انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الجزيرة النائية

فاضل العذاري
فاضل العذاري

قاص وأديب عراقي

7 دقائق للقراءة
32 مشاهدة
الجزيرة النائية
مشاركة:

وحدي عالق على شاطئ لبحيرة واسعة تحيط بحدود جزيرة نائية، معزولة عن بقاع العالم، مطوقة بصمت رهيب وحالة من الغموض، لا يسكنها أحد سواي، حيث أعيش فيها داخل كوخ مهجور، مبهم المعالم، مجهول الأصل والتاريخ.
ثمة تساؤلات ملحة تطارد تفكيري بلا هوادة: كيف ومتى وصلت إلى هذا المكان؟ هل جالت خواطري في فضاءات الأوهام ورحبة التخيّلات؟ أم إنها حقيقة تخفي ما تكنزه ذاكرتي في قاع وادٍ سحيق تتردد فيه أصداء النسيان؟ يخيل لي أن القدر قد اختار لي أن أعيش منعزلاً عن البشر دون وجود رفيق يبدد وحدتي، ولكن لماذا؟ أين أسرتي؟ وأي صلة تربطني بهذا الجزء من الكون الذي يظهر كأنه مصيري المحتوم؟ هل يمكن أن أكون ناجياً من حادث تحطم طائرة؟ أم ربما أنا منفي لأسباب سياسية؟ ولكن حتى البلد الذي أنتمي إليه يبدو بعيداً للغاية عن إدراكي وباهتاً وغائماً في ذاكرتي، فلا البر والمياه، ولا السماء والسحب والضباب، ولا الشمس والقمر والنجوم بأنوارها، ولا الطبيعة بأعشابها وأشجارها، ولا الرياح في هبوبها، ولا أي شيء آخر يحيط بي في هذا المدى الموحش من الوجود يمكنه أن يقدم لي أي إجابات.
بين فترة وأخرى تتوارد في ذهني التساؤلات الباحثة عن دوافع وجودي على هذه الأرض. وبينما أتحسر على غياب الأجوبة التي تثقل عليّ كاهلي، لفت نظري مشهد قارب من بعيد في منتصف نهار هذا اليوم يحمل مجموعة من البشر. شعرت بالأمل للحظة، قد يكونون منقذين لي، أو ربما سيفسرون ما يحدث لي، أو على الأقل يوضحون لي اسم هذه البقعة التي أقيم عليها وعنوان موقعها على سطح الكرة الارضية، لكن سرعان ما تحول الأمل إلى خوف. بدا هؤلاء الأفراد وكأنهم طائفة تنتمي لزمن غابر للغاية أو بقعة جغرافية يعيشون عليها بمنهج عيش بدائي لم يبلغه أي قدر ضئيل من الرقي والتحضر. أجسادهم شبه عارية ورماحهم مُصوبة نحوي، وكأنهم يعتبرونني خصماً لا فرصة للتفاهم معه. اندفعت هارباً بأقصى سرعة وسط الطريق الوعر، إلى أن هدني التعب واختبأت خلف شجرة كثيفة الأغصان خشية أن يمسكوا بي. وبالفعل، مرّ بعضهم، لكن واحداً منهم وقف وتحرى عني بنظرة متفحصة حتى ألقى القبض علي. قادوني نحو البحيرة، وبالرغم من ثقل الرعب في صدري، أبحرنا بالقارب حتى بلغنا أرضهم. كان الهواء مشبعاً برائحة الخشب المحترق، والنيران تتراقص في كل زاوية، تضيء المساحات المظلمة من حولنا. تسلل القلق إلى أعماقي، وكأنه تحذير مستتر بأن أحداً ما قد يرمي بي في ألسنة اللهب المتقدة. مظهرهم بثّ في روحي مزيجاً من الرهبة والفضول؛ أجسادهم مكسوة بريش الطيور وجلود الحيوانات، و أصباغ مبهرجة ملأت وجوههم بزخارف ذات طابعٍ مُخيف. أصوات الطبول لم تهدأ، تطرق الأذن بإيقاع ثابت لا ينقطع، ومع كل لحظة يظهر شخص جديد يؤدي رقصة غامضة، يقترب مني بحركة رشيقة، يضع ركبته على الأرض ويوجه رمحه نحوي، ثم ينسحب ليحل محله آخر. كنت أتأمل هذا العرض بعينين متسعتين وبقلب مثقل بالشك، أحاول أن أفك اللغز: مَنْ من بينهم سيطلق الضربة الأخيرة؟ وفي نهاية المطاف، قُدمت لكبيرهم الذي جلس على منصة مهيبة من خشب الأشجار الضخم. كان الحوار بيني وبينهم مستحيلاً حتى حدثت المفاجأة المدوية: فتاة تظهر أمامي وتخاطبني بلغة عربية واضحة. أدركت أنني وجدت أخيراً من يفهمني. شعرت بأمان مؤقت حين سألَتْني:
