تشهق ذاكرتي عند رؤيتها مقبلة بخطواتها نحوي. أفرك عيني للتيّقن من صحة الرؤية. تجمعني الصدفة معها على طريق عام بعد فراق أفقدني سماع أي خبر عنها. أفغر فاهي: كأبله مصدوم من لقائنا المفاجئ بعد تلك السنين. أقف مذهولاً: احتراماً لعشقي القديم، ولتلك الصفحة النقية من حياتي. تكوّر شفتيها من فرط الدهشة، تتسع حدقتا عينيها، وتتسمر في مكانها كأنها: نُصُب تذكاريّ مشيّد على قارعة الطريق.
أتَأَمَّل بريق عينيها: الذي عشت طوال عمري أتغنى بلذة النظر إليه. تتدحرج سنواتي الأخيرة من برجها الشاهق في العمر إلى مرحلة الشباب والمراهقة الأولى. أشعر بصوتها يغازل حواسي: مثل حفيف الأشجار عند هبوب الريح في رحابة السكون:
- كيف حالك؟
ما أن أشم عبق كلماتها؛ حتى تتحسس روحي رذاذ ذلك العطر القديم، وتجمع ما تناثر في ذلك الزمن من ذكريات. يتغرغر الدمعُ في عينيَّ، وينعقد لساني حائراً بماذا أجيب وأنا أعيش أسْوأ مراحل عمري.
أحاول تَمتَمة الحروف بهمس:
- ما زلت أحبك.
تطبق جفنيها، وتنظر إلى الأرض حياءً وتعففاً من سماع تلك الكلمة قائلة:
- أرجوك، أنا على ذمة رجل آخر.
استغفر ربي، وأضرب كفاً بكف ندماً وحسرة، ثم يفيض الدمع من عيني. أكاد أجزم أنني منذ ذلك اليوم الذي توسلت فيه إلى أبي بطلب يدها، وصدمتي بردة فعله القاسية إلى زمني الحاضر: ما مرّ ليل أو نهار في حياتي إلاّ وطيفها يشع في ذاكرتي وثنايا روحي رغم انطفاء جميع الأنوار في زهو شبابي. كم مرة رجوته أن يكون منصفاً في قراره الجائر، وأن لا يحكم على حبنا بالضياع؟ ولكنني صُدمت بموقفه الرافض يطلق سراح دموعي. عدتُ إليه بإلحاح أطلب من انفعالاته: هدنة من الهدوء ريثما يصدر قراره العادل. توسلتُ بأمي أن ترقق لي قلبه، وقد قارب الصبر مثوى اليأس الذي ينتمي إليه مصير أمنياتي. ماذا بوسعي أن اعمل وقد غادر صوتي المبحوح حنجرتي المتصدئة من التوسل والرجاء ونفاد كل السبل والوسائل؟
يتكرر صدى كلماته الأخيرة في خلايا ذاكرتي:
- مستحيل ما تفكر به فقد اخترت لك ابنة عمك وانتهى الجدال.
ما كنت أتوقع أن يصل بي الحال إلى ذروة حرجة تفصل عقلي عن عاطفتي، وتضعهما على كفتي ميزان بين الطاعة والعقوق بمساومة غير منصفة آثرْتُ فيها على نفسي: أن ترجّح كفة طاعته الواجبة بكل أدب واحترام. منذ ذلك الزمن، ورياح الفراق الموحشة تهز جذوع أشجار عشقي المعمرة بين: ضلوع قلبي، وخلايا ذاكرتي، ومسامات روحي، دون أن تفتك بأغصانها، ولكنها تعصف بظنون أبي المعشّمة بالنسيان، وتذر كلماته القديمة في أدراجها:
- ستكبر وتنسى، إنها مجرد نزوة عابرة: ستصحو منها بمرور الأيام.
أعلم أنها تسمع صدى صوت سياط القدر التي تجلد ذكرياتي، تبادلني الشعور بالمصاب ذاته، وترتل معي نشيد الألم الذي تعزفه جراحاتي. تتنهد، تستغفر، تحبس الدمع في عينيها، ثم تختتم اللقاء بكلمات تعيدني إلى رشدي:
- لنؤمن بقدرنا المحتوم وكأنه خير لنا دون أن نعلم، ربما يكون حكمة مغيبة لم تدركها حواسنا بعد...
بَيْنَ كَفَّتَي مِيزَان

آخر تحديث: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦ في ١١:٤٦ م






التعليقات