَامٍ مُتَبَلِّدٍ كَأَنَّمَا تَمَاهَتْ أَرْوَاحُهُمْ مَعَ ضَغْطِ الأَزْرَارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي تَبْتَلِعُ أَعْمَارَهُمْ قِطْعَةً قِطْعَةً، مُرَدِّدِينَ طَلاَسِمَ الصَّمْتِ فِي مَمْلَكَةٍ أَسَّسَتْ شَرَائِعَهَا عَلَى سُقُوطِ العَقْلِ فِي حُفْرَةِ الرَّجِيعِ.
فِي قَلْبِ هَذَا المَحْشَرِ الغَائِطِ، ارْتَفَعَتْ سُدَّةُ الحُكْمِ حَيْثُ تَرَبَّعَتِ الذُّبَابَةُ العُظْمَى؛ أُنْثَى هَائِلَةُ التَّكْوِينِ، انْتَفَخَ ظِلُّهَا عَلَى الجِدَارِ الطِّينِيِّ العَتِيقِ كَبْلُوكَرٍ رَقَمِيٍّ عِمْلاَقٍ، جِدَارٌ مِنْ عَامِيَةِ السَّوَادِ المَمْدُودِ الَّذِي يَحْجِبُ المَدَى وَيَمْنَعُ تَدَفُّقَ أَيِّ رُؤْيَا خَارِجِيَّةٍ عَبْرَ الأُفُقِ المَنْكُوبِ. جَسَدُهَا المُلَبَّسُ بِفَرْوِ البَاذِنْجَانِ الرَّطْبِ يَمُوجُ بِتَمَوُّجَاتِ الحِقْدِ البَاطِنِيِّ، وَقَدْ حَشَرَتْ بَيْنَ طَيَّاتِ أَجْنِحَتِهَا الغِشَائِيَّةِ الكَبِيرَةِ كُتَلاً ضَخْمَةً مِنَ الإِسْفَنْجِ البَحْرِيِّ النَّاخِرِ؛ إِسْفَنْجٌ قَدِيمٌ تَشَرَّبَ جَمِيعَ أَوْبِئَةِ الرَّافِدَيْنِ، يَمْتَصُّ قَيْحَ السَّمَاءِ كُلَّمَا ثَقُلَتِ الغَيْمَةُ، ثُمَّ تَعْتَصِرُهُ بِتَشَنُّجَاتٍ دَوْرِيَّةٍ لِيَنْهَمِرَ رَذَاذاً كِبْرِيتِيّاً يُحْرِقُ عُيُونَ المُتَطَلِّعِينَ نَحْوَ الأَعْلَى. كَانَتْ تُمِيلُ خُرْطُومَهَا الجَوْفِيَّ لِتَفْتَحَ كُوَّةَ العَفَنِ، مُرْسِلَةً ذَبْذَبَاتٍ تَقْهَرُ الإِرَادَاتِ: «إِنَّمَا البَقَاءُ لِمَنْ تَخَثَّرَ، وَإِنَّمَا الحِكْمَةُ فِي أَنْ تَرْتَضِعَ الرِّمَّةَ حَتَّى تَصِيرَ رِمَّةً".
وَعَلَى مَدَارِجِ العَرْشِ المَطْلِيِّ بِالدَّرَنِ، كَانَ يَتَلَوَّى "ضَابِطُ الذُّبَابِ"؛ مَسْخٌ انْسَلَخَ مِنْ بَشَرِيَّتِهِ كَمَا تَنْسَلِخُ الجِلْدَةُ عَنِ الجُرْحِ القَدِيمِ، مُتَعَرِّياً كُلِّيَّةً مِنْ قِيَمِهِ المِهْنِيَّةِ وَشَرَفِهِ الوَظِيفِيِّ، قَدْ جَدَعَ أَنْفَهُ وَأَلْقَى نَيَاشِينَ الشَّرَفِ المَزْعُومَةِ فِي مَبْطَحِ الغَائِطِ، وَكَسَرَ صَوْلَجَانَ القَانُونِ تَحْتَ قَوَائِمِهِ الشَّوْكِيَّةِ السِّتِّ. كَانَ يَتَمَرَّغُ فِي طِينِ المَمَرَّاتِ، جِلْدُهُ مُتَقَرِّحٌ تَبْرُزُ مِنْهُ ثَآلِيلُ بَاذِنْجَانِيَّةٌ نَاتِئَةٌ، شَاهِراً هَرَاوَةً مِنْ عَظْمِ سَاقٍ عَتِيقَةٍ، يَنْهَالُ بِهَا عَلَى أَصْحَابِ الرُّؤُوسِ المُنْحَنِيَةِ، يَنْتَزِعُ قُصَاصَاتِهِمْ وَيَلْغُو فِي دِمَائِهِمْ، هَاتِفاً بِفَحِيحٍ مُنْتِنٍ:
«أَنَا النِّظَامُ العَارِي الَّذِي لاَ يَسْتَحِي! أَنَا صَوْتُ البَسْطَارِ بَعْدَ أَنْ تَفَسَّخَ فِي جِيفَةِ التَّارِيخِ! كُلُّ مَنْ تُرَاوِدُهُ نَبْضَةُ كَرَامَةٍ سَنَحْشُو جَوْفَهُ بِإِسْفَنْجِ السَّيِّدَةِ لِيَمُوتَ غَرَقاً فِي الصَّدِيدِ".