- هل أنت عربي؟
أجبتها:
- نعم.
لكن قبل أن تمنحني تفسيراً، سألتني بدورها:
- من أنت؟ ولماذا أنت هنا؟
الإجابات التي قد تبيّن كل شيء بدت بعيدة جداً عن لساني أو بالأحرى لم أمتلك منها أي حرف مطلقاً.
أخبرتها عن جهلي بما يجري وعن استفساراتي المقلقة التي لم تجد سبيلاً واضحاً تهتدي به نحو الردود.
التفتت خلفها ووجهت بضع كلمات إلى قائدهم. أجابها وترجمت لي كلامه على الفور:
- يقول الزعيم بأننا اكتشفنا وجودك في هذه البقعة ذات يوم، وحين أحضرناك إلى هنا لتمحيص سرك، أشرت إلى أنك تعمل كاتباً روائياً جعلت هذه المنطقة في مخيلتك مسرحاً لأحداث مخطوطتك الأخيرة التي لم تنته من كتابتها؛ لذلك أصبحت سجينا لمخيلتك منتظراً إطلاق سراحك منها. وتحققنا من صحة أقوالك حينما عثرنا على وثائقك الأدبية وإصداراتك القديمة، و علمنا أنك تحظى بشهرة واسعة في مختلف دول العالم؛ لذا، حطمنا قاربك الخاص، وأخفينا عنك في خزانة الودائع كل متعلقاتك الشخصية، ومحونا لك ذاكرتك لئلا تشكل تهديداً لنا ويعلم الخصوم والغزاة أمرنا، وقد أحضرناك في هذا اليوم مرة أخرى للتأكد من عجز ذاكرتك عن التخزين واحتواء البيانات.
في اللحظة التي انتهت الفتاة خلالها من ترجمة كلمات الزعيم، شعرت بصدمة هائلة اجتاحت كل كياني أمام حقيقة جديدة لم تكن تخطر على بالي إطلاقاً. كيف يعقل أنني كنت روائياً بارزاً، والأهم من ذلك، كيف ضاعت ذاكرتي وسُلِبَ مني كل شيء بهذه السهولة؟
واصل القائد حديثه بلغة لم أفهمها، لكن الفتاة تابعت الترجمة قائلة:
- لقد ساقك القدر إلى هذا المكان دون إرادتك، لكن وجودك بيننا كان تهديداً لأسرار قبيلتنا؛ لذا كان علينا اتخاذ هذا الإجراء لحماية أنفسنا.
أشار القائد للفتاة بإيماءة صامتة لتأخذني إلى المكان المزعوم حيث يُفترض أن أجد بقايا حياتي السابقة. مضت أمامي تقودني في مسارات ضيقة، وكأنها كانت تعرف هذه الأرض كما تعرف خطوط يديها. لم تكن المسافة طويلة ولكنها بدت وكأنها دهور. توجسي وتلهفي لما سأراه جعلا الوقت يبدو ساكناً.
أوقفتني أمام كهف صغير مطمور جزئياً بين صخور ضخمة، ودخلت معي بصمت. شعلة صغيرة كانت تضيء الكهف بخفوت، وهناك كان صندوق خشبي مهترئ مدفون كلياً تحت التراب. نظرت إليّ بإشارة واضحة أن أفتحه.
برجفة في يدي، نزعت الغطاء بصعوبة لتنكشف أمامي مجموعة أوراق ومدونات وخرائط مصفرة بفعل الزمن. الكثير من الكلمات والرسمات التي تحمل توقيعي كانت تثبت شيئاً واحداً: إنها حقاً تعود لي. هرعت إلى إحدى المدونات، قرأت اسماً مدوناً بخط يدي مع عنوان رواية جديدة لم تكتمل بعد، بيد أنني لم أدرك أن ذلك الاسم الثلاثي المُدون على الغلاف يخصني إلا بعد أن أوضحت لي الفتاة.
بدأت الصور تومض في خاطري كبرق خاطف. ذكريات مبعثرة تعود إليّ: أسفار بحرية، مخططات جغرافية، دراسة للبيئة، وأخيراً سجلات شخصية تلتقط كل شاردة وواردة من المصاعب والمتاعب التي ألقاها أثناء إجراء البحث الميداني والوصف المكاني لفضاء المشاهد الطبيعية التي تدور فيها الأحداث.
لكن مهلاً، إذا كان هذا صحيحاً، فكيف تلاعبوا بذاكرتي؟ وكيف استطاعوا مسح كل ما تختزنه من ذكريات؟ التفتُّ للفتاة وسألتها بانفعال امتزج بالخوف:
- كيف فعلتم ذلك بي؟ وكيف أصدقكم الآن؟
أجابت بحذر:
- لقد استخدمنا نباتات عشبية خاصة تتوفر فقط في هذه الجزيرة. إنها تجعل الدماغ يغلق الأبواب على ذكرياته لوقت محدد. ليس لدينا نية لإيذائك الآن، فقد كنا نخشى أن تُفشي أسرار أرضنا عندما وجدناك.
