انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الجنون ...هو كل ما تركه لي

آلاء الخيرو
آلاء الخيرو

قاصة وأديبة عراقية

12 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
الجنون ...هو كل ما تركه لي
مشاركة:

كثيرًا ما كانت تنتابني نوبات عصبية عارمة، تملأ جوانب حياتي وتستبدّ بي إلى حدّ يفوق التصوّر. ومع ذلك، كنت وما زلت أحاول السيطرة على تلك الانفعالات المريعة.

لكن لم يخطر ببالي يومًا أنني مجنونة، حتى حين باغتني المرض؛ فهو لم يفسد حواسي، بل زادها حدّة، وجعلني أثور لأسباب لا تكاد تُذكر. ولم تجعلني السنوات أكثر حكمة، بل ازدادت طباعي حدّة واضطرابًا. والمشكلة أنني بتّ أسمع ما يُسمع وما لا يُسمع؛ أسمع أشياء في السماء وأخرى في الأرض، بل أسمع حتى ما يقبع في الجحيم. إذن، كيف لا أُتّهم بالجنون؟ ولم يكن لي من ملاذ سوى أن أروي قصتي كاملة على صفحات أوراقي، وأسطرها بكل هدوء وعقلانية.

ليلة بعد أخرى، تراودني فكرة أنني أصبحت مرفوضة، تقبّل ذلك أمرًا عسيرًا، بل يكاد يكون مستحيلًا. لم أجد تفسيرًا لما يحدث سوى الكره! أوه، لا... لا، فالأمر لا يتعلق بالعواطف وحدها. لقد تزوجت ذلك الرجل وأحببته، لكنه كان عاجزًا عن قول كلمة جميلة، اعتاد أن يهينني في كل موقف، وأن يُخطّئني في كل ما أفعل. ربما يظن أحدهم أنني كنت أسعى وراء ماله؟ لا، أبدًا، لم أرغب يومًا في ماله. كان الخوف وحده هو الذي يتملكني. حسنًا، سأروي حقيقة ما كان يحدث. أعتقد أن الأمر يتعلق بإحدى عينيه. نعم، كانت إحدى عينيه تشبه عين النسر؛ مترقبة، شاحبة، يغطيها غشاء رقيق. وكلما نظرت إليها، انتابني خوف غامض، تصاحبه برودة تسري في أطرافي، حتى أكاد أشعر بأن دمي يتجمد في عروقي شيئًا فشيئًا. لم أكن مستاءة من رفضه لي بقدر ما كنت ممتنة لذلك الوضوح الجارح.

ذات مرة، كنت أقف في الممر الضيق المؤدي إلى غرفة نومي، حيث تفوح رائحة القهوة والورق القديم. كان ذلك المكان الذي اعتدت أن ألوذ به كلما ازدحمت الأفكار في رأسي. وهناك، باح لي بما يختلج في صدره. لم يبتسم مجاملة، ولم يحاول تلطيف الحقيقة بأكاذيب بيضاء تجعلني أتعلق بحبال واهية. نظر إليّ بهدوء، بعينين خاليتين من أي ارتباك، وقال:

"أنا لا أرى فيك الوجهة التي أود الوصول إليها".

في تلك اللحظة، شعرت بشيء ينكسر داخلي، لكنه لم يكن قلبي، بل القيد الذي كبلني به طوال سنوات، وأنا أفسر نظراته الباردة والعابرة على أنها وعود بغدٍ أفضل.

عدت إلى غرفتي ألملم أغراضي، عازمة على مغادرة المنزل الذي قرر أن يحبسني فيه. كنت قد صبرت طويلًا، حتى أوشك صبري على النفاد، ومع ذلك لم أبكِ. فتحت النافذة واستنشقت هواءً باردًا، فشعرت، للمرة الأولى منذ زمن طويل، بأن صدري يتسع للحياة. أدركت أن الرفض لم يكن إهانة، بل تحريرًا؛ فقد أعاد إليّ نفسي التي أضعتها في محاولات عبثية لإرضاء شخص لم يكن لي أصلًا. وعرفت حينها أن أعظم الهدايا لا تأتي دائمًا على هيئة «نعم»، بل قد تأتي على هيئة «لا» شجاعة، تضع حدًا للانتظار، وتفتح لنا بابًا نمضي منه في طريقنا الخاص، متخففين من أوهامنا.

