اسمُهُ يوسف الساري. شاعرٌ عرفته المقاهي الثقافية في زمنٍ بعيد، حين كانت المدن لا تزال تؤمن بالشعر كما تؤمن الأمهات بالدعاء.
في أواخر الثمانينات، كان اسمه يتردد بين دفاتر الشباب، وقصائده تُنسخ بخط اليد على أوراق المحاضرات، وتُتداول كأنها رسائل سرية بين عشاق مجهولين.
يكتب كما لو أن اللغة خُلقت لأجله وحده. لكن شيئاً ما انكسر. لا أحد عرف متى بالتحديد. حتى يوسف نفسه لم يعرف.
ربما لم تكن هناك لحظة واحدة. ربما كانت الخسارات تتجمع داخله ببطء، مثل ماءٍ يتسرب إلى جدار قديم حتى ينهار فجأة.
في إحدى الليالي، أغلق دفتره، ووضع القلم في الدُّرج، وقال لنفسه: "انتهى الأمر."
منذ تلك الليلة، لم يكتب شيئاً. مرت السنوات كما تمر القطارات على رجلٍ نسي السفر.
كبر يوسف بصمت. صار يعمل بمهنٍ مختلفة، لا تمتُّ بصلةٍ لروحه الشاعرة.
يرتب الكتب في غرفته دون أن يفتحها غالباً، كأن القراءة نفسها صارت تؤلمه. يرى دواوين الشعر على الرفوف، فيبعد عينيه كما يبعد المرء عن صورة حبيب قديم.
في البداية، كان الناس يسألونه: "متى تعود للكتابة؟"
ثم صاروا يسألونه: "أما زلت تكتب؟"
ثم توقفوا عن السؤال تماماً. وكان ذلك أكثر ما أوجعه.
لقد تحول من شاعرٍ يُنتظر صوته، إلى ذكرى باهتة في ذاكرة جيلٍ قديم.
في البيت، كانت زوجته تراقبه بحزن خافت. لم يكن رجلاً سيئاً، لكنه صار فارغاً. يتحدث قليلاً، يضحك قليلاً، يعيش كما لو أنه يؤدي واجباً ثقيلاً اسمه الحياة. يشعر أن اللغة هجرتْه.
يسمع القصائد في رأسه أحياناً، لكنها تمر كطيور خائفة لا تهبط، كلما حاول الإمساك بها، اختفت.
بعض الليالي، يفتح الدُّرج القديم الذي يحتفظ فيه بدفاتره، يتأمل الصفحات الصفراء، ثم يعيدها سريعاً كمن لمس جرحاً لم يلتئم.
يخاف من نفسه القديمة.
بعد أكثر من عشرين عاماً، تغيّرت المدينة كثيراً. المقهى الذي يجلس فيه الشعراء صار متجراً لبيع الملابس. أصدقاؤه تفرقوا؛ بعضهم مات، بعضهم هاجر، وبعضهم صار يكتب منشورات سياسية طويلة على الإنترنت ويظنها شعراً.
كان يشيخ بهدوء. حتى جاء ذلك المساء.
كان المطر خفيفاً، والشارع مزدحماً، حين سمع أحداً يناديه: "أستاذ يوسف؟" التفت ببطء. شاب في الثلاثينات تقريباً، يحمل كتباً تحت ذراعه، وعينين متحمستين.
قال الشاب بابتسامة واسعة: "حضرتك لا تعرفني… لكن أنا أحفظ قصيدتك (العابرون إلى الجهات الخائفة) عن ظهر قلب."
تجمد يوسف. لم يسمع اسم تلك القصيدة منذ عشرين سنة.
ضحك بتوتر: "لا تزال موجودة؟"
أجاب الشاب بدهشة صادقة: "موجودة؟ أستاذ…هذه القصيدة أنقذتني بفترة اكتئاب."
شيء ما ارتجف داخله. شيء كان نائماً طويلاً.
دعاه الشاب إلى جلسة أدبية صغيرة تقام كل خميس في بيت قديم قرب النهر.
