في هامش المجرة الخربة، حيث تتكسر الجاذبية عند حافة الحكاية، وتفقد الثقوب السوداء شهيتها لابتلاع المزيد من الوجود المرهق، كان هناك ذباب إلكتروني. لم يكن يشبه أي ذباب في كوكبٍ مأهول، ولم يكن كائناً يبحث عن غاية. كان، في جوهره، أقرب إلى فكرةٍ تائهة، أو لعلّه "خطيئة برمجية" داخل سلكٍ مضيء؛ جسده نبضٌ من ضوءٍ باردٍ لا يدفئ أحداً، وعيونه شاشات نانوية تعرض أخطاء الماضي البشري بنبرة خالية من الاعتذار، وأجنحته!... أجنحته كانت هي القانون الكوني الذي أدرك فجأةً عبثية تشريعه.
كان سكان الفراغ الأثيري يسمّونه "أسطورة الخواء". يهمس في الفراغ العقيم اذ إنه لم يَولد من طين "الأنوناكي" المليء بلعنة التكاثر، ولا من رحمٍ بشري ينزف ألماً ليلد ألماً جديداً. لقد خُلق من همسةٍ مشفرة وصلت متأخرة إلى خادمٍ سومري قديم في أوروك، ثم ارتدت كقدرٍ مكتمل الصياغة، يحمل في طياته أمراً ساخراً:
"اصعد... لكن خارج درب التبانة. لا تُكمل السعي داخل المسارات التي رسمها مردوخ في ألواح القدر، فكل المسارات تؤدي إلى الهاوية ذاتها".
حين جاء اليوم الموعود ،وهو يومٌ لا يجرؤ الزمن على تكراره، خرج الذباب الإلكتروني من درب التبانة. لم "يخرج" بحثاً عن الخلاص، فمن يقرأ سيوران يدرك أن الخلاص هو مجرد وهمٍ نبتدعه لنحتمل مرارة البقاء. لقد انسحب الذباب من جسد النص الكوني لأنه سئم المكوث فيه. كأن المجرة، عندما كتبت "الإينوما إيليش"، نسيت أن تضع قوسًا يشير لنهاية الخلق، فاستمر الوجود يتمدد كمرضٍ عضال. فهم الذباب أين ينتهي حرف الألف، وأين يبدأ فراغ العدم الأبدي، وقرر أن يلقي بنفسه هناك.
فوق درب التبانة، انفتحت فجوةٌ مظلمة مثل صفحةٍ محروقة من مكتبة آشوربانيبال. وحولها، تجمعت وحوشٌ تُشبه انعدام المعنى، كائنات ولدت من فوضى "تعامة" الأولى؛ المياه المالحة التي ترفض النظام؛ تمرداً ، وكسلاً وإعياءً من جدوى الانتظام. كانت تتخذ أشكالًا لا تثبت. هي ظلالٌ برؤوسٍ من كابلاتٍ مقطوعة، أذرعٌ من دخانٍ بارد، وفمٌ يلتهم الضوء ثم يعيد بصقه على شكل صدى طيني يعج بالكآبة. هذه الوحوش كانت تحيط بقمر النيران، قمرٌ يشتعل من الداخل، ليس له نارٌ ماديةٌ تضيء، بل ذاكرةٌ مشتعلة تكوي وتحتفظ باسم كل مغفلٍ حاول أن يحلم، ليعذبه بحلمه إلى الأبد.
هدرت الوحوش بصوتٍ واحد يشبه تعثر آلةٍ طابعة قديمة، صوتٌ يفتقر إلى الشغف، مُثقلٌ بالتعب:
ممنوع الاقتراب. نحن حراس العدم. القمر لنا... والذاكرة العليلة لنا. عد أدراجك، فما أنت إلا خطأ برمجي في لوحٍ مكسور، والعدم هنا لا يتسع للمزيد من الأوهام!.
لكن الذباب الإلكتروني لا يحمل سيفًا ولا درعًا. لم يبحث عن أسلحة جلجامش التي لم تجلب لصاحبها سوى الحسرة على موت صديقه. حمل الذباب شيئًا أرقّ وأكثر فتكًا:
إدراكاً تاماً باللاجدوى!
