منذ طفولتها كانت هناء تنزعُ نحو الصمت ، اشتهرت به وكان أمساكها عن الكلام يعتبر من قبل والدها ووالدتها هو الحياء والرقة المفرطة ، أما مدرساتها اعتبرن صمتها هذا بالانعزالية والانزواء ، ولأنها كانت تحدق دائما ، تتأمل الأشياء فتولد لديها أفكار مشوشة وأحياناً قاتلة ، تهدد مستقبلها الذي كان يهوى أحياناً أمام عينيها ومرات تجده جبلا شامخا لابد من تسلقه للوصول الى القمة والنظر الى سفوحه الدائرة حوله ، فتصاب بالدوار نتيجة التركيز والمعاينة ، كان هناك شخص ينتظرها ، وتنظر أليه بعيون ملؤها الحب والتفاؤل ، فتلوذ عنه فترة وتشتاق أليه بشوق ولهفة ، هذه الأفكار لازمتها منذ الصغر ، وبمرور الشهور والسنين أقترب هذا الشخص الذي اعتبرته ( المنقذ ) الذي يمنعها التدحرج من ذلك الجبل كأي حجارة ، بغتة تبدلت طباعها وأصبحت فتاة مشاكسة ، كسرت طوق العزلة مما جلبت انتباه أهلها الذين ينظرون بعيون ترهقها الدهشة من حالتها وكأنها عادت تواً من سفر بعيد قالوا لها ببساطة انك كبرت وأصبحت في أوج شبابك .. وتهرول الأيام مسرعةً وتتزوج من ذلك الفارس الذي يراودها في أحلامها ، وأمضت حياتها حبيسة قدر هذا الشاب وهي تتأمل ارتقاءه التدريجي في سلم الحياة ، حياة هادئة ، أنجبت طفلة ، رائعة ، جميلة ، الأيام تجري مستنسخة ، لكن هناء استطاعت ان تجعلها رائعة تملؤها الأفراح والمسرات ، والعيش الرغيد .
ذات يوم حدث مالم يكن بالحسبان ، فقد اقتحم منزلها خمسة مجرمين ملثمين وأطلقوا الرصاص على زوجها ، نظرت اليه وهو مخضب بالدماء ، صرخت صرخة قوية أخرجت كل الأسى الذي تكدس في صدرها ، نادته من دون توقف وهو مغمي عليه ، اغتالوا قلبها ، حياتها ، نقل الى المستشفى ، ولحد هذه الساعة لا تعرف كيف وصلت الى المستشفى وبأي وسيلة وهي محلولة الشعر حافية القدمين ، مرتبكة ، زاد في عذابها عندما شاهدت أبنتها تابوتاً محمولاً على سيارة خارجة من المستشفى .
قالت : ماما هذه جثة والدي لقد توفي !
جفلت هناء لكلام ابنتها وأصبحت في حالة يرثى لها ، ظل أهلها والجيران يواسونها خوفا من إصابتها بالجنون ، لم يهدأ روعها إلا عندما أفاق زوجها من غيبوبته .
وقال لها : ألزمي الصمت ولا تتكلمي بالموضوع ، هؤلاء القتلة الجبناء الذين أرادوا النيل مني سوف اعرفهم وأحاسبهم ، رجائي الأخير اطلب منك الصمت ، ففعلت استجابة الى رغبته.
مرت الأيام مسرعة وتحسنت حالته الصحية .
قال لها : أريدك ان تهدئي وتعيدي شريط الحدث بهدوء ، تذكري كل شيء .
استلقت هناء على سريرها واستذكرت كل ما دار وقالت : كان احد الحراس الذين يعملون بالحماية والذين وثقت بهم ، لم يكن في ذلك اليوم بالواجب ، لكن شاهدته في المستشفى ، كيف عرف بالحادث ؟ ووصل الى المستشفى بهذه السرعة خصوصا انه يسكن في حي بعيد ، ظلت الأسئلة والشكوك تدور حول ( س ) الذي تكرمه وتقدم له الطعام كل يوم ليكون سبب البلاء وكان دافعه للحضور الى المستشفى هو التأكد من موته او ربما أرسل ليقتله وهو في حالته المزرية تلك لكنه لم يستطع ، لم تتوفر له الظروف في حينها ، الشيء الآخر تذكرت هناء انه قال سوف يحضر تشييع جثمان احد أصدقائه الذي توفى اثر حادث ، النقطة الثالثة لقد زاد يقينها كثيراً بأنه المدبر للعملية ، عندما سمعت زغردات النساء وتوزيعهن الحلوى احتفالا بمقتل احد المجرمين الذي قتل أولادهن وان ( س ) ذهب لتشييعه ، وهو المخطط للنيل من زوجها ، وبكل هدوء تم الأخبار عنه والقي القبض عليه هو وزمرته ، اعترف بتفاصيل الجريمة ، ونالَ الجميع جزاءهم العادل .
قالت هناء : والابتسامة تملأ وجهها مخاطبةً زوجها ( أتق شر من أحسنت أليه )
احتضنا أبنتهما وقاما بتقبيها إيذاناً ببدء حياةٍ جديدة .








التعليقات