وَفِيمَا كَانَتِ المَدِينَةُ تَرْكَعُ تَحْتَ هَذَا الوَقْعِ الكَابُوسِيِّ، حَيْثُ اسْتَقَرَّ فِي الأَذْهَانِ أَنَّ العَفَنَ هُوَ القَدَرُ المَحْتُومُ وَأَنَّ الذُّبَابَ هُوَ خَاتِمُ الآلِهَةِ، تَشَقَّقَتْ غَيْمَةُ القَيْحِ فِي أَعْلَى السَّمَاءِ عَنْ حَادِثٍ جَلَلٍ كَسَرَ قَانُونَ الدَّنَسِ:
"انْبَثَقَتْ فَرَاشَةٌ"!.
لَمْ تَكُنْ فَرَاشَةً حَقِيقِيَّةً تَبْتَغِي رَحِيقَ الزُّهُورِ، فَالزَّهْرُ مَاتَ قَبْلَ وِلاَدَةِ الحَرْفِ الأَوَّلِ، بَلْ كَانَتْ كِيَاناً مِيتَافِيزِيقِيّاً مُفَارِقاً، هَيْكَلاً مِنْ بِلَّوْرٍ صِرْفٍ قُدَّ مِنْ نُورِ الصَّحْوِ الأَزَلِيِّ قَبْلَ أَنْ يَتَسَمَّمَ المَاءُ بِالخَطِيئَةِ. كَانَتْ أَجْنِحَتُهَا تَشِفُّ عَنْ بَيَاضٍ كَاوٍ، بَيَاضٍ سَاطِعٍ كَسِكِّينٍ يَشُقُّ رَتْقَ السَّوَادِ البَاذِنْجَانِيِّ وَيَفْضَحُ تَجَاعِيدَ الخِزْيِ العَالِقَةِ بِأَجْسَادِ الحُكَّامِ. كَانَتْ تُرَفْرِفُ بِإِيقَاعٍ مُتَرَفِّعٍ صَامِتٍ، تَحُطُّ فَوْقَ رُؤُوسِ الصَّرَّافِ الآلِيِّ، فَتَنْفَجِرُ شَاشَاتُهَا بِوَمِيضٍ خَاطِفٍ يَمْحُو الأَرْقَامَ الخَضْرَاءَ وَيُعِيدُ إِلَى جَمَاجِمِهِمُ المَعْدَنِيَّةِ لَذْعَةَ الأَلَمِ البَشَرِيِّ المَفْقُودِ، وَكَأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ مِنْ جَنَاحَيْهَا تَفْتَحُ فِي جِدَارِ القَيْحِ مَنْفَذاً نَحْوَ سَمَاءٍ لَمْ تَتَدَنَّسْ بَعْدُ.
اسْتَشَاطَتِ الذُّبَابَةُ العُظْمَى ذُعْراً، وَاهْتَزَّ فَرْوُهَا البَاذِنْجَانِيُّ اهْتِزَازاً جَنَائِزِيّاً شَنِيعاً؛ نَفَخَتْ ظِلَّهَا حَتَّى صَارَ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ كَبْلُوكَرٍ يَحْجِبُ نِصْفَ الأَرْضِ، وَرَاحَتْ تَعْصِرُ أَجْنِحَتَهَا عَصْراً مَحْمُوماً لِتَقْذِفَ مَا فِي الإِسْفَنْجِ مِنْ عَفَنٍ وَدِمَاءٍ صَوْبَ الفَرَاشَةِ، صَارِخَةً:
«أَهْلِكُوا هَذَا الشُّعَاعَ المَلْعُونَ! إِنَّهُ يُفْسِدُ طَهَارَةَ طِينِنَا! مَزِّقُوا أَجْنِحَةَ البَيَاضِ قَبْلَ أَنْ يَرَى العَبِيدُ حَقِيقَةَ عُرْيِنَا".
