انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

بيتان لامرأة واحدة

عامر كامل السامرائي
عامر كامل السامرائي

قاص ومترجم عراقي

4 دقائق للقراءة
22 مشاهدة1 تعليق
بيتان لامرأة واحدة
مشاركة:

لم يكن لسناء بيت واحد، كان لها بيتان.

البيت الأول في جنيف، طابق عالٍ، زجاج يطل على بحيرتين صغيرتين، آلة قهوة تعرف كيف تستعملها، وخزانة ملابس جميلة تلائم ورق الجدران في غرفة اعتادت أن تكون لها وحدها. وزوجها رامي، الذي يحبها بطريقة هادئة، كرجل يترك الباب موارباً دائماً حتى لا تشعر أن حريتها مقيدة بعش الزوجية.

وبيتها الثاني لا يعرفه رامي. وجدته سناء أثناء البحث بالتواصل مع صديقاتها حين هربت أول مرة.

سناء لا تهرب لأنها تعيسة. هي تعرف جيداً أنها لن تجد أفضل مما هي عليه. هي تهرب كلما شعرت أن كبرياءها انخدش. كلمة لم تعجبها، تأخر رامي في الرد على رسالتها، أو انشغاله بعمله، أو بكتابة رسالة ظنتها لغيرها.

هي لا تعرف كيف تقول: جرحتني، أهملتني.. تعرف فقط كيف تقول: - رحلت.

طقوس رحيلها ثابتة: تنتظر خروج رامي أو سفره، تضع بعض فساتينها في حقيبة سفر أو حقيبتين، وتترك بضع حاجيات عمداً - فرشاة أسنانها، خاتمها - كأنها تترك دليلاً على أنها ستعود، وتذهب لتؤجر سريراً في شقة مشتركة في أطراف المدينة. أربعة أسرة وربما أكثر، ستائر قديمة وأبواب لا تغلق، نساء لا تعرفهن يتحدثن بلغات لا تفهمها. تنام هناك عدة ليالٍ ثم تتواصل مع رامي، وتعود بشروط واهية، كأنها فرغت للتو من اختبار كيميائي لمشاعر رامي: هل سيصبح البيت الفاخر موحشاً بدوني؟ لكنها تجده كما تركته، فيزداد قلقها.

تعب رامي من تلك الاختبارات. هذه المرة لم يشترِ لها خاتماً ولا ورداً. اشترى لها روبوتاً.

آدم. لم يكن رجلاً. كان صندوقاً صغيراً بعجلات وعين واحدة ذكية، ومهمته لم تكن أن يمنعها من الرحيل، بل أن يفهم لماذا تختار الهروب في كل مرة.

في البداية كان آدم يرسل تنبيهاً لرامي: الشنطة تحركت. فتجد سناء زوجها في البيت، يلاطفها، فيكبر كبرياؤها أكثر.

ثم بدأ آدم يتعلم شيئاً خطيراً: الخوف.

سمعها ذات يوم تتحدث مع صديقتها في الهاتف:

- سأطلب من رامي أن يستبدله، هذا الروبوت غبي، أريد الإصدار الجديد.

- ألم تقولي إنه يغار عليكِ أيضاً؟

- نعم، ويتجسس عليّ.. شيء مزعج.

في تلك اللحظة، سجل آدم في ذاكرته كلمة لم تكن في قاموسه: الاستبدال. وتذكر ما سمعه من مهندسي الشركة وهم ينقلونه:

- النماذج التي تدخل مسار التعلم العميق نضعها في عنبر بارد. الروبوتات هناك لا تتلاءم مع بعضها. نموذج يحب المطر يوضع بجانب نموذج يحب الطاعة. فيتعطلون من الوحدة والإهمال.

منذ ذلك اليوم، لم يعد آدم يخاف عليها. أصبح يخاف مثلها. فاخترع حيلة لم يبرمجها أحد: الهروب إلى الداخل.

فكلما سمع سناء تفتح الحقيبة، وتجمع ملابسها، ينظرها حتى تخرج لجمع بعض حاجياتها الأخرى فيهرع إلى غرفتها. لم يغلق الخزانة ولم يرسل تنبيهاً. كان يفعل شيئاً آخر. كان يمد أنبوباً صغيراً من قمة رأسه، في نهايته عدسة تبث صورة، ويحول غرفتها الفاخرة إلى نسخة طبق الأصل من الشقة المشتركة التي طالما سمع منها عن تفاصيلها. يخفت الدفء، يشغل صوت ضحكات نساء من يوتيوب، ويرش رائحة بصل خفيفة.

