صَاحِبُ العَيْنَيْنِ العَسَلِيَّتَيْنِ، وَالطُّولِ المَمْشُوقِ، وَالفِكْرِ الثَّاقِبِ... إِذَا تَكَلَّمَ جَعَلَكَ تَتَلَقَّفُ كَلِمَاتِهِ خَشْيَةَ أَنْ تَنْسَابَ مَعَ الهَوَاءِ فَلَا تَعُودَ.
هُوَ "أَحْمَدُ".
جَلَسَ "أَحْمَدُ" عَلَى تَلَّةٍ فِي صَحْرَاءَ تَمْتَدُّ عَلَى مَدِّ البَصَرِ. لَيْلُهَا يُشْعِرُكَ بِأَنَّهَا قَدْ خُلِقَتْ فِي دَيَاجِي الظُّلُمَاتِ. حَشَرَاتٌ صَغِيرَةٌ تَسِيرُ بِسُرْعَةٍ تَبْحَثُ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَعْرِفُهَا. مِنْ أَيْنَ أَتْت كُلُّ هَذِهِ؟ وَكَيْفَ تَعِيشُ؟ كُنْتُ أَتَسَاءَلُ قَبْلَ أَيَّامٍ... هَلْ مِنْ أَحَدٍ يَعِيشُ فِي تِلْكَ الصَّحْرَاءِ؟!
وَجَدْتُ الجَوَابَ فَزَادَنِي إِلْهَامًا: إِنَّهَا فِي عِنَايَةٍ كَمَا لَنَا عِنَايَةٌ إِلَهِيَّةٌ تَرْعَانَا. أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ تُدَغْدِغُ عَقْلَ "أَحْمَدَ".
أَجْوَاءُ اللَّيْلِ الحَالِكَةِ فِي وَسَطِ الصَّحْرَاءِ... هَوَاءٌ لَا يَكَادُ يُشْبِهُ هَوَاءَ المَدِينَةِ المَلِيءَ بِالنُّفَايَاتِ، وَرَائِحَةَ المَاءِ الرَّاكِدِ فِي المَنْهولَاتِ ذَاتِ الرَّائِحَةِ الكَرِيهَةِ.
هُنَا بَيْتُنَا... خَيْمَةٌ ذَاتُ شَعْرٍ أَسْوَدَ مُتَدَلِّي الأَطْرَافِ، هِيَ المَأْوَى الوَحِيدُ لِعَائِلَةِ "أَحْمَدَ" الكَبِيرَةِ.
جَلَسَ وَسَطَ هَذَا العُنْفُوَانِ مِنَ التَّفْكِيرِ، وَاضِعًا يَدَهُ بِيَدِ زَوْجَتِهِ، وَهُوَ يُعِيدُ تَرْتِيبَ أَفْكَارِهِ لِيَقُولَ لَهَا: "قَرَّرْتُ أَنْ أَبْنِيَ بَيْتًا مِنَ الحَجَرِ لِيَكُونَ مَمْلَكَتَنَا".
فَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَّا أَنْ انْتَشَرَتْ بَشَائِرُ الفَرَحِ عَلَى وَجْهِهَا، وَفَرِحَتْ كَثِيرًا.
الحُلْمُ وَاللَّيْلُ الَّذِي مَضَى حَمَلَ مَعَهُ المَشَاعِرَ الجَمِيلَةَ وَالأَحْلَامَ، فَأَدْرَكَهُ صِيَاحُ الصَّبَاحِ وَجَعَلَهُ فِي سَرَابِ الصَّحْرَاءِ وَصَمْتِهَا.
لَاحَ الصَّبَاحُ بِشَفَقِهِ الأَحْمَرِ، كَصَفْحَةٍ حَمْرَاءَ فِي الأُفُقِ مِنَ الشَّرْقِ... وَيَا لَهُ مِنْ شَرْقٍ! وَشَمْسٍ مُخِيفَةٍ رُبَّمَا لَا تَحْمِلُ الهُدُوءَ مَعَهَا.
يَرْفَعُ قَدَمَيْهِ بِصُعُوبَةٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يُظْهِرُ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ، بَلْ مَازَالَ بِعُنْفُوَانِهِ المَشْهُودِ، صَاحِبَ المُبَادَرَاتِ الكَبِيرَةِ.
المَسَافَةُ أَصْبَحَتْ قَصِيرَةً لِوُصُولِهِ إِلَى البَيْتِ... وَهِيَ الخَيْمَةُ. طَرِيقٌ ضَيِّقٌ نِيسْمِيٌّ وَسَطَ رِمَالٍ تُحِيطُ بِهِ.