وهكذا قررت أن أنتزع ما تبقى من حياتي، بعدما ضاع الكثير منها بين يديه، وأن أتخلص من تلك الحياة التي جمعتني به تحت وطأة كلمة واحدة: «إلى الأبد».

والآن، ما زال بعضهم يتخيلني مجنونة. لكن المجانين، أيها السادة، لا يعرفون شيئًا مما أعرفه! أما أنا، فقد كنت أفكر بعقل أظنه ممتلئًا بالحكمة، وبنفس يلازمها الحذر، وببصيرة جعلتني أعزم على تنفيذ ما كنت أفكر فيه. وخلال الأسبوع الأول، نزلت عليّ سكينة عجيبة لم أعرف لها مثيلًا من قبل.

في كل ليلة، كنت أستعيد كلماته، وحين ينتصف الليل، أمسك بمقبض الباب المغلق، وأدير مفتاحي الخاص في قفله بمنتهى الهدوء. لم أكن أريد إيقاظه؛ أردت فقط أن أهرب من حياته، وأن أنأى بنفسي عنه، فما زال في قلبي من الرقة ما يمنعني من إيذائه. لكن محاولاتي كانت تنتهي دائمًا بالفشل. صنعت فتحة صغيرة عند النافذة، بالكاد تسع رأسي، ثم أدخلت فانوسًا داكن اللون، محكم الجوانب، لا يتسرب منه الضوء. وبعدها أدخلت رأسي من تلك الفتحة لأرى العالم في الخارج وأستنشق هواءه.

أوه... لو رأيتني وأنا أدخل رأسي بذلك المكر والحذر، لضحكت عجبًا! كنت أتحرك ببطء شديد، فأنا، كما أخبرتك، لم أكن أريد إيقاظ أحد.

ثم كنت أنفجر بالبكاء، وأنحب على وحدتي وعلى العمر الذي مضى معه. لقد استغرق الأمر مني عمرًا كاملًا كي أراه يومًا نائمًا أمامي وعلى وجهه ابتسامة. كان دائم العبوس، وكنت دائمة اختراع المبررات له.

ولكن، هل يمكن لرجل بلغ به كره زوجته هذا الحد أن يكون بتلك الحنكة في الرفض؟

في إحدى الليالي، خفضت ضوء الفانوس بحذر شديد، ثم سمعت صرير مفتاحه اللعين وهو يفتح باب غرفتي. كنت مستلقية على فراشي أتظاهر بالنوم. أبقيت شعاعًا نحيلًا من الضوء، يتداخل مع ضوء القمر الذي بدا لي الرفيق الوحيد لسَهَري، ومن خلال انعكاسه استطعت أن أرى خيال من يدخل عليّ. كان يفعل ذلك دائمًا، كأنه يريد أن يطمئن إلى أنني ما زلت على قيد الحياة.

مرت سبع ليالٍ طويلة وأنا على تلك الحال. في كل ليلة، عند منتصف الليل، أكرر ما أفعله، غير أن نحيبي وألمي كانا يأبيان الانتهاء، وظلت عيناي مثقلتين بالدموع. راودتني فكرة أن أنهي حياتي، لكنني عجزت عن الإقدام عليها. وكثيرًا ما فكرت في إنهاء حياته هو، ذلك الرجل الذي كان يثير غضبي ويضاعف عذابي. وكم حدثت نفسي قائلة: ليتني أتممت مهمتي منذ الليلة الأولى وأرحت نفسي! لكن عينه الشريرة كانت تطاردني؛ أستحضرها في كل ليلة، كأنها تحدق إليّ حتى وهو نائم.