رفض في البداية، لكنه وافق لاحقاً بدافعٍ غامض، ربما الفضول، وربما الحنين الذي يتخفى أحياناً على هيئة صدفة.
في الخميس التالي، دخل البيت القديم بخطوات مترددة. كان المكان بسيطاً؛ غرفة واسعة، رفوف كتب، فناجين شاي، وعدد من الشباب والفتيات يتحلقون حول طاولة خشبية. ما إن دخل حتى وقف الجميع تقريباً.
أحدهم قال: "معقولة هذا يوسف الساري؟"
شعر بالحرج. كأنه شبح عاد فجأة إلى مكان كان يظنه قد نُسي.
جلس بينهم بصمت. كانوا يتحدثون عن الشعر بحماسة تشبه حماسة جيله القديم. يتجادلون حول الصور والمجازات والإيقاع واللغة كما لو أن العالم لم يفسد بعد.
تلك الليلة، استمع أكثر مما تكلم.
حين عاد إلى البيت، شعر بشيء مختلف. كأن نافذة صغيرة انفتحت في داخله بعد سنوات من العتمة.
تكررت اللقاءات. وبمرور الوقت، بدأ الشباب يلحّون عليه: "لماذا لا تعود للكتابة؟"
كان يبتسم بحذر: "انطفأت النار."
يجيبه أحدهم: "النار لا تنطفئ، اذا نفخنا تحت رمادها."
هذه العبارة بقيت عالقة في ذهنه أياماً طويلة.
جلس وحده قرب النافذة، بينما المدينة تغرق بصمتها المعتاد. أخرج ورقة بيضاء. ظل ينظر إليها طويلاً. الورقة تخيفه أكثر من الفراغ نفسه. يده المرتجفة لم تكن تخشى الكتابة، كانت تخشى الفشل.
ماذا لو عاد عاديّاً؟ ماذا لو خانته اللغة؟ ماذا لو اكتشف أن شاعره القديم مات فعلاً؟
بعد ساعة كاملة، كتب سطراً واحداً:
"كل هذه السنوات، وقلبي ينام في غرفةٍ مغلقة."
توقف. قرأ الجملة مرات عديدة، شعر بشيء يشبه البكاء. عاد الصوت. ضعيفاً، متعباً، لكنه عاد.
منذ تلك الليلة، بدأت رحلة العودة. لم تكن عودة سهلة أو رومانسية كما يتخيل الناس. كانت مليئة بالخوف والارتباك والشك. أحياناً يكتب صفحة كاملة ثم يمزقها. أحياناً يبقى أسبوعاً عاجزاً عن صياغة سطر واحد. أحياناً يستيقظ منتصف الليل فقط ليكتب استعارة خطرت له في الحلم. يشعر أن الشعر لم يعد يأتيه بعنفوان الشباب، بل بحكمة الألم.
في شبابه، كان يكتب ليُدهش العالم. أما الآن، صار يكتب لينجو من نفسه. هناك فرقٌ هائل بين الأمرين.
بدأ أصدقاؤه الجدد يقرأون نصوصه الأولى بعد العودة. يحتفون بكل قصيدة كأنها حدث.
إحدى الفتيات قالت له بعد قراءة نص قصير: "قصائدك تشبه رجل رجع من حرب طويلة ولا يعرف كيف يتكلم عن الذي رآه."
ظل صامتاً طويلاً بعد تلك العبارة، لأنها كانت صحيحة.
كانت السنوات العشرون حرباً داخلية صامتة. حرباً ضد الخيبة، والزمن، والخذلان، وفكرة أن الإنسان قد يفقد ذاته إلى الأبد.
بعد أشهر، أقنعه أصدقاؤه بإقامة أمسية شعرية صغيرة. رفض كثيراً. يخاف من المنصة الآن. في السابق، كان يصعد إليها بثقة نبيّ صغير. أما اليوم، فكان يشعر كأنه رجل عجوز يحاول استعادة صوته المفقود. لكنهم أصروا.
في مساء الأمسية، وقف خلف الستارة الصغيرة في القاعة المرتبكة، يسمع همسات الحضور، ويشعر بأن قلبه يرتجف كقلب شاب في أول اعتراف حب.
