انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الأُصَيفِر

فصل من سيرة روائية

حيدر الكعبي
حيدر الكعبي

شاعر وسارد ومترجم عراقي

8 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
الأُصَيفِر
مشاركة:

الأُصَيفِر

 لطالما فكر في السبب الذي حدا بجدته إلى أن تطلق لقب "الأصيفر" على عبد السلام عارف. من المستحيل أن تكون قد رأت الرجل. أما الصور فلا تُبديه أكثر ولا أقل صفرة من غيره. أتُراها سمعت بالحديث النبوي القائل: "إذا رأيتم الرجل أصفر الوجه من غير مرض ولا علة فذلك من غش للإسلام في قلبه؟" لماذا، إذن، "تبرطم" وتهز رأسها هزة ذات مغزى حين تسمع الرئيس يخطب في الراديو، وخصوصًا حين يستهل خطاباته بآيات قرآنية؟ أم تُراها تقصد أن تقول "صفرواي،" أي مزاجي، سريع الغضب، نكد؟ كل ما يعرفه أنها لا تحب عبد السلام. ومرة، حين بدأت الدنيا تمطر، تناهى إلى مسامعها صوت صبي يغني على مقربة من كوخها: "مطرت الدنيا حالوب، عبد السلام المحبوب،" فالتفتت إلى جهة الصوت وقالت صافقة يديها: "شوف أبو نَغَفَة. يحب الأصيفر.خايب إش شفت منه؟ جير، بسامير؟ مال الغِسِل." وهو لا يلومها. إذ لم تكد تمر بضعة أيام على تولي عبد السلام الحكم حتى حبسوا خاله زغير، الذي لا يقل حبها له عن حبها لابنها البكر صلبوخ، الذي تسميه "شَعرة گلبي."

أما بالنسبة إليه هو، ناجي، فلم يكن رأى عبد السلام إلا في الصور. إحداها تجمعه مع عبد الكريم قاسم، في مبنى وزارة الدفاع، بعد أيام من نجاحهما في إسقاط النظام الملكي. في الصورة يبدو عبد السلام وهو يصلي، بينما يظهر عبد الكريم في زاوية بعيدة، وظهره للكاميرا، منهمكًا في حلاقة لحيته. خده الأيمن وذقنه ومقدمة عنقه مغطاة برغوة الصابون. والأرجح أنه لا يعلم بالصورة، وأن ظهوره فيها لم يكن مقصودًا. كلا الرجلين يرتدي البجاما. بجامة عبد الكريم مخططة. وبجامة عبد السلام بيضاء. وقد طوى ردنيها حتى المرفقين. وبسبب من قربه من الكاميرا، التي تُسلط عدستها عليه من جهة اليسار، فقد بدا أكبر خمس مرات من الزعيم. وإلى يمينه امتدَّتْ كَنَبَة ربما تستعمل سريرًا عند الحاجة. وتحت قدميه العاريتين بساط صغير. وقد وضع راحتيه على بطنه، وأحنى رأسه، واتجه بوجهه إلى القِبْلة التي تقع إلى يسار المصوِّر. وبدا مستغرقًا في الصلاة. وصَعُبَ على ناجي أن يصدق عينيه وهو يتأمل الصورة. أيُعقل أن هذا الرجل الورع، الذي يقف بين يدي الله هذه الوقفة الخاشعة، سيغدر بصديقه الغافل الذي يحلق لحيته الآن؟    

  

إلا أن ما يحيره أكثر هو المصادر التي استقت منها جدته معلوماتها. ما أدراها بما يدور في كواليس الحكومة الخلفية، وهي لا تكاد تغادر كوخها في الرباط الصغير إلا لتذهب إلى سوق الدجاج؟ من أَعْلَمها بأن عبد السلام سحب "وَرْوَرَه،" كما تقول، ليقتل عبد الكريم، وأن عبد الكريم انتزع "الوَرْوَر" منه، ثم عفا عنه؟ ومن قال لها إن المهداوي، في محكمة الثورة، سأل عبد السلام: "هل أنت مجرم أم بريء" فأجاب "بريء إن شاء الله" رغم أن المحاكمة كانت سرية؟ ومن أين علمتْ أنه، حين قام عبد السلام بانقلابه على عبد الكريم، أمر بوضع صور الزعيم على الدبابات التي ذهبت لتقتله؟ فناجي، الذي يقرأ الجرائد يوميًّا ويستمع إلى الراديو يوميًّا، لم يسمع بشيء من ذلك. ليس لديه سوى تفسير واحد. المصدر هو خاله زغير. فخاله هذا يدعي أنه يعرف أبا كل طفل لقيط، وأنه "مفتح باللبن." وقد سمعه مرة يقول، داقَّا صدره بقبضته: "أنا ابن ضُمَد، أَعَرْف الحامل حبلى ببنية لو ولد."