وبتّ أدرك كيف يمكن لإنسان أن ينام بعينين مفتوحتين، وقد استبدّ به الخوف من خطر لا يعرف كيف يدرؤه. كانت المخاوف تنهش روحي، وكنت أحاول إقناع نفسي بأنها مجرد أوهام، على الرغم من يقيني بعكس ذلك. وكم رددت في سرّي: اهدئي يا روحي، ليس ما تسمعينه سوى صوت الريح في المدخنة، أو فأر يتجول في الغرفة، أو صرير صرصار في عتمة الليل... لا شيء أكثر من ذلك.

نعم، كنت أحاول طمأنة نفسي بهذه الافتراضات، وأقنعها بأن القادم سيكون أفضل، لكن دون جدوى. لم يفلح شيء في تبديد خوفي. كنت أشعر بأن الموت يحبو نحوي، ويلفني بظله الأسود. وكم أطبقت على أسناني من شدة الحزن والكآبة، ومن وطأة الوحدة التي حكم عليّ بها منذ أن لفظني خارج حياته.

وفي الليلة الثامنة، كنت أشد حذرًا حين بدأت أفتح الباب. أدرته ببطء بالغ، حتى خُيّل إليّ أن عقارب ساعتي تتحرك أسرع من يدي! وفي تلك الليلة، شعرت بقوة هائلة وفطنة لم أعرفهما من قبل. حاولت أن أحتوي مشاعر الانتصار التي أخذت تتصاعد في داخلي. أخيرًا، سأفعل ما خططت له!

فتحت الباب شيئًا فشيئًا، وأحسست أن اللحظة التي انتظرتها طويلًا قد بدأت. لم أكن أتصور أنني سأبلغ هذه المرحلة، أو أنني سأجد سبيلًا إلى الخلاص. ضحكت، ثم عاودت الضحك بصوت خفيض، لكنني توهمت أن الجميع سمعني، فتوجست وتجمدت في مكاني.

ربما ظن أنني انسحبت وتركت ذلك الرجل بسلام! لا، هذا محال، يا عزيزي القدر. لقد وصلت الآن إلى مرحلة لا عودة منها.

كان الظلام الذي يلف غرفتي قد بدأ ينحسر في عينيّ، وبدت لي النوافذ التي ظلت موصدة خوفًا من المجهول كأنها انفتحت أخيرًا. أراحني أن أحدًا لن يستطيع رؤية قلبي وهو يذوي حزنًا، أو أن يبصر شيئًا من الألم الذي أخفيه. واصلت دفع الباب رويدًا رويدًا...

هممت حينها بفتح الفانوس، لكن إبهامي انزلق فجأة عن قفله الصفيحي، فأصدر صوتًا خشيت أن يكون قد أفزعه من نومه، وأن يدفعه إلى النهوض والصراخ في وجهي. بقيت في مكاني بلا حراك، ولم أتفوه بكلمة واحدة. ظللت على تلك الحال ساعة كاملة، لم أحرك خلالها عضلة من جسدي! وفي تلك الليلة لم يغمض لي جفن، بل بقيت أرهف السمع، كما اعتدت أن أفعل ليلة بعد أخرى، أصغي إلى تكتكة الساعة، وكأنها دقات ساعة الموت!

ثم سمعت أنينًا خافتًا. كان أنين هلع من الموت، لا أنين ألم عابر أو حزن مألوف. أوه، لا... لم يكن كذلك، بل صوتًا مخنوقًا ينبعث من أعماق روح مشبعة بالقهر والحزن والإهانة. إنني أعرف هذا الصوت جيدًا؛ ففي منتصف كل ليلة، حين يغمض العالم عينيه، كان ينبعث من داخلي أنا، من أعماقي، بصداه المروع الذي كاد يدفعني إلى الجنون!

قلت إنني أعرفه، نعم، أعرفه جيدًا، وأعرف كيف يشعر من يرزح تحت وطأة الرفض، كأنه محكوم بالسجن المؤبد.

أوه... لقد انتظرت طويلًا، طويلًا جدًا، لكنه ظل مستيقظًا. فقررت أن أفتح شقًا بالغ الصغر في الفانوس، فانسلّ منه شعاع خافت، نحيل كخيط من خيوط العنكبوت، واستقر مباشرة على عين النسر.

