انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الصمت والدموع

فاضل العذاري
فاضل العذاري

قاص وأديب عراقي

5 دقائق للقراءة
15 مشاهدة
الصمت والدموع
مشاركة:

تنحدر الدمعة على خدها: كما تهوي قطرة المطر على زجاج نافذة موصدة بإحكام. ما خلف تلك النافذة ظلام كثيف، معبأ: بكمٍ هائل من الألغاز، وفيض غزير من الأسرار. عَبَثًا تحاول تساؤلاتي المتوغلة في سبر أغوار مخيلتي العثور على ضالتها بسهولة، أو إيجاد بصيص أمل وسط ذلك الظلام شأنها في ذلك شأن: دلاء ملقاة بيأسٍ شديد في جوف بئر ناضبٍ من الماء.
أصرخ في وجهها بحرقة قلب:
- بالأمس كنا قد اتفقنا على موعد عقد القِران في الْأُسْبُوعِ الْمُقْبِلِ، وكنتِ في أسعد لحظاتك، ما الذي جعلك ترتدين عن قرارك بين ليلة وضحاها؟
تتَطَلع نظراتي مَلِيًّا إلى شفتيها المطبقتين وسط السكوت الغريب الجاثم عليهما، وتتَأَمَّل بإمعان تلك الدمعة الساخنة التي تبث رسائلها المشفرة إلى حواسي الخمس: كأنها تُسَخِّر لي مفاتيح الطلاسم الخاصة بإدامة الألفة والوصال، بنحوٍ غريب يتناقض مع ما يبوح به ذلك الوجوم من إيحاءات مبهمة تدعو إلى التباعد والانفصال لأسباب غامضة ليس لها تفسير.
تتوالى أسئلتي عليها لمعرفة ما يحدث:
- لماذا أطلقت حكمك الطائش غيابياً بإنهاء علاقتنا فجأة دون أي مبرر؟
صراخي يلفت انتباه الجالسين في المطعم، بينما تطأطأ رأسها حرجاً، مقيّدة بأصفاد القلق والحزن دون أن يصدر منها أي جواب. أطرح سؤالي عليها مرة أخرى معاتباً:
- كيف تلفظني ذاكرتك على قارعة النسيان: كأنني متطفل على حياتك الخاصة، أو فائض عن الحاجة لا أعني لك شيئاً، ولم أكن يوماً فارس أحلامك؟
إشارة مهذبة من كف النادل تدعوني إلى خفض نبرة صوتي قليلاً تعيدني إلى هدوئي، وتجعلني أعض على نواجذي كاظماً غيظي الشديد بعناءٍ وألم ممض.
يتمدد عمر ذلك الصمت الثقيل، ويهدد بقائي على قيد الصبر والانتظار في حين تتلظى علامات الاستفهام في الفضاء فوق نيران تساؤلاتي.
‏ يرّن جرس هاتفي النقّال معلنا عن ورود رسالة نصية لم أكترث بها. بين كل سؤال وآخر أسحب شهيقاً، ملوثاً بدخان سجائري المتعاقبة التي استهلكت منها علبة كاملة دون شعور.
‏تتنفس الصعداء، وتكوّر فمها، وتنفث زفيراً ساخناً تعقبه بعض الكلمات:
‏- أنا لا أستحقك.
أقطب حاجبي في حالة فضول أمّارة بالتوغل في أدق التفاصيل متسائلاً:
- لماذا؟
رغم إلحاحي بتكرار السؤال عليها كأنني أغرز علامة الاستفهام على عتبة شفتيها؛ لحل عقدة من لسانها، لكنني في الوقت ذاته أخشى من عواقب الصمت المباغتة أن تحرك ساكناً: يفجع عشقي، ويفجر بركاناً مفاجئاً يغيّر مسار حياتي.
‏يرّن جرس الهاتف مرّة أخرى؛ أضطر إلى نقر علامة كاتم الصوت فيه، ورميه على سطح الطاولة بتبرمٍ وامتعاض، ثم تضيء شاشة هاتفي معلنة عن ورود مكالمات فائتة مسببة لي حالة من التوتر والانزعاج أكاد فيها أن أحطم الجهاز على الطاولة لولا حيائي من الحضور؛ جعلني أتدارك الأمر مسرعا بالضغط على علامة الطيران.
تهم بحمل حقيبتها اليدوية من الطاولة للتهيؤ للمغادرة قائلة:
‏- لا أستطيع التفاهم معك لأنك في حالة غضب وانفعال لذا سنؤجل لقاؤنا إلى موعد آخر.
‏ أرفض مبارحتها المكان، وأقطع وعداً لها بمنح نفسي فسحة هادئة ريثما تسترخي أعصابي، محاولاً فيها إعادة تشغيل الهاتف لمعرفة ذلك المتصل المجهول الذي تسبب في تشتت ذهني وتكّدر مزاجي: بتزامن مرهق للحواس مع انهماك مخيلتي في التفكير المضني لفك طلاسم ألغاز ذلك الصمت، وأسرار تلك الدموع، وإذا بي أجد كل الإجابات عن تساؤلاتي السابقة برسالةٍ واردة من رقمٍ غريب جعلت عينيّ مفتوحتين على مصراعيهما من هول الصدمة التي أقرأ فيها:
‏ "في حالة إصرارك على الارتباط بها ما عليك سوى أن تدفع لي مبلغاً من المال يعادل عشرة أضعاف المهر المتفق عليه بينكما وإلا ستنشر جميع صورها ومحادثاتها السرية معي علناً في المواقع الالكترونية ابتداءً من الغد إذا لم تنسحب من حياتها هذا اليوم"
تترنح مخيلتي المحلقة في فضاء الظنون لتسقط مغشياً عليها في وحل الواقع أمام ماضٍ لعين: يشهر خنجراً سامّاً على عنق أمنيتها، لينتف زغب أجنحتها، ويبتزها بصور قديمة تتحدى تحليقها في فضاء آخر، ويحيلها إلى سلعة مبتذلة معروضة للبيع والشراء.
أضع الرسالة تحت نظرها كدليلٍ قاطع؛ فتفغر فاهها من شدة الرعب، وتتسع حدقتا عيناها باضطراب ودهشة، تلطم خدها خوفاً على سمعتها، ترتعد أوصالها فزعا من التشهير بها، وتخفض رأسها إلى الأرض حياءً، ثم تجهش بالبكاء.
ينشب صراع حاد بين كبريائي العنيد الذي يصب اللوم عليها ويترفع عن مسامحتها، وبين ضميري الذي يحاول أنْ يكبح جماح الغضب ويرق لحالها المكتوي بلسعة عواقب التهور والطيش والغباء.
أرسل رسالة سريعة، خاصة لزملائي في الوظيفة؛ لاتخاذ ما يلزم من إجراء رسمي بصدد هذه المحنة.
بصراخٍ هستيري يستفز دهشة وفضول الحاضرين تفضي ما تكبته في صدرها من هموم:
- لقد استنزف كل ما بحوزتي من أموال ومصوغات ذهبية، ولم يبق على حالي حال، وقد طلب مني رقم هاتفك الشخصي تحت تأثير التهديد والوعيد عندما علم بقرب اقتراني بك، ولا يزال يبتزني حتى وصل بي اليأس من التخلص منه إلى التفكير بالانتحار.
تصاب مشاعري بحالة من التناقض مرّة أخرى بين: أن أغض السمع عن اعترافها الجَريء الذي يخدش كبريائي، وينتهك حرمة ايقونتي البَهيّة، ويعصف بعرشها النقي، المشيّد في مخيلتي ويذره كالرماد صوب أدران الماضي والعتمة والضياع، وبين أن يخضع عقلي لامتحان عسير لابد أن يتم فيه تسكين ثورة أعصابي، وإِخْماد الحرائق المشتعلة فيها؛ فأَحْرز انتصاراً ساحقاً بمعجزة أتجرد فيها من الأنانية، وأطرح عليها مبادرتي:
- اطمئني سأحاول مساعدتك بسرية تامة.
ترفض مؤازرتي لها، تحني رأسها نحوي، وتجهد نفسها بحركة مباغتة، سريعة، محاولة جذب يدي؛ لتقبيل ظاهر كفي بتوسل ورجاء قائلة:
- أرجوك كُنْ لي على خطيئتي ساتراً، دعني وشأني، سأعود مضطرة إليه؛ كي لا يفضحني على الملأ، اعترف بأنني مخطئة، ولكنني أحببتك بصدق، ويجب عليّ تحمل عواقب ذنوبي.
أسحب كفي بسرعة، محاولاً تهدئتها ببضعة كلمات تقضي على حالة القلق والاضطراب التي تعشش في نفسها لتحل محلها مشاعر الثقة والأمان قائلا:
- بعيداً عن قصة الحب التي بيننا لكن قضيتك تدخل ضمن نطاق عملي، وقد أوقع نفسه في ورطة من الغباء المفرط لا ينجو منها حتى لو كان في آخر الدنيا.
أكمل حديثي معها بصفة رسمية هامساً لها ببعض الكلمات:
- هو لم يكن يدرك عنواني الوظيفي الذي أخفيته عنكِ لدواعٍ امنية: كمحققٍ جنائي في جرائم الابتزاز الإلكتروني.
تعقد حاجبيها لاستيعاب ما تعسر عليها فهمه وما خفي عنها؛ فأتحلى بالصبر والأناة لحين انتهاء مفعول الصدمة من سماعها الخبر المفاجئ عن منصبي الإداري، ثم أسعى جاهدا لإنهاء اللقاء بخبرٍ سار يشرح الصدر ويشفي الغليل بيد أن غاية ما أبتغيه من أثر لهذا الشغف والحماس يَظْهَرُ جَلِيًّا على ملامحها بشكل ابتسامة أمل مرتسمة على شفتيها وسط أخاديد الدمع المحفورة بمجارف اليأس والقنوط خلال هذه اللحظة التي أتلو فيها كلمات الرسالة الهاتفية الواردة توا من زملائي في المكتب على مسامعها بصوت عالٍ: لقد تم تحديد هوية وموقع الهدف بدقة، سيكون في قبضة العدالة بعد قليل؛ لينال جزاءه العادل.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