وَانْدَفَعَ ضَابِطُ الذُّبَابِ كَالكَلْبِ العَقُورِ، يُمَزِّقُ لَحْمَهُ بِمَخَالِبِهِ، قَاذِفاً قِطَعاً مِنْ أَحْشَائِهِ نَحْوَ الفَضَاءِ لِتَلْوِيثِ النُّورِ، وَهُوَ يَعْوِي فِي جُمُوعِ ذَوِي الرُّؤُوسِ المُنْحَنِيَةِ:
«انْطَحُوهَا بِشَاشَاتِكُمْ! سَمِّرُوا أَرْقَامَكُمْ فِي صَدْرِهَا! لاَ تَدَعُوا البَهَاءَ يَهْدِمُ مَمْلَكَةَ الرَّجِيعِ!».
تَحَرَّكَتِ الكُتْلَةُ المَمْسُوخَةُ كَطَوْفَانٍ مِنْ حَدِيدٍ وَلَحْمٍ مَيْتٍ؛ رَاحَتِ الرُّؤُوسُ الصُّنْدُوقِيَّةُ تَنْطَحُ الهَوَاءَ بِعُنْفٍ أَعْمَى، تَبْصُقُ شَرَائِطَ الحِسَابَاتِ المَصْبُوغَةِ بِالصَّدِيدِ، سَاعِيَةً إِلَى تَطْوِيقِ الفَرَاشَةِ وَخَنْقِهَا فِي فَرَاغِ الهَنْدَسَةِ الرَّقَمِيَّةِ المَيْتَةِ.
كَانَتِ الفَرَاشَةُ تَهْبِطُ كَالصَّاعِقَةِ النَّاعِمَةِ، تَمُرُّ بَيْنَ خَرَاطِيمِ الذُّبَابِ وَأَسْيَافِ الضَّابِطِ دُونَ أَنْ تَعْلَقَ بِهَا نُقْطَةُ قَيْحٍ وَاحِدَةٍ؛ كَانَ لَمَعَانُهَا يَحْرِقُ زَغَبَ البَاذِنْجَانِ فَيُحِيلُهُ إِلَى رَمَادٍ يَتَطَايَرُ فِي عُيُونِ الكَهَنَةِ، وَكُلَّمَا حَاوَلَتِ الذُّبَابَةُ النَّافِخَةُ أَنْ تُطْبِقَ عَلَيْهَا بِظِلِّهَا العِمْلاَقِ، انْشَقَّ الظِّلُّ إِلَى مِرْآةٍ مَكْسُورَةٍ عَكَسَتْ بَشَاعَةَ القَصْرِ فَتَهَاوَتْ أَرْكَانُهُ الطِّينِيَّةُ. تَشَنَّجَ الإِسْفَنْجُ بَيْنَ أَجْنِحَةِ الحَاكِمَةِ تَشَنُّجَ المَوْتِ الأَخِيرِ، فَانْفَجَرَتْ مَسَامُّهُ عَنْ طُوفَانٍ مِنْ سَوَادٍ لَزِجٍ غَمَرَ الضَّابِطَ العَارِيَ حَتَّى ابْتَلَعَ صُرَاخَهُ، وَتَهَاوَتْ رُؤُوسُ الصَّرَّافِ الآلِيِّ تَتَحَطَّمُ عَلَى بَعْضِهَا فِي ارْتِطَامٍ مَعْدَنِيٍّ أَسْكَتَ لَغَطَ الأَرْقَامِ.