كانت عينه شاخصة، وكلما حدقت فيها ازداد غضبي. رأيتها بوضوح؛ زرقاء شاحبة، يغطيها غشاء قبيح يبعث القشعريرة في بدني. لم أكن أرى في الغرفة كلها سوى تلك العين اللعينة، فقد كان شعاع الفانوس مسلطًا عليها وحدها.

حدثت نفسي قائلة: ألم أخبرك من قبل؟ ألم أقل لك إنك مخطئة؟ إن ما تكابدينه ليس جنونًا، بل حدة مفرطة في الحواس!

عندئذ تسلل إلى أذني صوت خافت ومشوش، يشبه دقات ساعة ملفوفة بقطعة من القطن، بالكاد يمكن سماعه. لكنني عرفته على الفور؛ كانت تلك ضربات قلبه! نعم، قلب ذلك اللعين، وكانت دقاته تؤجج غضبي كما تؤجج قرعات الطبول حماسة الجنود في المعارك.

ظللت واقفة بلا حراك، أحمل فانوسي، وأكاد أعجز عن التقاط أنفاسي. وبينما أحاول تثبيت الشعاع على عينه، أخذت دقات قلبه تتسارع، وتعلو شيئًا فشيئًا، حتى بدت كقرع طبول يقترب مني. وفي تلك اللحظة، أيقنت أنني بلغت من الخوف مبلغًا لم أعد أستطيع احتماله.

يصعب عليّ أن أحدد كيف تبلورت الفكرة في رأسي، أو متى خطرت لي للمرة الأولى، لكنها ما إن استقرت في ذهني حتى استعصى عليّ طردها. وأستطيع أن أجزم الآن بأن صوت قلبه كان يزداد ارتفاعًا مع كل لحظة.

كل لحظة... هل يستطيع أحد أن يدرك ما كانت تعنيه تلك اللحظات بالنسبة إليّ؟!

بدأت ساعة الموت تدق في صمت المنزل العتيق الرهيب.

دق... دق... دق...

كانت دقاتها تدفعني إلى خوف لا أملك السيطرة عليه. ومع ذلك، ظللت واقفة في مكاني دقائق أخرى. لكن هذه المرة، أخذت ضربات قلبه ترتفع على نحو مفزع، حتى خُيّل إليّ أن قلبه على وشك الانفجار. ثم ساورني قلق آخر: ماذا لو سمع الجيران تلك النبضات الصاخبة؟

أوه... لقد حانت ساعة الرجل، ولم يعد هناك متسع للانتظار!

صرخت بأعلى صوتي، وفتحت الفانوس على اتساعه، ثم اندفعت إلى وسط الحجرة. أطلق صرخة واحدة، واحدة فقط. ضربته ضربة كادت تطرحه أرضًا، ثم أطبقت الوسادة على وجهه بكل ما أوتيت من قوة.

ابتسمت فرحًا؛ أخيرًا أتممت فعلتي!

بعد دقائق معدودة، سمعت صوتًا مكتومًا. كان صوت نبضات قلبه! لكن ذلك لم يعد يهمني. أقنعت نفسي بأن الصوت لن يخترق الجدران، ولن يبلغ مسامعي بعد الآن.

رفعت الوسادة عنه لأتفحصه، ووضعت يدي على صدره دقائق عدة، فلم أشعر بنبض واحد. لقد أصبح جثة هامدة.

حُقّ لي الآن أن أنام قريرة العين، فلن تزعجني كلماته بعد اليوم.

كانت الساعة الرابعة تمامًا حين انتهيت من ذلك العمل المجهد، لكن الليل ظل حالكًا كأنه لم يتجاوز منتصفه.

وفجأة، دق جرس المنزل.

كان ثمة من يطرق الباب!

توجهت لفتحه بقلب مطمئن، فلم يعد هناك ما أخشاه، أليس كذلك؟

فتحت الباب، فإذا بثلاثة رجال يعرّفون أنفسهم، بكل لباقة، بأنهم ضباط شرطة. أخبروني أن أحد الجيران سمع صرخة مفزعة خلال الليل، وأن الشكوك ثارت حول احتمال وقوع جريمة، فأرسل مركز الشرطة هؤلاء الضباط للتحري عن الأمر وتفقد المنزل.