صدأ الأمنيات العتيقة
سرد

صدأ الأمنيات العتيقة

صدأ الأمنيات العتيقة في إحدى ليالي الحرب العصيبة، عندما كانت ملاجئنا الترابية تحت الأرض تغوص في ظلام ثقيل مشحون بالقلق والترقب، جاءني حميد من موضع مجاور بخطواته المثقلة. في عينيه حكايات شقاء ممزوجة بمسحة من أمل خافت. طلب مني أن أكتب رسالتين: واحدة لوالدته، الحصن الآمن وسط دوامة الشدائد والأزمات،…

· 9 د
فراغ الرائحة!!
سرد

فراغ الرائحة!!

() شوقي كريم حسن (الشيخوخة ليست بياض الشعر، بل حين يكف الإنسان عن انتظار المفاجآت) ( سارتر) حين استبدّت به لحظة جنون ،قرر تفريغ حياته قبل أن تفرغ منه. لم يعد يوقظ المنبه. تاركاً الصباح يتسلل إليه كما تتسلل رائحة الرطوبة إلى بيت مهجور. ينهض متثاقلًا، ليفتح النافذة، متفقداً الشارع المكتظ بإشارات…

· 7 د
معزوفة أبستين
سرد

معزوفة أبستين

تغفو المدينة على أنغام ناعمة هادئة، وتنام مطمئنة على ذراع النهر. هطلت ذات ليلة امطار غزيرة، لم تستوعبها السدود، فاض النهر، واندفعت السيول في الشوارع، تطارد الكلاب السائبة، والسكارى العائدين لبيوتهم، وتفسد عمل دوريات الشرطة المتصيدين لبنات الليل، إنقلبت أحلام النائمين الوردية الى كوابيس رمادية.…

· 3 د