انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حارثة الشرُّ :امرأةٌ مصنوعةٌ من غباءٍ وطين

قصة ميتاسريالية

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

6 دقائق للقراءة
20 مشاهدة
حارثة الشرُّ :امرأةٌ مصنوعةٌ من غباءٍ وطين
مشاركة:

في مدينةٍ قديمةٍ تدّعي أنها من بقايا آثار بابل، وتتفاخر بأنها لا تعترف بالزمن إلا حين تشتهي ذلك، عاشت امرأةٌ تُدعى "حارثة الشر". لم تكن حارثة عالمةً تفكك طلاسم الكون، ولا حكيمةً تزن الكلمات قبل نطقها، ولا حتى ذكيةً بما يكفي لتفهم صدى ما تتفوه به. بل كانت تمتلك شيئاً واحداً نادراً؛ غباءً أصيلاً يلمع كأنه أسطورةٌ مقدسة.

وكلما حاول أحدٌ إيقافها عن ثرثرتها المتعالمة، تدفق الكلام من فمها على هيئة تصريحاتٍ "فلسفية" سخيفة، كأنها تقتبس من العدم معنىً عميقاً لا يدركه سواها. كانت تربيتها الفوضوية تعمل عملها في صياغة شخصيتها؛ فلا تعليمٌ يقوّمها، ولا تهذيبٌ يردعها، ولا ضميرٌ يحاسبها. فقط قواعد ثابتة ومشوّهة، تعلمتها بالسرعة ذاتها التي تتعلم بها الحشرات العمياء الاندفاع نحو مصدر الضوء لكي تحترق: إذا سقطت حجتك، بادري باتهام غيرك. وإذا جهلتِ الحقيقة، ادّعي بصوتٍ عالٍ أنكِ في خضم البحث عنها. وإذا حاصرتكِ أسئلةُ العارفين، ابدأي في سرد حكايةٍ أكبر من حجم فمكِ وعقلك.

كبرت حارثة الشر وهي تضمر حقداً دفيناً لفكرة أن أحداً في هذا العالم قد يكون أكثر منها علماً. لذا، قررت أن تصنع لنفسها مجداً خاصاً، مجداً لا يقوم على قراءة المجلدات أو سهر الليالي في التأمل، بل مجداً يقوم على "الاكتشاف الجريء". وقالت ذات يوم، بينما كانت تلوّح بذقنٍ خيالي متعالٍ في الهواء، إنها ستثبت للعالم أجمع أن الشياطين حقيقية، وأن الجن يطيعون من يملك الجرأة لترويضهم... حتى لو كانت تلك الجرأة مجردةً من أي عقل!

لكن، أين تُختبر الجرأة في مدينةٍ تلتهم أبناءها؟ أين تُقاس "الحكمة" حين يصبح الجهل وساماً؟ وأين تُقام ولائم الغرور على أطلال الفهم البشري؟

بالطبع، ليس هناك مكانٌ أنسب من بئر بابل، عند أطلال معبد "ننماخ"... هناك حيث يلتقي الغباء بالطقوس القديمة.

في يومٍ رماديّ ثقيل، بدت فيه السماء وكأنها سقفٌ من الرصاص، عبرت حارثة طريقاً طويلاً موحشاً حتى وصلت إلى المعبد. كانت الحكايات الشعبية تهمس في الأزقة بأن بئراً هناك لا ينزل فيه أحدٌ باحثاً عن سرّ، دون أن تنزل معه عواقبه وخيمةً فوق رأسه.

وعندما اقتربت من حافة البئر، لاحظت نقشاً مسمارياً يحمل لعنةً قديمةً جداً، تُرجِمت كلماتها على صخرةٍ مجاورة:

"لا تحاول... لأنك إن حاولت، ستصبح أنت القصة، وستكون النكتة عليك".

طبعاً، لم تقرأ حارثة شيئاً من ذلك. هي لم تكن من نوع النساء اللواتي يتعلمن من تحذيرات الآخرين، بل من النوع الذي يفسّر أي إشارة توقفٍ حمراء على أنها دعوة صريحة لتحدٍ شخصيّ.