ابتسمت. لم يكن هناك ما يدعو إلى الخوف، أليس كذلك؟

رحبت بالسادة الضباط، وقلت لهم إن الصرخة لم تكن سوى صرختي أنا، فقد أفزعني كابوس مرعب. وأخبرتهم أن زوجي عميق النوم، لا توقظه مثل هذه الأصوات.

اصطحبتهم في جولة داخل المنزل، وطلبت منهم أن يفتشوا كما يشاؤون، وأن يتفقدوا كل زاوية بعناية. أريتهم ممتلكاته، وكانت مرتبة في أماكنها، لم تمتد إليها يد، ولم يعبث بها أحد.

ولفرط حماستي وثقتي باستحالة اكتشاف ما فعلت، دعوت رجال الشرطة إلى الجلوس في غرفة الجلوس. أردت أن أؤكد لهم أن كل شيء على ما يرام، وأن أثبت لنفسي، قبل أي أحد، أنني حققت انتصاري الساحق.

بدا الضباط مقتنعين بما أقول، ولعل هدوئي وحسن استقبالي بعثا في نفوسهم الاطمئنان. كانوا يسألون، فأجيبهم بحماسة وثبات، حتى انتقل الحديث إلى جرائم مألوفة وأمور لا صلة لها بما جاؤوا من أجله.

وبعد هنيهة، شعرت بأن وجهي بدأ يشحب، وتمنيت في سري لو أنهم يغادرون.

أخذ رأسي يؤلمني ألمًا فظيعًا، ثم خُيّل إليّ أنني أسمع صوته يناديني بتلك الكلمات التي اعتدت سماعها منه:

«يا عديمة الفائدة... يا قطعة من القمامة!»

وغيرها من العبارات المهينة التي ظل يجلدني بها طوال سنوات.

بدأ رنين كلماته يتردد في أذني، كأنه يطلقها من جديد. تمنيت لو أنه يصمت، أو أن ينصرف هؤلاء الرجال، لكنهم ظلوا جالسين يتحدثون، فيما كانت كلماته تزداد وضوحًا وإلحاحًا.

حاولت مواصلة الحديث بأريحية لأتخلص من ذلك الشعور المربك، غير أن صوته ازداد حضورًا، حتى أدركت أن مصدره لم يكن أذني وحدها، بل ذلك الإحساس العميق الذي استقر في داخلي، ولم أستطع التخلص منه.

لا شك أن وجهي ازداد شحوبًا، ومع ذلك واصلت الحديث، وإن بدا لي الأمر شاقًا، كمن يحاول الكلام بعد ركض طويل.

لكن الصوت أخذ يرتفع.

يا إلهي، ماذا عساي أن أفعل؟

التقطت أنفاسي برعب، وتطلعت إلى وجوه الضباط. بدا أنهم لا يسمعون شيئًا مما أسمعه!

أخذت أتحدث عن أمور تافهة، وقد امتزج الغضب بالعصبية في صوتي، لكن صوته ظل يعلو... ويعلو.

حدثت نفسي: يا إلهي، لماذا لا ينصرفون؟ أمعقول أنهم لا يسمعون هذه الضوضاء؟ ألا يصل إلى آذانهم ذلك الصوت المزعج؟ أم أنهم يسمعونه ويتظاهرون بغير ذلك، ويسخرون مني في سرهم؟

نهضت، وأخذت أمشي ذهابًا وإيابًا في غرفة الجلوس، أخطو فوق أرضيتها بعصبية وغضب، كأنني أريد أن أطغى بوقع خطواتي على ذلك الصوت الذي لم يعد يفارقني.

احتدّ غضبي، واضطربت نفسي، حتى خُيّل إليّ أن ما كابدته من ذلك الرجل طوال سنوات كان أرحم من العذاب الذي أعانيه الآن.

لقد أخبرتكم منذ البداية أنني عصبية، وصدقوني، إنني كذلك حقًا. غير أن كل ما امتلكته من هدوء وصبر قد نفد، ولم يعد في وسعي احتمال ابتساماتهم التي بدت لي منافقة، ولا نظراتهم التي حسبتها تخفي معرفة كاملة بما حدث.