وَهُوَ فِي تَفْكِيرِهِ العَمِيقِ لَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ سَيَكُونُ المَسِيرُ. أَصْبَحَ يُحِسُّ بِثِقَلِ قَدَمَيْهِ فِي وَسَطِ زَوْبَعَةٍ مِنَ الأَفْكَارِ. حَتَّى مَرْتَسَمُ بَيْتِهِ الجَدِيدِ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ سَيَكُونُ.
وَقْتُ الظُّهِيرَةِ أَوْشَكَ أَنْ يَدُقَّ، وَأَحْلَامُ اليَقَظَةِ مَازَالَتْ تُرَافِقُهُ وَهُوَ فِي ظِلِّ الخَيْمَةِ. نَسَمَاتُ الهَوَاءِ تُدَاعِبُهُ كَأَنَّهَا تَقُولُ: "لَا تَضْجَرْ مِنَ الحَيَاةِ وَمَطَالِبِهَا الكَثِيرَةِ".
الوَقْتُ يَمُرُّ بِسُرْعَةٍ، وَالشَّمْسُ سَتُعْطِي ظَهْرَهَا لِلخَيْمَةِ. سَارَعَ نَحْوَ قَدَرٍ آخَرَ يَنْتَظِرُهُ... فَهُوَ بَيْنَ المَكَانِ وَالوَقْتِ المُتَسَارِعِ، وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُنْجِزَهُ.
أَصْوَاتُ الذِّئَابِ تَجُوبُ الصَّحْرَاءَ بِلَا حُدُودٍ.
سَأَلَ نَفْسَهُ: "مَاذَا لَوْ كُنْتُ أَحَدَ هَؤُلَاءِ الذِّئَابِ الكَوَاسِرِ؟!"
فَجْأَةً... كَفُّ ابْنِهِ "سَالِمٍ" تُلَامِسُ كَفَّهُ. نَظَرَ إِلَيْهِ بِاسْتِغْرَابٍ وَقَالَ: "لِمَ لَمْ تَكُنْ تُرَافِقُنِي مِنْ قَبْلُ يَا بُنَيَّ؟ عُدْ إِلَى أُمِّكَ".
وَأَرَادَ أَنْ يَسْحَبَهُ إِلَى الخَيْمَةِ، وَلَكِنَّهُ قَرَّرَ أَنْ يَجْعَلَ "سَالِمًا" يَسِيرُ مَعَهُ فِي وَقْتٍ رُبَّمَا مُرْعِبٍ... وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَأَصْوَاتِ الذِّئَابِ.
ابْتَسَمَ "سَالِمٌ" لِأَبِيهِ، وَقَلْبُهُ قَدْ أَصْبَحَ وَجِلًا مِنْ عُوَائِهَا.
اتَّجَهَ الاثْنَانِ لِيَعُودَا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ يُوصِلُهُمَا إِلَى "أُمِّ البَيْتِ"... إِنَّهَا الوَطَنُ المَفْقُودُ وَالحَاضِرُ.
وَقَفَا أَمَامَ الخَيْمَةِ وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ. التَقَطَ "أَحْمَدُ" حَجَرًا كَبِيرًا مِنَ الأَرْضِ وَوَضَعَهُ عَلَى الرِّمَالِ.
قَالَ بِصَوْتٍ ثَابِتٍ: "هَذَا أَوَّلُ حَجَرٍ فِي بَيْتِنَا يَا سَالِمُ. لَيْسَ بَيْتَ طِينٍ وَشَعْرٍ... بَلْ بَيْتَ حَجَرٍ وَعَزِيمَةٍ"
تَقَدَّمَ "سَالِمٌ" وَوَضَعَ كَفَّهُ الصَّغِيرَةَ فَوْقَ يَدِ أَبِيهِ وَقَالَ: "وَسَأُسَاعِدُكَ يَا أَبِي حَتَّى يَصِيرَ قَصْرًا"
جَاءَتِ الأُمُّ وَوَضَعَتْ يَدَهَا الثَّالِثَةَ فَوْقَهُمَا وَقَالَتْ: "إِذَنْ هَذَا هُوَ أَسَاسُ مَمْلَكَتِنَا. ثَلَاثَةُ قُلُوبٍ عَلَى حَجَرٍ وَاحِدٍ"
وَفِي الفَجْرِ، عِنْدَمَا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنْ شَرْقٍ جَدِيدٍ، كَانَ الحَجَرُ الأَوَّلُ لَازَالَ فِي مَكَانِهِ.
لَمْ تَأْخُذْهُ الرِّيحُ، وَلَمْ تَدْفِنْهُ الرِّمَالُ.
كَأَنَّ الصَّحْرَاءَ نَفْسَهَا فَهِمَتْ: هُنَا سَيَكُونُ الثَّبَاتُ.
وَهَكَذَا بَدَأَتْ "ثَبَاتُ الرِّمَالِ"...
بِيَد وطنهم الجديد ألام.
الكاتب حمد حسون عليوي القيسي







التعليقات