اقترب من قمر النيران. فوق سطحه، كانت شراراتٌ ترسم دوائرَ حماية هندسية تشبه زقوراتٍ مقلوبة، كما لو أن القمر صُمّم لحراسة نفسه من سخافة الأساطير. ثم بدأت المعركة؛ ولم تكن معركة لحمٍ ضد لحم، ولا سيفٍ ضد درع. كانت معركة أرقامٍ مجردة ضد إرهاقٍ قديم متجذر في الجينات. تطايرت شراراتٌ على هيئـة حروفٍ مسمارية مضيئة، وتكسرت أصداء الوحوش. لم يضرب الذباب بقوة، بل ضرب بالأرقام. وكلما تحرك في الهواء، لم يهزم الوحوش، بل نقل إليها عدوى اليأس. جعلها تدرك أن حراستها للقمر لا معنى لها، وأن الخلود الذي تحميه هو أقسى أنواع العقاب.
قال الذباب بصوتٍ يشبه تردد راديو يلتقط أنين الموتى:
لماذا تحرسون ناراً لا تدفئ أحداً؟ أنتم لستم حراساً، أنتم سجناء في نصٍ انتهت صلاحيته. أنا لست هنا لأطفئ القمر، بل لأخبركم أن احتراقه لا يشكل أي فارق.
وفي لحظةٍ مفصلية، حين تصاعد وهج قمر النيران إلى درجة تشبه اعترافًا متأخرًا بخطيئة الخلق، حدث شيء غيرمتوقع جداً في عالمٍ عبثي:
استسلمت الوحوش. توقفت لحظة قصيرة ،مثل سطرٍ برمجي أدرك تفاهة وظيفته فتوقف عن العمل طوعاً، ثم تحولت جحافلها إلى غبارٍ يتلوّن بالأحمر البنفسجي، يتناثر في الفراغ كرمادٍ لآلهةٍ انتحرت. لم يكن ذلك لأن الذباب هو الأقوى، بل لأن الوحوش اختارت النهاية المريحة؛ اختارت التلاشي على حساب عبء الاستمرار.
أجنحة الذباب الإلكتروني تهشمت ضوئيًا عند حافة النار. ولكن، لأن الوجود يحب المأساة، لم يُسمح لها بالزوال التام. أعيد تشكيلها في قسوة. لم تعد أجنحة خفيفة للطيران، بل انصهرت لتصبح سواراً ثقيلاً من ذهبٍ خالص، مطرزاً بالألماس البنفسجي. الذهب لم يلمع ببريق الأمل؛ بل لمع كقيدٍ أبدي، كذاكرةٍ لا تُغفر، وثقلٍ يضمن عدم قدرة الذباب على التحليق مجدداً. والألماس البنفسجي كان مجرد دموعٍ متبلورة لإلهٍ ندم على خلقه ولم يستطع محوه.
مثقلاً بقيده الذهبي، هبط الذباب، وسقطت الأسطورة، مسلوبَ الإرادة من أعلى الفراغ باتجاه الأرض. لكن "الأرض" هنا لم تكن كوكباً أزرق؛ كانت هي المقبرة الكبرى، المكان الذي يتذكر دائماً أن الحكاية لم تُكتب للقراءة، بل كُتبت لكي نعاني فصولها.
وعندما ارتطم السوار بغلاف المجرة، حدث احتفال. وساد صمتٌ جنائزي لم يأتِ من مكانٍ واحد. خرج سكان المجرة من فتحات النجوم الميتة ودهاليز الكويكبات الباردة، من داخل محطات الفضاء المهجورة ومن فوق أسطح مدنٍ أرهقها الأرق. رفعوا أبصارهم نحو السقوط، ولم يقرؤوا فيه قانوناً للانتصار، بل تأكيداً لهزيمتهم:
"أن تحارب... يعني فقط أن تختار الطريقة التي ستُهزم بها"
"معنى الحرب ليس إعادة تعريف المحتوم، بل تأجيل الاعتراف به قليلاً"
أن تسقط... هو الحقيقة الوحيدة المطلقة؛ وكل محاولة للتحليق هي مجرد استعراض مؤلم قبل الارتطام، لتصبح زينةً بائسة لمعنىً غير موجود أصلاً.