وقفت عند حافة البئر المظلم، وأنزلت في جوفه سلةً مليئة بالفوضى: بخور رخيص تنبعث منه رائحة الخديعة، طباشير غامق لا يصلح إلا لشخبطة الأطفال، وقطع قماشٍ بالية تشبه تعويذاتٍ لم تُكتب لتنجح، بل لتُخيف من يراها مصادفةً.

ثم صرخت بصوتٍ عالٍ شقّ صمت المعبد:

يا جن... يا عفاريت... يا أصدقاء الظلام! أنا هنا... سأثبت للعالم أنكم موجودون!"

فلم يجبها أحد.

في تلك اللحظة، ارتجف العالم قليلًا... ليس احتراماً لندائها، بل لأن البئر القديم قرر أن يضحك بطريقته الخاصة.

كانت الأسطورة تقول إن في بابل ظهر شخصان مرتبطان بالبئر: هاروت وماروت. لكن حارثة لم تفهم يوماً معنى كلمة "مرتبطين" سياقياً، هي فهمت فقط أنهما "ينزلان" إلى البئر. فقررت، بدون أي مبررٍ منطقي، أن تعيد إنتاج الأسطورة على مقاس جهلها.

بدأت تردد كلماتٍ لا علاقة لها بالطقوس السحرية، بل كانت أقرب إلى وصفةٍ عشوائية من كتاب طبخٍ رديء، جمعتها الريح من ألسنة العجائز:

"تكسّرْ... تُجمعْ... تُطيعْ... تُخيفْ... تتأكدْ وتكتب لي اعتذاراً، وتصبح الحقيقة عندي ملكاً يمينياً، لأنني أنا من طلبتها!"

ثم دفعت حجراً صغيراً داخل البئر.

ولأن البئر بارعٌ في صناعة المفاجآت، بدأ صوتٌ عميقٌ يعلو من القاع. لم يكن كأنه استدعاءٌ مهيب، بل كأنه إنذارٌ مبكر بوقوع كارثة فكرية. لكن حارثة، وبدلاً من أن تتأمل روعة المعنى أو عمق الأسطورة، رأت في الأمر فرصةً ذهبية لافتتاح عرضها المسرحيّ. نصّبت نفسها قاضيةً على العالم، واعتبرت أن أي ظهورٍ للظلام يعني بالضرورة أنها كانت على حق طوال الوقت. وكان ذلك خطأها المعرفي الأول!

ظهر شيءٌ في الظلام. لم يكن "شيطانًا" كما تتخيله حكايات العوام بملابسٍ مخيفة وقرونٍ مدببة، ولا "مَلكًا" كما تتخيله قصائد الشعراء بأجنحةٍ من نور. بل كان أقرب إلى "الفوضى" في مرحلة تعلمها النطق. اقتربت منها ألسنةٌ من دخانٍ كثيف، تشكّلت على هيئة علامات استفهام تلتف حول عنقها. كانت تفوح منها رائحة الكتب المحترقة والأسئلة التي لم يُجب عليها أحد. عيونٌ لا تُرى لكنها تُخترق الروح، وتمتماتٌ تُشبه الندم المؤجل

بدأت العفاريت تقودها بصرياً داخل حافة البئر، وتُظهر لها مشاهد مرعبة بطريقة بالغة السخافة، لتناسب مستوى تفكيرها. كلما اقتربت حارثة من قناعةٍ ما، انقلبت تلك القناعة إلى كاريكاتير مضحك: شبحٌ يكتب اسمها بخطٍ رديء ثم يمسحه ضاحكاً، ظلٌ يحمل مرآةً مشروخة ويقول لها: "هل هذه هي الحقيقة؟"، ثم يريها وجهها المشوه بالغرور كأنه درسٌ مؤجل.

وكلما حاولت حارثة أن تعطي للتجربة "معنى" فلسفياً لتنقذ ماء وجهها، اتضح أن "معناها" الوحيد هو أنها لا تفهم شيئاً على الإطلاق.

