في غوْر الغابة المحتجِبة عن ضياء القمر المتأرجح بين الأوراق المتكاثفة عند قِمَم الأشجار، وبين الأحراش والأشواك المنغرزة في الساقين والحذاء المتهرئ، يواصل السير الحثيث حينًا والهرولة متلقفة الأنفاس، الجانحة إلى التحليق أحيانًا للهرب من أنوار المصابيح اليدَوية المُهتَزة بين قبضات حراس الحدود المُتعقبين أثره في تلك البرية الشاسعة، تحاذيها فوْهات الموت متفرِقة الأزيز هنا وهناك.
هناك، حيث كان يستند مقَرفِصًا وراء كتلة صخرية ضخمة، تمنّى أن تفتح له كوةً تضمه في جوفها بمعزل عن الأنياب الوحشية التي يهجس تحفّزها للانقضاض عليه في أي لحظة، بينما العويل الحاد يعبر الريح العاتية نحوه.
هناك، على وقع مصباحها اليدَوي ورشاشها الصغير المصوَّب نحوه على بعد خطوات معدودة، جمَعها ذُعر الأعيُن بـ "رجل الغاب"؛ الكُنية التي ظلت تُطلقُها عليه، وأول كلمتين تعلمَ نطقهما من اللغة الغريبة عنه، ككل ما حوله.
وجد نفسه في مخزن منخفض السَقف، أقرب إلى قبوٍ معتم لا يصله الهواء إلا عبر فتحة ضيقة، مُلحَق بكوخها الصغير.
فرد الفرشة المُهَلهَلة التي رَمَتها عند قدميه، وبطانية صوفية ثقيلة تدثرَ بها ليدفع عنه بعض الصقيع المُستأذِب في خلجاته، قبل أن تُحكم إيصاد الباب الحديدي.
استفاقَ على لَكز فوهة سلاحها لجسده المتكوّر، تأمره بالنهوض بحركةٍ عصبية من يدها ووجه سجان عابس. أعطته بعض الطعام الذي التهَمه جوعه دون تذَوُق لطعمه، وأشارتْ إليه أن يغتسل ويحلِق لحيته الشَعثاء، ثم يرتدي الثياب التي وضعتها ـ ذات مقاسه تقريبًا ـ على عتبة باب الحمام البدائي.
والرَشاش قديم الطِراز، لا يفارقها. مع ذلك، كان توَجسها منه يفوق توَجسه مما قد ينتظره، لكنها حاولت مواراته ما استطاعت.
أخبره حدسه أنها لن تقوى أو تجرؤ على إطلاق رصاصة واحدة وإن غافلها بحركة سريعة لأخذ ذلك الرشاش منها، دون أن يخطر في باله أنه كان فارغ الذخيرة، إلا أنه لم يجسر على القيام بمغامرةٍ جديدة قد تستعجل حتفه بعد كل ما واجه، فاستسلم في خضوعٍ تام، أشبه بالتنويم المغناطيسي، لتنفيذ أوامرها (البكماء).
وجهُها تحت النور الشحيح للمصباح المتدَلي من سَقف صالة الكوخ الحجَرية الصغيرة الخاوية من الأثاث تقريبًا، كان كتلة عجين مُحَزَزة بأخاديد العمر، وعيناها الذبيحتان بسكين الخذلان المسمومة تحدِقان طويلًا في ملامح وجه الغريب الذي عثرت عليه لدى بحثها عن جثة ولدها المُعلّقة صورته المُحتفِية بنسيم ربيع العمر وبهجة حيويته وسط جدار أسندتْ رأسها إليه.
ظل صمتهما يدور في حلقات الريبة دون إيجاد وسيلة للتفاهم سوى لغة الإشارة وتعابير الوجه والحركات التمثيلية، كما لو كانا يمثلان في مسرح إيمائي.