همس لنفسه: "ماذا لو نسيتُ الكلام؟"
ثم ضحك فجأة. كيف لشاعر أن ينسى الكلام؟
حين نادوا باسمه، شعر بأن ساقيه لا تحملانه جيداً. صعد ببطء، أمسك الأوراق، ونظر إلى الوجوه. هناك شباب لم يولد بعضهم حين توقف عن الكتابة. فجأة شعر بخوف هائل، ثم براحة غريبة.
بدأ القراءة. في البداية كان صوته منخفضاً، مرتبكاً، ثم شيئاً فشيئاً أخذ يستعيد نبرته القديمة. وللمرة الأولى منذ عشرين عاماً، شعر أن الكلمات لا تخرج من فمه فقط، إنما من حياته كلها.
قرأ عن الوحدة، عن الزمن، عن الأصدقاء الذين ماتوا، عن المرأة التي نسي ملامحها وبقي صوتها، عن الشيخوخة التي تأتي مثل لصّ مؤدب. الجمهور يصغي بصمت كامل.
ذلك الصمت الذي يعرفه الشعراء جيداً. الصمت الذي يعني أن الكلمات أصابت مكاناً عميقاً.
بعد انتهاء الأمسية، وقف شاب نحيف قرب الباب وقال له: "أستاذ، شكراً لأنك عدت."
بدا الكلام بسيطاً، لكنه اخترق قلبه. لأنه أدرك فجأة أن عودته لم تكن تخصه وحده. هناك دائماً أشخاص ينتظرون صوتاً يشبههم دون أن يعرفوا.
شيئاً فشيئاً، عاد اسم يوسف إلى الوسط الثقافي. بدأت الصحف تنشر قصائده الجديدة. دُعي إلى جلسات ومهرجانات. صار الناس يتداولون مقاطع من نصوصه على مواقع التواصل. لكن الغريب أنه لم يشعر بالنشوة التي كان يشعر بها في شبابه. إنه أكثر هدوءاً الآن. كأن النجاح لم يعد يعني له التصفيق، بل القدرة على كتابة جملة صادقة.
ذات ليلة، سأله أحد الصحفيين: "كيف استطعت العودة بعد انقطاع عشرين سنة؟"
فكر قليلاً قبل أن يجيب: "ما عدت لأنني قوي، رجعت لأن بعض الأصدقاء آمنوا بصوتي أكثر مني."
أضاف مبتسماً: "أحياناً الإنسان يحتاج إلى أناس يُذكّرونه بنفسه."
مع الوقت، بدأت تتغير علاقته بالكتابة نفسها.
في شبابه كان يتعامل مع القصيدة كمعركة لإثبات موهبته. أما الآن، فصار يراها كجلسةِ مصارحةٍ طويلة مع العالم. صار أقل ادعاءً، وأكثر صدقاً. حتى لغته تغيّرت. لم تعد متخمة بالزينة البلاغية كما كانت في شبابه، أصبحت أنقى، أكثر شفافية، كأن العمر أزال عنها الغبار. وكان القُرّاء يشعرون بذلك.
شعره الجديد لم يكن صاخباً، لكنه كان عميقاً كندبةٍ قديمة.
في إحدى الليالي، جلس مع أصدقائه الشباب قرب النهر. كانوا يضحكون ويتناقشون حول قصيدةٍ حديثة، بينما هو ينظر إلى الماء بصمت.
سأله أحدهم: "بماذا تفكر؟"
ابتسم يوسف وقال: "أفكر كم الحياة غريبة، عشرين سنة كنت أظن أنني انتهيت."
أشعل سيجارة، وأكمل: " ممكن جدًا أن يضيع الإنسان، ويهجر أشياء يحبها، لكن ليس بالضرورة أن يكون الضياع نهاية."
ساد الصمت قليلاً. النهر يواصل عبوره الأبدي تحت الجسر، كأنه يعرف أن كل الأشياء تعود بطريقةٍ ما؛ حتى الأصوات التي ظنت نفسها ماتت.







التعليقات