انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الهروب

فاضل العذاري
فاضل العذاري

قاص وأديب عراقي

5 دقائق للقراءة
48 مشاهدة
الهروب
مشاركة:

لك مطلق الحرية في عدم تصديق قصة هروبي من السجن، وإذا كنت في مكانك، لربما كنت سأشكك في صحتها أيضاً. لكنني أروي ما حدث لي بصدق كامل، دون أي مبالغة أو نقصان. قد تبدو لك القصة أغرب من الخيال وأبعد ما تكون عن الواقع، لكنها الحقيقة كما هي بلا تلاعب أو تعديل. لست ملزماً بتصديقها، كما أنني لا أملك أي دافع لاختلاقها، ولا حاجة لي للكذب. قد تتساءل عن سبب تركيزي في العديد من كتاباتي على موضوع السجون، ولماذا لا أسعى لتنوع أكبر في موضوعات قصصي ورواياتي؟ أجيبك بوضوح: الأمر ليس بيدي بالكامل، فذاكرتي هي التي تفرض عليّ ما أكتب، بينما مخيلتي كانت محاصرة لمدة طويلة من الزمن بين أربعة جدران، بعيدة عن تجارب الحياة المتنوعة. لم أعايش أفقاً واسعاً أو شمساً ساطعة أو قمراً مضيئاً، ولا حتى سماء رحبة، سوى تلك المساحة الضئيلة التي كانت مليئة بالأحداث، غنية بالأحلام، مشتعلة بالمشاعر المكبوتة والتطلع الدائم نحو الحرية، فهل يمكن أن تتوقع من شخص معارض للنظام، محبوس وسط زنزانة ضيقة أو في محجر انفرادي، يتمنى الموت في أي لحظة، حيث تلتهم نيران اليأس والاكتئاب كل ذرة أمل في الإفراج عنه من سجنه المؤبد، أن يتحدث بشغف عن جمال الأجواء وعذوبة النسائم في الحدائق والمروج الخضراء؟
لذا، لا أرى أي مبرر يمنعني من استخدام قلمي لتوثيق تلك التجربة القاسية ضمن ما يُعرف بأدب السجون. فقسوة الواقع التي عشتها في أقبية التعذيب وغياهب السجون والمعتقلات تطغى على ثيمات الخيال وتضربه عرض الجدار بمشاهد غرائبية ومرعبة لجولات تعذيب مفرطة في شدتها متخطية حدود الاحتمال الجسدي. فأنا كاتب أعيش في عالمي الخاص، عالم منعزل لا يشاركني فيه أحد من الكتاب سوى أولئك الذين عانوا من مرارة الاعتقال. لا تلمني إذا شعرت في النهاية أنني قد خيبت آمالك، ولا تتوقع مني أن أختم القصة بإعلان الاستيقاظ من حلم طويل فقط لكسر قيود الحبكة أو التخلص من هيمنة الثيمة التي قد لا تتماشى مع حدود الواقع، فقد جذبت سجاني المقيت من ياقة قميصه العسكري وسحبته إلى أعمق زوايا زنازين مخيلتي المهترئة. صببت عليه غضباً عارماً، ضربات متواصلة وركلات مثقلة بسنوات من القهر المكبوت، حتى خارت أنفاسه بين يدي وسكنت حركته تماماً، متجمداً كجثة باردة بلا أي ملامح للحياة. هناك، انطلقت في داخلي شعلة من الشجاعة لم تخمد ولم تعرف الخوف. استعددت للهروب من هذا المعتقل الذي كان يلتهم روحي ببطء مع مرور الوقت، رغم اعتقادي الشخصي بأن الكثير من القصص التي تُروى عن الهروب من السجون ليست سوى أساطير خرافية وأكاذيب مُختلقة تهدف إلى إخفاء الحقائق التي تمت عبر عمليات وصفقات سرية. ومع ذلك، لا أستطيع أن أصف كيف تمكنت من ركوب صهوة خيالي الجامح، ممسكاً بلجامه، مطلقاً له العنان كما لو كنت في سباق مع الزمن. لا أعلم كيف سارت الأمور بتلك السلاسة المريبة، ولا أين اختفت العقبات والحواجز الكونكريتية التي كنت أعتقد أنها ستعيق تقدمي. الأبواب التي كانت تمثل رموزاً للقهر والانغلاق، والتي ظننت أنها سدود من فولاذ، بدأت تفتح أمامي واحدة تلو