ثمَّة أمكنة لا نذهبُ إليها لكي نراها، بل لنرى ما تبقى منّا في مراياها.
أمكنةٌ لا تعرفُ أسماءنا، لكنَّها رُغم ذلك تمنحنا شعوراً غامضاً بأننا عُدنا إلى شيءٍ ألفناه قبل أن نعرفه.
كأَنَّ ارواحنا مرَّت بها في حياةٍ أخرى، وتركت على ضِفافها حكايةً لم تجد طريقها إلى النِّهاية.
في كوبنهاغن، حيثُ الحياةُ تمضي بإيقاعها الشمالي الهادئ، ثمةُ فسحةٍ من الماء والقصب والشجر تُدعى Utterslev Mose، مكانٌ يبدو للعين مجرد بحيرةٍ تُحيطُ بها المُروج، لكنَّه لمن يُصغي إلى صمته، عالمٌ آخر تتباطأُ فيه الساعات، وتصبحُ التفاصيلُ الصغيرة اكثر قدرةٍ على الكلام من البشر.
ذهبتُ اليه دون أن أحمل معي سؤالاً مُحدداً، او لعلَّني كنتُ أحملُ أسئلةً كثيرة الى حدٍّ جعلني غير متأكدةٍ أيُّها اردتُ أن أطرح.
كنتُ أبحثُ عن شيءٍ لا إسم له، عن فُسحةٍ تتسع لما لا أستطيعُ قوله، وعن صمتٍ لا يُطالبني بأن أكونَ بخير.
هناك، عند حافةِ الماء، بدأتُ أفهم أنَّ بعض الأمكنة لا تمنحنا إجاباتٍ، بل تُعيد إلينا أسئلتنا في هيئةٍ أكثر جمالاً، حتى لا تعود تؤلمنا بالطريقةِ نفسها.
كانت البُحيرةُ تبدو هادئةً، لكن بأعماقها كان هناك شيءٌ يتحرَّكُ ببطء، كذكرى لم تستطعِ الأعوامُ أن تردمها. وعلى الضِّفاف كان القصبُ ينحني للريح كأَنه يُصغي إلى اعترافٍ بعيد، بينما تمضي الطُّيورُ فوق الماء دون أن تترك وراءها سوى دوائر صغيرة ، سُرعان ما يمحوها السكون.
أحببتُ ذلك المكان لأنّه لا يسألُ العابرين عمَّا فقدوه ، ولا يعدهم بأن يجدوه. يتركُ لهم مقعداً ، وسماءً شاسعةً ، وماءٍ يتسع لإنعكاساتهم جميعا. ومن ثم يمضي في صمته، كأَنَّ الحُزن ليس إلا طريقةً أخرى تنظر بها روحه إلى العالم.
وكانت الأشجارُ على إمتداد الضفاف تبدو كأنها حارسةُ أسرارٍ لم يعُد أحدٌ يتذّكر أصحابها، تمُّدُّ أغصانها فوق الماء، وتترك الريح أن تُقلب ما تبقى من حكاياتها.
ثمة شيء في الأشجار العتيقة يجعلُك تشعرُ أنَّ الزَّمن لا يمضي تماماً، بل يترسبُّ في جذوعها ، وفي الشقوق الصغيرة وفي ظلالها التي تطولُ كلّما إقترب المساء.
جلستُ هناك، أراقبُ الضوء وهو ينسحبُ ببطء عن وجه البحيرة، وفكّرتُ في الأشياء التي نتركها خلفنا دون أن نعرف أننا نودّعها. في الوجوه التي كانت يوماً وطناً، ثم صارت ملامح بعيدة في ذاكرتنا، وفي الكلمات التي تأخرّت حتى فقدت الطريق إلى أصحابها.
كان المساءُ يهبطُ على Utterslev Mose برفقٍ غامض، كأَنَّ السماء تخشى أن توقظ شيئاً نائماً هناك.
وفي البعيد، مرّ طائرٌ وحيد، ثم اختفى بين القصب، فظلَّ بصري معلّقاً في الفراغ الذي تركه، مُتسائلةً كيف تستطيعُ الأشياءُ أن تُغادر بهذهِ الخِفَّة، بينما تبقى أماكنها فينا كلّ هذا العمر؟
لعلنا لا نشتاقُ الى الأشياء كما كانت، بل إلى أنفسنا حين كنّا بقربها، إلى تلك النُسخة القديمة من أرواحنا التي لم تكن تعرف أن بعض اللقاءات تحملُ في داخلها نوايا الغياب، وأن بعض اللحظات، ونحنُ نعيشها، ليست في الحقيقة سوى ذكرياتٍ تتكونُ دون علمنا.
رفعتُ عيني إلى السَّماء. كانت الغيومُ تمضي متثاقلةً، لا تستعجلُ الوصول الى مكان، وشعرتُ بأني مثلها، لا أستعجلُ شيئاً ولا أريدُ من الحياةِ جواباً.
لا أريدُ أن أفهم لماذا تتبدلُ القلوب، ولا لماذا يُصبحُ القريبُ بعيدا، ولا كيف يمكنُ لشيءٍ أحببناهُ بكلّ ما فينا أن يتحوّل يوما إلى وجعٍ لا نعرفُ أين نضعه.
اردتُ فقط أن أبقى قليلا، أن أترك للهواء البارد أن يُلامس وجهي، وللماء أن يحتفظ بصمته، ولروحي أن تستريح من محاولاتها الطويلة في تفسيرِ العالم.
وحين نهضتُ، كان الليل قد بدأ ينسجُ ظلاله على الضفاف.
إلتفتُّ إلى البُحيرة، فبدت لي كأنها تعرفُ شيئاً لا أعرفه. كأنها على إتساعها تُخفي في أعماقها يقيناً صغيراً بأنَّ كل ما يعبر لا يضيعُ بالضرورة، وأن بعض الأشياء حتى حين تغيبُ عن أعيننا تظلُّ حيّة في مكانٍ لا تطالهُ المسافة ولا يبلغهُ النسيان.
ومضيتُ…
تاركةً خلفي بحيرةً لا تسأل، وقلباً بدأ يفهم أنَّ السلام لا يعني أن نستعيد ما فقدناه، بل أن نكفَّ عن مطالبة الغياب بأن يعتذر.







التعليقات