لم تكن لها صلة بالمُهَرِب الذي اختفى فجأة عندما لمحَ جنديًا من حَرس الحدود، مُخلِفًا أكاذيبه عن مدى معرفته بكلٍ منهم ونصيبه من كل عملية تهريب أو تسلُل عبر الغابات المعزولة عن الحياة، ولا علاقة لها برجال الأمن السياسي الذين تباهوا بقتل ولدها أثناء محاولته الهَرب، مُحذِرين أهالي البلدة الصغيرة من مَغبة البحث عن جُثة الخائن المُتمرِد ومواراتها الثَرى، وإلا لنالَ الفاعل ذات العقوبة بتُهمة عصيان أوامر السُلطة الحاكمة باسم الشعب.
اشتدَ توَجُس سَيرهما في جُنح الليل، مثل اللصوص تمامًا، لدى البحث الطويل والشاق عن الجثة في جوف الغابة، قبل أن ينخرُها العَفن أو تتسابق الحيوانات المُفترِسة إلى التهامها.
كان شخصًا آخر سواه، بل أشخاصًا آخرين، هم من قاموا بحفر قبر ولدها المصْلي بالرصاص من الخلف ودفنه، وتوَزعت عليهم مشاعر الخوف والتيه.
عند عودتهما اللاهثة، كشَبحين يتخَفيان بين ثنايا الظلام نحو الكوخ المُسوَرة حديقته مربعة الشكل بأشجار النارنج فوّاحة الرائحة، ألقت بالرشاش والشال الذي كانت تتلفع به على الطاولة الخشبية المُضَعضَعة، ودخلت غرفتها لتلقي بجسدها المُنهَك فوق فرشَتها وتغطُ سريعًا في النوم، دون أن تبالي برد الباب وراءها، ولا بأمره.
فكرَ بالهرَب، الفرار من الورطة الجديدة التي وجدَ نفسه منغرسًا في مخاطرها، لكن الدوار الذي سكنَ رأسه والألم القابض على أطرافه طَرحاه فوق الكنبة المواجهة للنافذة المُطِلة على بحرٍ شاسع من الظُلمة الحالكة، أشبه بفاقدٍ للوعي.
أيقظتْه عصر اليوم التالي امرأة أخرى، مُفعَمة بالحيوية والحُنو الأمومي، ترتسمُ فوق قسَمات وجهها المُترَهل ابتسامة تكاد لا تفارقه، بينما وضعتْ على الطاولة عدة أصناف من الطعام والفواكه التي قطفتها من أشجار الحديقة، مع زجاجة نبيذ أحمر معتَّق شرباها حتى الثمالة. خافَ أن تأتي رشفاتها الانفعالية على حياتها البائسة، خاصة بعد رقصتها ـ التي تشبه إلى حَدٍ ما رقصات بلاده الفلكلورية ـ المُتطَوِحة والمتقافزة أمام دهشة نظراته، في نشاط شابةٍ عشرينية تحتفل مع صديقاتها بليلة زفافها.
تلاحقَ سقوطها على الأرض، فحملَ جسدها ضئيل الحجم بين ذراعيه باتجاه غرفتها ودثرَها باللَحاف. كانت مُغمَضة العينين، فيما ظلت ابتسامتها الوَديعة تُحيي حَفل وَجيب قلبها الثَمل بانتصاره على الأوامر الحزبية الصارمة؛ إذ لم يكن لمُتسلِل عبر الحدود التواري عن سطوتها في مثل تلك القرية الصغيرة لمدة طويلة، إلا إذا كان الحظ حليفاً لا يُبيِت نية الغَدر.
أقام في تلك الدار لأيام أعادت إليه وحشة المعتقلات المتلصصة على الدنيا من خلال فتحة ضيقة ملاصقة لسقوف الزنازين المُظلِمة العالية، خاصةً عند مغادرتها في الصباح الباكر حتى أصيل الغروب؛ لا يصلُه خلالها سوى أصواتٍ بعيدة تتلاشى عند خوار البقرة المربوطة في الزريبة الخلفية للكوخ، أو ضجيج الديك ودجاجاته داخل قفصهم المركون إلى سورٍ طيني مائل كما لو كان على وشك الانهيار.
كانت تلك الزريبة أو مخزن المؤونة ملجأه ما إن تطرقُ الباب إحدى أو بعض النُسوة اللواتي يُطلنَّ الجلوس على أعصابه لمواساة الأم المكلومة، ما بين تأوهات وبكاء يعلو إلى النشيج من حينٍ لآخر، وتهامس حول المُتسلِل الجديد الذي تبحث عنه قوى الأمن في البلدة والبلدات المجاورة، غير مستبعداتٍ تفتيش البيوت.