وَهُنَاكَ، حَيْثُ انْفَجَرَتِ المَلْحَمَةُ عَنْ هَاوِيَةٍ سَاحِقَةٍ، كُنْتُ أَنَا المُمَدَّدَ فِي قَاعِ الوَحْلِ. لَمْ أَكُنْ شَاهِداً بَلْ كُنْتُ المَسْرَحَ وَالقَتِيلَ مَعاً. كَانَتْ أَنْفَاسِي قَدِ انْقَطَعَتْ، وَتَخَثَّرَتْ عُرُوقِي تَحْتَ قِشْرَةِ الطِّينِ البَابِلِيِّ، مُسْتَحِيلاً إِلَى جِيفَةٍ آدَمِيَّةٍ بَارِدَةٍ بَدَأَتْ مَرَاسِيمَ انْفِصَالِهَا عَنْ دَوْرَةِ الدَّمِ. لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ يَدَيْنِ لِأَدْفَعَ عَنِّي الهَوَامَّ، وَلاَ لِسَاناً رَطْباً لِيَصْرُخَ، لَكِنَّ وَعْيِي كَانَ طَافِياً فَوْقَ جَسَدِي كَبُخَارٍ مُعَلَّقٍ فِي غَيْمَةِ القَيْحِ، يَرَى وَيَسْمَعُ دَبِيبَ المَوْتِ وَهُوَ يَتَجَزَّأُ إِلَى مَلاَيِينِ الأَرْجُلِ المَفْصِلِيَّةِ.
تَجَمَّعَ الذُّبَابُ عَلَيَّ. لَمْ يَكُنْ تَرَامِياً غَرِيزِيّاً كَمَا تَتَسَاقَطُ الحَشَرَاتُ عَلَى سَقَطِ المَتَاعِ، بَلْ كَانَ نُزُولاً مَوْكِبِيّاً لِسَفَرَةِ العَدَمِ. كَانَتْ كُلُّ ذُبَابَةٍ تَرْتَدِي كِسَاءَهَا مِنْ فَرْوِ البَاذِنْجَانِ الأُرْجُوَانِيِّ، تَحُطُّ عَلَى مَسَامِّي المَفْتُوحَةِ كَفَلاَسِفَةٍ يَحْتَلُّونَ أَرْصِفَةَ مَدِينَةٍ مَهْزُومَةٍ. غَطَّوْا مُقْلَتَيَّ الزُّجَاجِيَّتَيْنِ، حَشَوْا فَمِي الشَّاحِبَ، وَوَقَفَتْ إِحْدَاهُنَّ عَلَى أَرْنَبَةِ أَنْفِي، كَانَتْ عُيُونُهَا المُرَكَّبَةُ تَكْسِرُ صُورَتِي المَيْتَةَ إِلَى آلاَفِ الزَّوَايَا المَشْوُوهَةِ.
فِي ذَلِكَ السُّكُونِ التَّامِّ الَّذِي لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ مَنْ تَوَقَّفَ قَلْبُهُ، انْفَتَحَ بَيْنَنَا مَمَرٌّ صَوْتِيٌّ بَاطِنِيٌّ؛ حِوَارٌ لاَ تَلْفِظُهُ الشِّفَاهُ المَيْتَةُ، بَلْ تَتَبَادَلُهُ ذَرَّاتُ اللَّحْمِ المُتَفَسِّخِ مَعَ طَنِينِ الذَّوَاتِ المُنْتَشِيَةِ.