سألتها بتعجب:
- ما الغاية المرجوة من إبقائي على قيد الحياة دون القضاء عليّ في بادئ الأمر؟
تنهدت بحسرة، وأشاحت بنظرها بعيداً قبل أن تقول بنبرة يكسوها الانكسار:
- لاستغلالك كدرع بشري يحمي قبيلتهم عندما يداهمهم الخطر، ولغسل دماغك لتصبح تابعاً مخلصاً لهم، تماماً كما حدث معي ذات يوم.
سألتها بشغف:
- ولكن متى وكيف سأعود إلى وطني؟
قالت وكأنها تمثل دور المرشد النفسي:
- إنك لا تقيم في بقعة أخرى معزولة من العالم، بل على النقيض تماماً تعيش في كنف أهلك، ولست في عزلة جغرافية عن أرض وطنك، ولكنك تشعر بالاغتراب والوحدة في ذاتك، والكيان المنفصل في داخلك أعلن تنحيك حتى عن الواقع المأزوم الذي تعيشه بمرارة، ولعل المبرر خلف توجهك نحو أسلوب الرمزية الذي يؤدي غرضه بين السطور في كتاباتك السردية العابرة للزمن والخارقة للطبيعة وتعمقك في استكشاف الخيال إلى أقصى مدى؛ يعود لما عاناه الوطن من أزمات ومحن ونكبات ومصاعب وتقلّبات سياسية وديمقراطية زائفة.
راجعتُ جواز سفري، فلم أجد أي تأشيرة تثبت مغادرتي حدود البلاد طوال حياتي.
سألتها مستغرباً:
- هل يعني هذا أنني أُصبت بخلل ذهني؟
فأجابتني مؤكدةً بنبرةٍ حاسمة لا تقبل الشك:
- لا، لكنك غدوت رهين مخيلتك؛ نظراً لكونك مولعاً بالسرد الغرائبي ومغرماً بالأساطير والحكايات العجائبية ولم تنفك منها قط. وما مثولي أمامك الآن بصورة قد تبدو واقعية إلا انعكاس لوهم صغته أنت بعناية؛ إذ كنت تنسج حبكة روايتك التي تحمل بين سطورها خباياك المكنونة، وتصوراتك المعتمة، وأمانيك الضالة في غمرة الحياة، وانجذابك نحو العزلة والكتابة السوداوية.
قلت لها:
- ما دام الأمر هكذا، دعوني أغادر هذا المكان، وأُتم روايتي بنهاية سعيدة أسترد فيها صوابي.
ألححتُ عليها مرات عديدة أن ترشدني إلى مَخرجٍ للنجاة.
قالت:
- إنّ ذاكرتك معطلة تتذبذب في أدائها بين حين وآخر، قد تخونك وأنت في أمس الحاجة إليها كأن تتخذ مسارات معاكسة لسبيل الصواب وتكون عرضة للحيرة والضياع، وقد تبقى روايتك غير محددة النهاية، وليس بمقدورنا عمل شيء في هذا الأمر بقدر ما يتوقف عليك أنت وحدك بأن تتحرر من أفكارك الراسخة في أعماق ذاتك.
في عمق الظلام، عدنا أدراجنا والصندوق بين يديّ. شعوري صار أجوف، مشوشاً، ولكنني أدركت أخيراً أنني أصبحت أسير جزيرة لا مجال للعودة منها، ليس لأنهم منعوني، أو أنني أسرفتُ في خيالاتي بمنأى عن الواقع، بل لأن الحياة التي عشتها سابقاً لم يعد لها وجود في ذاكرتي على الإطلاق.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

على ضفاف الجراح
سرد

على ضفاف الجراح

على ضفاف الجراح إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف…

· 7 د
أنياب البنادق
سرد

أنياب البنادق

| قاص وأديب | عراقي تنفّس بعمق حين انسكب الضوء على وجهه في يومٍ مشمسٍ يوحي بدفءٍ طاغٍ. وقف أمامها، فلامست عيناه ثقبًا مجوَّفًا أسفل ذقنها. تألّم في داخله لرؤيتها بتلك الحال. استنطق الصمت، فتدحرجت الأجوبة كسيلٍ صخري تراكم في حفرة أحدثتها تجارب الزمان. همست له بعد صمتٍ طويل التفَّ على حنجرتها بصوتٍ…

· 2 د
ليلة جنب التوابيت
سرد

ليلة جنب التوابيت

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو. خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس…

· 2 د