عادت إليّ عصبيتي القديمة، تلك التي كانت تملأ جوانب حياتي وتستبد بي حتى أفقد السيطرة على نفسي. لكنها الآن كانت أشد وطأة، كأن كل ما كتمته في صدري طوال تلك السنوات قد اجتمع في لحظة واحدة.

شعرت بأنني لا بد أن أتكلم، أن أبوح بكل شيء، وإلا متّ من شدة ما أجد!

وفجأة صرخت بذعر:

«كفى خداعًا! انزعوا عن وجوهكم أقنعة الغباء! إنني أعترف... نعم، أعترف! لقد خنقته حتى الموت، بسبب كل ما كابدته منه، بسبب معاملته وكلماته المهينة التي لا بد أنكم سمعتموها! إنه هناك، في الأعلى، لكنه هذه المرة مجرد جثة!»

عندها اتجهت الأنظار جميعها نحو الأعلى، واتجهت عيناي معها.

وإذا به يطل من هناك!

في تلك اللحظة، أحسست أنه ما زال يمتلك سلطة منحي الحياة أو سلبها، وأنني، مهما فعلت، لم أستطع الإفلات من قبضته. كانت دقات قلبه اللعين تصل إلى مسامعي بوضوح، كأنها لم تتوقف لحظة واحدة.

اعتصمت بصمت غريب، وحملت عيناي دهشة الدنيا كلها.

رأيته يشير برأسه إلى الواقفين حولي، فالتفتّ إليهم، ونظرت في وجوههم كأنني أراهم للمرة الأولى.

لم يعودوا أولئك الضباط الذين استقبلتهم عند الباب.

كانوا يرتدون ملابس بيضاء، ويحملون بأيديهم ثوبًا أبيض، خلتُه للحظة فستان عرسي.

لكن هذه المرة، لم يكن ثوبًا يقودني إلى حياة جديدة مع رجل أحببته، بل إلى مستشفى الأمراض العقلية...!

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:١٥ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

يدٌ أخرى للكتابة
سرد

يدٌ أخرى للكتابة

يكتب كما لو أنّ اللغة خُلقت لتكون طيناً بين يديه، يشكّلها كما يشاء، ويعيد إليها روحها كلما خذلت الآخرين. لم يكن كاتباً عادياً، بل كان يسكن الكلمات كما يسكن بيتاً قديماً يعرف زواياه المعتمة، ويعرف أين يضع المصابيح حين يشتدّ الليل. يقول دائماً: "الكتابة ليست وصفاً للحياة، الكتابة محاولة لتأجيل…

· 6 د
حين ينجلي الضباب
سرد

حين ينجلي الضباب

حين ينجلي الضباب سبقت الشائعات قدوم تلك العائلة الدخيلة إلى القرية الوديعة، الغافية على ضفة الهدوء والسلام، حيث تناقلت ألسن الناس بمرارة أخبار سمعتها المشينة. لكنّ تلك الحكايات كلَّها ذرتها الرياح أمام الابتسامة المشرقة على وجه الفتاة التي تسكن مع والديها في ذلك البيت الكبير. وفي أعماقه، انبرى…

· 7 د
حَضْرَةِ البَهَاءِ المَذْبُوحِ مَعَ سَدَنَةِ الرَّجِيعِ
سرد

حَضْرَةِ البَهَاءِ المَذْبُوحِ مَعَ سَدَنَةِ الرَّجِيعِ

غالب المسعودي فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي اسْتَوَى فِيهَا العَمَاءُ الأَوَّلُ عَلَى عَرْشِ الهَبَاءِ، لَمْ يَنْبَجِسِ التَّارِيخُ عَنْ صَوْتِ رَعْدٍ أَوْ وَحْيٍ مُقَدَّسٍ، بَلْ عَنْ زَفْرَةٍ هَيُولِيَّةٍ خَاثِرَةٍ رَفَسَتْ فِي مَشِيمَةِ الوُجُودِ الأَزَلِيِّ؛ كَانَ الهَوَاءُ كُلُّهُ عِبَارَةً عَنْ…

· 7 د