أوعزت إليه أن يمشي وراءها ذات فجرٍ نحو حوض شاحنة يقودها صديق ولدها المُقرَب، دون أن تحاول سؤاله ـ بالإشارة طبعًا ـ عن الوجهة التي يسعى إليها. أوصدَ عليه بابه بسرعة ليواري عنه لمَعان عينيها المَغرورقتين بالدمع، وكفُها المشقَّق يُلوِح له بالوداع.
حوضُ الشاحنة المُغلَق قبرٌ تبددت بعض ظلمته مع تمدد خيوط الضياء عبر تقاطعات أسلاك الشبابيك الصغيرة الغليظة. ودَ لو أن السائق يُبطئ قليلًا كي يتسنى له استنشاق فَوْح الريف مُتجدِد العَبق عند كل صُبح. مرَّت نظراته بصورة خاطفة على المروج الفسيحة، يجوبها إبكار الرعاة في السعي وراء أغنامهم، يرنو بعضها صَوب البحيرة المُذّهبة بإشراق الشمس، تختفي وتلوح لناظريه عن بعد بين مسافةٍ وأخرى، والحقول المسيجة بالأسلاك الشائكة للجمعية التعاونية شاسعة المساحة التي كان يعمل فيها ولدها مزارعًا بسيطًا.
كثُرتْ مشاجراته مع مُراقب العمل، ووصلت حدتها إلى مُشرفي الإدارة، من ضمنهم كان الرفيق البارز في المجلس البلدي؛ اتهمه ومرؤوسيه المُمجِدين عرَق العامل والفلاح باستغلال النفوذ وسرقة حقه وبقية المزارعين من خلال بيع جزء غير قليل من المحصول لحسابهم الخاص في السوق السوداء و... وتكفي حكاية مثل هذه لتفضي إلى ما وجده في انتظاره ما أن وطأت قدماه أرض البلد الغريب.
جُثته كانت مُسجاة إلى جانبه، حيث عاود الاستلقاء في جوف شاحنة نقل المحاصيل الزراعية الفارغة كما شعرَ بها، بل عبرتْ أنفه رائحة الجسد المضرَّج بدمائه المُتيَبسة، تتوغله رطوبة الأرض الطينية. هدهدت حركة السيارة مستمرة الاهتزاز جفنيّ الرجل المُطارَد عبر كل حدود اجتازها، وقادتا تذبذُب غمضهما إلى غفوات اختزلت المسافات الفاصلة بين مدينةٍ وأخرى، لم يستكشف من أمكنتها شيئًا، كما لم يعرف عدد المرات التي توقفت فيها الشاحنة ولا فتراتها.
داغمتْ عينيه شمسُ الضُحى بذات تسلُط سُطوع المُصباح المنضَدي في غُرف التحقيقات السِرية المُظلِمة، لدى فتح السائق الطويل الأشقر، مُنمّش الوجه الخالي من أي تعبير، الباب الحديدي العريض. ترَجلَ من الرَحِم المُترَجرِج في صعودٍ وهبوط، بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه، ما بين يقظةٍ ناعسة وذُبالة حلم مُتقطِع عند منحنى مُتفرِع من سَفح الجَبل شديد الانحدار نحو المدينة دائمة الحركة.
لم يعرف أنه سوف يضطر بعد عدة أشهر للاختباء داخل جحوره وكهوفه ومنخفضات أوديته؛ ذلك الغريب المُتمرِد على سياسة نظام الدولة، جزيرة الحرية التي سعى لأجلها طويلًا عبر مجاهل الحدود.
بأسرع مما توقعتْ عاد، يطاردُه حَرس السُلطة، يتعثرُ بالأحجار المركومة فوق القبر الذي حفره دون أن ينتبه له ولا إلى قبرها المجاور، ثم ينهضُ سريعًا ليواصل ركضه عبر الغابة في درب العودة من حيث أتى، بينما تمطرُه رشقات الرصاص من الجانبين.







التعليقات