قُلْتُ لَهَا، وَأَنَا أَتَأَمَّلُ ثِقَلَهَا الرَّابِضَ عَلَى شَفَتِي السُّفْلَى:
أَيَّتُهَا السَّلاَلَةُ المَشْؤُومَةُ، أَلَمْ يَكْفِكِ أَنَّكِ حَوَّلْتِ المَدِينَةَ إِلَى غَيْمَةِ قَيْحٍ، وَجَعَلْتِ الرُّؤُوسَ مَحْضَ صَرَّافَاتٍ لِلْفَرَاغِ، حَتَّى جِئْتِ تَمْتَصِّينَ آخِرَ نُقْطَةِ مَعْنًى فِي هَذَا الجَسَدِ المُسْتَبَاحِ؟ أَمَا زَالَ لَدَيْكِ جُوعٌ لِمَا تَبَقَّى مِنْ هَذَا التُّرَابِ؟
فَمَالَتِ الذُّبَابَةُ الجَالِسَةُ عَلَى أَنْفِي، وَفَرَّكَتْ قَوَائِمَهَا الأَمَامِيَّةَ بِبُطْءٍ طَقْسِيٍّ كَاهِنِيٍّ، وَانْبَعَثَ مِنْهَا صَوْتٌ يُشْبِهُ حَفِيفَ الوَرَقِ اليَابِسِ فِي مَقْبَرَةٍ نَائِيَةٍ:
يَا هَذَا الرَّاكِدُ فِي بَرَاءَتِهِ المَزْعُومَةِ، أَنْتُمْ تُسَمُّونَنَا رِجْساً لِأَنَّنَا مِرْآتُكُمْ الَّتِي خَلَعَتْ حِجَابَ الغُرُورِ. أَنْتَ الآنَ لَسْتَ فِكْرَةً، لَسْتَ قَصِيدَةً، وَلَسْتَ مَشْرُوعاً تَارِيخِيّاً؛ أَنْتَ مَحْضُ مَادَّةٍ رَدَدْنَاهَا إِلَى سِيَاقِهَا البِدَائِيِّ. نَحْنُ لاَ نَمْتَصُّ مَعْنَاكَ، بَلْ نُحَرِّرُكَ مِنْ عِبْءِ التَّعَالِي. أَلَسْنَا نَحْنُ مَنْ نُعِيدُ هَنْدَسَةَ الخَلِيقَةِ حِينَ تَعْجِزُ نُصُوصُكُمْ عَنْ حِمَايَةِ الجِلْدِ مِنَ البِلَى؟
قُلْتُ، وَأَنَا أُحِسُّ بِخَرَاطِيمِهَا تَتَحَسَّسُ طَرَاوَةَ لِسَانِي العَاجِزِ:
تَتَحَدَّثِينَ عَنِ التَّحْرِيرِ وَأَنْتُمْ حُشُودُ عَمَاءٍ؟ إِنَّكُمْ لاَ تَبْنُونَ، بَلْ تَنْفُخُونَ الظِّلاَلَ كَبْلُوكَرَاتٍ تَمْنَعُ الفَرَاشَةَ مِنَ العُبُورِ. لَقَدْ حَارَبْتُمُ الضَّوْءَ لِأَنَّكُمُ ابْتِلاَءُ العَفَنِ، تَخَافُونَ البَيَاضَ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ سَوْأَةَ فَرْوِكُمُ البَاذِنْجَانِيِّ الَّذِي اسْتَعَرْتُمُوهُ لِتَسْتُرُوا بِهِ قُبْحَ الوَحشِ.
فَتَحَرَّكَتْ ذُبَابَةٌ أُخْرَى كَانَتْ غَائِصَةً فِي مَحْجَرِ عَيْنِي اليُمْنَى، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ بَارِدَةٍ كَالصَّلْدِ:
الفَرَاشَةُ الَّتِي تَبْكِي عَلَيْهَا هِيَ وَهْمُ الخَلاَصِ الَّذِي ضَيَّعَكُمْ لِآلاَفِ السَّنِينَ. الفَرَاشَةُ أُكْذُوبَةُ التَّعَالِي الأَثِيرِيِّ، تَمُرُّ وَتَتْرُكُكُمْ لِلْجُوعِ وَالتَّهَالُكِ. أَمَّا نَحْنُ، فَنَحْنُ الحَقِيقَةُ الأَرْضِيَّةُ الوَحِيدَةُ؛ نَحْنُ الأَمَانَةُ المِيتَافِيزِيقِيَّةُ لِلْفَنَاءِ. هَلْ رَأَيْتَ حَضَارَةً لَمْ نَكُنْ نَحْنُ خَاتِمَتَهَا؟ بَابِلُ، نِينَوَى، أُورُوكُ... كُلُّهَا صَارَتْ وَلاَئِمَ تَحْتَ أَجْنِحَتِنَا. أَنْتُمْ تَبْنُونَ الهَيَاكِلَ لِتُقَاوِمُوا الحَتْمَ، وَنَحْنُ نَنْتَظِرُكُمْ فِي نِهَايَةِ المَمَرِّ، مُدَثَّرِينَ بِفَرْوِ بَاذِنْجَانِنَا الَّذِي تَهْزَأُ بِهِ، لِنُعِيدَ تَدْوِيرَ عَظَمَتِكُمْ إِلَى رَمَادٍ يَقْبَلُهُ التُّرَابُ. مَنْ مِنَّا الأَصْدَقُ: الفَرَاشَةُ الَّتِي تُحَلِّقُ بَعِيداً عَنْ عَذَابِكَ، أَمِ الذُّبَابُ الَّذِي يُعَانِقُ رِمَّتَكَ حَتَّى التَّلاَشِي؟
أَجَبْتُهَا، وَالخَدَرُ النِّهَائِيُّ يَتَسَرَّبُ إِلَى مَا تَبَقَّى مِنْ خَلاَيَا الإِدْرَاكِ:
الأَصْدَقُ هُوَ مَنْ يَمْنَحُ الشَّوْقَ لاَ مَنْ يَفْرِضُ التَّحَلُّلَ. أَنْتُمْ لَسْتُمْ قَدَراً، أَنْتُمْ غِيَابُ الإِرَادَةِ حِينَ يَرْضَى البَشَرُ بِأَنْ تَكُونَ رُؤُوسُهُمْ صَرَّافَاتٍ مَعْدَنِيَّةً تُسَاقُ بِعَصَا الضَّابِطِ العَارِي. لَوْ لَمْ تَكُنِ الفَرَاشَةُ حَقّاً، لَمَا ارْتَعَدَتْ ذُبَابَتُكُمُ العُظْمَى وَلَمَا حَشَرَتْ إِسْفَنْجَهَا كَيْ تَحْتَبِسَ القَيْحَ! خَوْفُكُمْ مِنَ البَيَاضِ هُوَ دَلِيلُ هَشَاشَتِكُمْ؛ فَأَنْتُمْ سَلاَطِينُ الرَّجِيعِ، لَكِنَّكُمْ خَدَمٌ فِي بَلاَطِ اللَّحْظَةِ الأُولَى الَّتِي تُشْرِقُ فِيهَا الشَّمْسُ!.
ضَحِكَتِ الجُمُوعُ المُجَنَّحَةُ فَوْقَ جَبِينِي طَنِيناً هَائِلاً ارْتَجَّ لَهُ صَدْرِي المُنْخَمِدُ، وَقَالَتِ الذُّبَابَةُ الكُبْرَى قَبْلَ أَنْ تَغْرِزَ خُرْطُومَهَا لِتَشْرَبَ آخِرَ دَمْعَةٍ جَفَّتْ عَلَى خَدِّي:
فَلْيَكُنْ كَمَا تَقُولُ أَيُّهَا الرَّافِلُ فِي هَذَيَانِ المَوْتَى؛ أَنْتَ تَمْلِكُ المَجَازَ، وَنَحْنُ نَمْلِكُ الجُثْمَانَ. انْتَظِرْ فَرَاشَتَكَ فِي عَدَمِكَ البِلَّوْرِيِّ، أَمَّا نَحْنُ، فَلَنَا هَذِهِ الأَرْضُ، نَفْتَحُ فِيهَا حِسَابَاتِنَا، وَنُتَوِّجُ عَلَيْهَا ضُبَّاطَنَا العُرَاةَ، وَنَبْنِي مِنْ قَيْحِكُمْ مَمَالِكَ لاَ تَزُولُ حَتَّى يَفْنَى الطِّينُ!.
تَلاَشَى صَوْتُهَا رُوَيْداً رُوَيْداً، كَمَا يَتَلاَشَى آخِرُ خَيْطِ ضَوْءٍ فِي لَيْلٍ أَعْمَى. أَحْسَسْتُ بِجَسَدِي يَتَبَدَّدُ، يَتَفَتَّتُ إِلَى جُزَيْئَاتٍ صَغِيرَةٍ تَتَوَزَّعُ بَيْنَ خَرَاطِيمِهِمْ الشَّرِهَةِ، صَائِراً جُزْءاً مِنْ تِلْكَ الغَيْمَةِ، وَلَكِنْ، فِي أَعْمَاقِ ذَاكَ الفَنَاءِ التَّامِّ، كَانَتْ هُنَاكَ لَمْعَةٌ بِلَّوْرِيَّةٌ عَصِيَّةٌ عَلَى الهَضْمِ؛ بَقِيَّةٌ مِنْ جَنَاحِ فَرَاشَةٍ تَأْبَى أَنْ تَسْتَحِيلَ إِلَى قَيْحٍ، رَافِضَةً أَنْ تَرْكَعَ لِسَدَنَةِ الرَّجِيعِ، حَتَّى وَإِنِ اسْتَوْلَى الذُّبَابُ عَلَى سُدَّةِ الحُكْمِ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.







التعليقات