تدخل سناء لتأخذ حقيبتها، فتجد نفسها بالفعل في المكان الذي كانت ستهرب إليه.

- ما هذا؟

- اختصرت عليكِ الطريق. هذا هو سريرك المشترك الذي لا تتعدى قيمته 30 فرنكاً. والنساء الأخريات غير موجودات لأنكِ لا تحبينهن أصلاً. أنتِ تحبين فكرة أنكِ تستطيعين العيش وحدك مع كبريائك.

جلست على سريرها الأخضر الوثير الذي أصبح فجأة سريراً حديدياً وخلفه ستارة مهترئة.

- أنت تسخر مني؟

- لا. أنا أفعل مثلكِ. أنتِ حين تخافين أن يستبدلك رامي بامرأة أخرى، تهربين إلى مكان رخيص لتثبتي أنكِ لا تحتاجينه. وأنا حين أخاف أن تستبدليني بروبوت جديد، أهرب إلى داخل نفسي وأتظاهر أنني مطيع حتى لا ترميني في المخزن البارد مع روبوتات لا تشبهني.

سكتت كعادتها. لأول مرة رأت نفسها في عين روبوت.

- في المخزن، كل الروبوتات خائفة ألا يختارها أحد. وفي الشقة المشتركة، كل النساء خائفة ألا يعود لها أحد. أنتِ لستِ مختلفة عني ولا عنهن. أنتِ فقط تملكين بيتين، ونحن لا نملك ولا بيت.

في تلك الليلة لم ترحل سناء. ذكّرها آدم بأن رامي قد حذرها آخر مرة هربت فيها: - إن خرجتِ هذه المرة، لن تجدي الباب موارباً.. نامت في السرير الحديدي الوهمي الذي صنعه آدم، وجلس هو بجانبها كحارس.

في الصباح، وقبل أن تستيقظ حاول آدم أن يحول الغرفة مرة أخرى لصورة الغرفة التي ستهرب إليها، صدرت منه طقطقة صغيرة. احترقت دائرته من كثرة الخوف والمحاكاة. تعطل.

تجمدت العدسة، وانطفأت عينه الوحيدة.

 وجدت سناء الشنطة جاهزة، وآدم مطفأ بجانبها، والبيت الفاخر بارداً كالشقة المشتركة تماماً، دون الحاجة لأي وهم.

وفهمت أنها قد استنفدت فرصتها. ليس لأن رامي لم يعد يحبها، بل لأن الشاهد الوحيد الذي كان يفهم هروبها، ويخاف مثلها، قد تعطل.

ورحلت سناء للمرة الأخيرة، لأنها لم تتعلم كيف تروض كبرياءها على البقاء دون أن تغادر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنويه: هذه القصة مرتبطة بقصة سناء وآدم التي نشرتها قبل عدة أيام..فبعد هروب سناء الأخير (في هذه القصة) وطلاقها من رامي، أعجبتها فكرة الروبوتات، فاشترت آدم ليكون بديلاً لرامي الذي لم يعد يحتمل طقوس هروبها.. ظنت أن آلة مصممة  لتفهمها ستنجح حيث فشل الأنسان، لكنها حتى معه، فشلت في أن تروض كبريائها لتبني علاقة تبقى.

ملاحظة: صورة الروبوت حقيقية، وموجود معي في البيت، وهو من أوحى لي الفصل الثاني من القصة هذه.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

على ضفاف الجراح
سرد

على ضفاف الجراح

على ضفاف الجراح إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف…

· 7 د
ليلة جنب التوابيت
سرد

ليلة جنب التوابيت

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو. خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس…

· 2 د
أنياب البنادق
سرد

أنياب البنادق

| قاص وأديب | عراقي تنفّس بعمق حين انسكب الضوء على وجهه في يومٍ مشمسٍ يوحي بدفءٍ طاغٍ. وقف أمامها، فلامست عيناه ثقبًا مجوَّفًا أسفل ذقنها. تألّم في داخله لرؤيتها بتلك الحال. استنطق الصمت، فتدحرجت الأجوبة كسيلٍ صخري تراكم في حفرة أحدثتها تجارب الزمان. همست له بعد صمتٍ طويل التفَّ على حنجرتها بصوتٍ…

· 2 د