هنا، تمايزت من الدخان ثلاثة ظلال، كل ظلٍ يرتدي "هيبةً" مختلفة عن الآخر، وكأنهم يمثلون مدارس فلسفية ساخرة:

الأولى؛ عفريتة تضحك من غير سبب تمثل العبثية المطلقة.

والثاني؛ عفريت يتثاءب بملل، كأنه يمثل العدمية وجاء متأخراً من دوامٍ وظيفي لا طائل منه.

والثالث؛ عفريت يغمز بعينه اليمنى، يمثل الشك، كأنه يعرف كل شيء وما يريد أن يقوله.

نحن لا نخاف منكِ يا حارثة. نحن فقط نستمتع بالتأكد من أنكِ تظلمين نفسكِ ومكانتكِ بالنيّة الحسنة المغلفة بالغباء المطبق. أنتِ تبحثين عن يقينٍ مادي في عالمٍ لا مادي، وهذا بحد ذاته نكتة وجودية.

استمري أيتها الجريئة... لكن تذكري هذه القاعدة الأبدية: كل خطوةٍ منكِ في درب الجهل المزيّن بالغرور، تُترجم إلى درس. والدرسُ في هذه الليلة، لن يُكتب بمداد الحكمة، بل سيُكتب على شكل سخرية لاذعة

في تلك اللحظة، دوّى صوتٌ من قاع البئر، لم يكن صوت عفريت، بل كأنه صوت قارئ أخبارٍ محايد يتلو نشرة الكوارث:

الغباءُ الأسطوري يعشق الوقوف على خشبة المسرح، لكنه يرتعد رعباً من مواجهة الأسئلة.

تجمدت حارثة للحظة، تقلصت ملامحها، وبدأ الشك يتسرب إليها لأول مرة منذ بدأت رحلتها الوهمية. قالت بصوتٍ خافت يشبه الصفير، خالٍ من أي غطرسة:

"يعني... هل تقصدون أنني... أنا كنت المسرح؟ ولست المخرجة؟"

ابتسمت العفريتة الأولى ابتسامةً عريضة لم تُرى كاملةً في العتمة، وقالت بهمسٍ يخترق العظام:

لا تقلقي يا عزيزتي. المسرح الهزلي يسعدنا دائماً. لكنكِ للأسف، أخذتِ دوركِ على محمل الجد، ومثّلتِ دور العارفة بثقةٍ أكثر من اللازم، فنسيتِ النص.

ثم همست العفاريت الثلاثة بصوتٍ واحدٍ تردد صداه في أرجاء بابل:

"رُفعت الجلسة... تَمَّ الإثبات!"

وبلمح البصر، انطفأ الدخان، وتبددت الظلال. عاد الهواء بارداً وعادياً. ولم يبقَ في المكان إلا "حارثة الشر"، واقفةً وحيدةً عند حافة البئر، ترتجف من برد الحقيقة. فتحت كفها لتنظر إلى الحجر الصغير الذي كانت تمسكه وتظنه "برهاناً" قاطعاً على انتصارها، فإذا به يتحول إلى قصاصة ورق صغيرة، مكتوبٌ عليها بخطٍ كاريكاتيري سخيف يقطر سخرية:

"أنتِ جيدةٌ جداً في تقديم الطلب السيّئ... وكارثيةٌ في اختيار الجواب الصحيح!"

مشاركة:

آخر تحديث: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٠٧ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

على ضفاف الجراح
سرد

على ضفاف الجراح

على ضفاف الجراح إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف…

· 7 د
أنياب البنادق
سرد

أنياب البنادق

| قاص وأديب | عراقي تنفّس بعمق حين انسكب الضوء على وجهه في يومٍ مشمسٍ يوحي بدفءٍ طاغٍ. وقف أمامها، فلامست عيناه ثقبًا مجوَّفًا أسفل ذقنها. تألّم في داخله لرؤيتها بتلك الحال. استنطق الصمت، فتدحرجت الأجوبة كسيلٍ صخري تراكم في حفرة أحدثتها تجارب الزمان. همست له بعد صمتٍ طويل التفَّ على حنجرتها بصوتٍ…

· 2 د
ليلة جنب التوابيت
سرد

ليلة جنب التوابيت

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو. خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس…

· 2 د