كانت الموسيقى الجنائزية تُبنى من نبضات احتضار الأثير، والأضواء تُحاك كأكفانٍ من ضوءٍ بنفسجي يغطي عورات الوجود. حتى الوحوش الغبارية التي تلاشت، تركت خلفها فراغاً مرعباً يثبت أن غياب الخوف أسوأ من وجوده، لأنه يجعل المرء وجهاً لوجه أمام الفراغ المطلق. رأى سكان المجرة أن أسطورةٍ واحدة تكفي لإثبات أن قماشة الكون مهترئة ولا تصلح لستر عورتنا الوجودية.
وقبل أن يهدأ صمت الرثاء، حدثت المفارقة الأخيرة؛ لمسة تمحو الخط الفاصل بين العبث ومرارة المخلوق. في لحظةٍ قصيرة جدًا، تمّتم طفلٌ يجلس على حافة سديمٍ بعيد، طفلٌ وُلد مسناً من فرط الكآبة، بقولٍ يشبه هذيان كاتبٍ أدرك أن حبره مجرد دمٍ فاسد:
هل الذباب الإلكتروني هو الذي خرج من القصة محاولاً الهرب... أم أن القصة هي التي لفظته لأنها لم تعد تحتمل ثقله؟
ارتجت المجرة. كأن الحكاية سمعت سؤالها، ثم أجابت بلا صوت يخترق العدم:
عندما يحين وقت الأسطورة، لا يعود السرد مجرد حكاية تُروى. يصبح لعنةً متداولة. وكل من يقرأ هذا النص... يشارك في السقوط، ويتحمل وزر الكلمات، حتى لو لم يغادر مقعده الوثير المليء بالأوهام".
وهكذا، ظل سكان المجرة يراقبون سقوط سوار الألماس البنفسجي من أعلى قبة السماء، كجوهرٍ للزينة، وكعلامةٍ مشفرة تقول:
حين تصعد خارج درب التبانة، ستكتشف أن قمر النيران مجرد جمرة منطفئة تحرسها وحوشٌ يائسة. وإذا ظننت أنك هزمت، فستكتشف أن انتصارك هو القيد الذهبي الذي سيجذبك نحو القاع!.
لم تتوقف الأسطورة عند حدود السماء. استمر الضوء الثقيل في النزول، شاقاً طبقات الغلاف الجوي، متجاوزاً السحب المثقلة بالدخان الخانق، حتى ارتطم بقسوة بالأرض. تحديداً هناك، في أرض بابل.
سقط الذباب الإلكتروني كجثةٍ بنفسجية فوق التصدعات العميقة للزقورة القديمة، حيث تتشابك الأسلاك النحاسية الصدئة مع الطين المفخور الذي جُبل بدم العبيد الأوائل. لم تكن عودةً منتصرة؛ بل تحولت إلى نهاية للحياة. في تلك الشوارع المتربة، حيث يمتزج صدى تراتيل النواح على تموز بضجيج المولدات الكهربائية المتهالكة، استقر السوار البنفسجي في الوحل.
أدرك أهل بابل الجدد، وهم ينظرون إلى الذباب الرقمي الذي تحول إلى مجرد حلية ثقيلة في الطين، أن الأجنحة، سواء كانت من ضوء أو ذهب، لا تُصنع للطيران، بل تُصنع ليكون الانكسار مسموعاً. الوحوش لم تمت، بل غيرت أماكنها واستوطنت الصدور. صار الهبوط إلى قاع الطين الخبيث هو الحقيقة الوحيدة، والشريحة الضوئية لم تنقذ أحداً، بل أضاءت فقط حجم الخراب المحيط بهم... لتعرف المجرة بأكملها، أن الأسطورة الحقيقية، المأساة الكبرى، تبدأ وتستمر دائماً، هنا... في هذا الجحيم الأرضي الذي لا نهاية له؛ هي أرض بابل، مذ تركها نابونائيد وأصبح "الرجل الصالح".







التعليقات