الأخرى بسهولة، كأنها تُقاد بقوة خفية، غامضة تيسر لي الطريق. لم أسمع صفارات إنذار تخترق المسافات، ولم ترصدني أعين الحراس الذين كان من المفترض أن يصوبوا أسلحتهم نحوي. مشيت بخطوات مترددة لكنها ثابتة عبر ظلام الليل حتى وصلت إلى البوابة الخارجية للسجن دون أي عائق، ووجدت نفسي خارج أسواره الشاهقة دون أن يلاحظني أحد. أصبح قدري الآن غامضًا، وذاكرتي تفتقر إلى التفاصيل، تدور حول نفسها عاجزة عن فهم ما حدث بين لحظات الهروب ونسمات الحرية.
واصلت طريقي حتى بلغت منزل صديق قديم أضع فيه ثقتي التامة. وعندما طرقت الباب، استقبلني بنظرات تعكس مزيجًا من الدهشة والذهول والإنكار. للحظة، ظن كأنه يرى شبحاً، ثم احتضنني بقوة قبل أن يسحبني بسرعة إلى الداخل. خرج سريعاً ليتأكد من خلو الحي من العيون المتربصة، ثم أغلق الباب بحذر مشوب بالترقب.
بفضل مساعدته، تمكنت من تغيير هويتي بشكل كامل: اسم جديد ومعلومات أخرى تجعلني شخصاً مختلفاً تماماً. لكن أكبر تحدٍ واجهته كان صورتي الشخصية التي قد تكشف هويتي الحقيقية. هذا الأمر دفعني إلى الإسراع في تزوير جواز سفر ومغادرة البلاد نهائياً حتى يسقط النظام.
عندما جلست أخيراً في مقعدي على متن الطائرة، راودني شعور طفيف بالطمأنينة، ولكنه لم يدم طويلًا. فبمجرد أن بدأت مخيلتي تتهيأ للإقلاع، وجدت نفسي مجبرة على العودة إلى قسوة الواقع، والذي انقلب سريعاً إلى كابوس حي. كان ذلك الكابوس متتمثلاً في رؤيتي لجلادي القديم، الذي كنت أظن أنني قد تخلصت منه وقتلته، يقف أمامي حياً بجسده ودمه. كان يحمل بيده عصا ثقيلة تنتهي بكرة داكنة تشبه القطران.
انتزع مخيلتي وكأنه كان يعلم ما يدور فيها من أحلام، ومشطها بضرباته المتتالية كما يفعل المنجد الذي يعبئ القطن في وسائد قديمة. حطم أجنحتها الرقيقة، وتطاير ريش أمنيتي على القضبان، بينما يسخر مني ظلها المرسوم على جدران سجني المؤبد. لم أستطع الحركة، ولم أتمكن حتى من نطق كلمة واحدة.
كل ضربة كانت كأنها تعيد تشكيل ذاكرتي بطريقة مؤلمة جعلتني عاجزًا عن التمييز بين ما عشته وما يبدو الآن ككابوس لا ينتهي. كنتُ عالقاً بين واقعي وأوهامي، حيث لم يتبق سوى خيط رفيع جداً يربط بين عقلي والجنون، وربما هو الآخر أوشك على الانقطاع؛ لكوني لم أعد واثقاً من قدرتي على التفريق بين الواقع والخيال، ولست متأكداً إذا كنتُ قد هربت يوماً حقاً، أم أنني عالق إلى الأبد داخل سجن مخيلتي.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

على ضفاف الجراح
سرد

على ضفاف الجراح

على ضفاف الجراح إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف…

· 7 د
ليلة جنب التوابيت
سرد

ليلة جنب التوابيت

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو. خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس…

· 2 د
أنياب البنادق
سرد

أنياب البنادق

| قاص وأديب | عراقي تنفّس بعمق حين انسكب الضوء على وجهه في يومٍ مشمسٍ يوحي بدفءٍ طاغٍ. وقف أمامها، فلامست عيناه ثقبًا مجوَّفًا أسفل ذقنها. تألّم في داخله لرؤيتها بتلك الحال. استنطق الصمت، فتدحرجت الأجوبة كسيلٍ صخري تراكم في حفرة أحدثتها تجارب الزمان. همست له بعد صمتٍ طويل التفَّ على حنجرتها بصوتٍ…

· 2 د