ورغم أن ناجي لم يكن قد جاوز الثامنة من عمره حينذاك، فهو يذكر ذلك اليوم الصاخب، الجمعة، الثامن من شباط 1963، الذي جاء بعبد السلام إلى الحكم. كان أشبه بيوم الحشر (إذا صدقنا وصف أستاذ محمد، معلم الدين، ليوم الحشر). نعم، إنه يذكر كل شيء. وكيف يمكنه أن ينسى؟ كيف ينسى الاعتقالات التي جرت في مدرستهم، والرعب الذي خيم عليهم حينذاك؟ اعتقلوا أستاذ جمال، معلم القراءة، الطويل، المحدودب. واعتقلوا أستاذ عبد علي، أقصر المعلمين وأكبرهم سنًا. واعتقلوا أستاذ كوكب، معلم التربية الفنية، الضحوك، ذا سن الذهب. واعتقلوا أستاذ غازي الذي كان يعمل تجارب علمية في الصف. واعتقلوا .. مَنْ لم يعتقلوه؟ لقد فرغت المدرسة من المعلمين. وفي الخارج أمواج متلاطمة من الناس. إشاعات متضاربة. منع تجول. مظاهرات. رصاص. وقد تحولت السينمات إلى معتقلات، والأندية الرياضية إلى مراكز تعذيب.

لكن ناجي يحب مناكدة جدته، ويلتذ بمشاكستها. قال لها مرة بلهجة حاول أن تبدو جادة: "الريِّس -الله يحفظه- رجل مؤمن، بيبي." فأمعنت النظر فيه وقالت: "صدگ لو تتمزهد؟" فردَّ قامعًا ضحكته: "طبعًا صدگ." وهو يعرف أن "طبعًا" هذه ثقيلة على مسامعها. فهي تعتبرها من تَنَطُّعات الحَضَر. فرددت الكلمة لاويةً فمها في استهجان: "طبعًا." ثم راحت تدندن بصوت خفيض، مُنَغَّم:   

هلهولة يا ســلّامة      ابنچ شاد له عمامة

مومن صاعد الإيمان    من رجليه للهامة

واوي وسبحته ذراعين    ودجاج يروج جدامه

ثم رفعت رأسها وقالت: "مالَك، يا يمة، گلب سمچة؟" 

وفي نيسان 1966 زار عبد السلام البصرة. كان ناجي في الصف السادس الإبتدائي. أخرجوهم من المدرسة ليستقبلوه. ثم جمعوهم في الشارع الذي يصل ساحة أم البروم بجسر المتصرفية. فوقف في الصف الخلفي. ووراءه دكان شربت، وكشك جرائد. كان بلاط الرصيف رطبًا. لعلهم رشُّوه ليقللوا الغُبرة. لكنهم لم يكنسوه. فالأرض تحت قدميه زلقة. والطلاب الذين أمامه يحجبون الرؤية. طلاب جامعيون، طلاب إعدادية. عابرو سبيل. ومن خلال الأجساد المتجمهرة أمامه كان يرى جانبًا من واجهة مبنى الهلال الأحمر المتصل بمعاونية شرطة العشار. هناك زينات ورقية وأعلام ولافتات. وحين اقترب موكب الرئيس سمع هتافات تصدر من بين الحشد، وهديرًا، وتصفيقًا جماعيًّا. واستطاع أن يلمح سيارة الرئيس الشفرليت الكحلية الفارهة مكشوفة الغطاء، تتوسط رتلًا من العجلات والدراجات النارية، قادمةً من جهة سينما الكرنك في طريقها إلى المتصرفية. كان الجو مشرقًا، رائقًا، والرئيس يقف في صدارة الشفرليت ببدلته المدنية البيج وقميصه الأبيض المنشَّى وربطة عنقه المرقطة. وقد حجب بجسده محمد الحياني وبقية المرافقين. ورفع كفه اليمنى بالتحية و.. كشَّر فتَعَمَّقَ الأخدودان الشاقوليان المحيطان بخديه. وفي تلك اللحظة ذاتها خطر لناجي أنه الآن فقط أدرك سبب تسمية أم غاوية للرئيس بالأصيفر. وأدرك معنى قولهم "ابتسامة صفراء." بدت له أسنان الرئيس الثلجية كأنها قُدَّتْ من الفولاذ. وانعكست عليها أشعة الشمس فتلألأت. ثم خُيل إليه أنها استطالت فجأة، وتحولت إلى قضبان بوابة هائلة لسجن كبير، معتم ورطب، يقبع في داخله عشرات الآلاف من المعتقلين. وهم يئنون تحت السياط، شبه عراة، ملطخين بالدم. بينهم خاله زغير ومعلمو طفولته القدامى الذين لم يُعرف مصيرهم بعد. لكن ناجي تعرض لدفعةٍ أفقدتْه توازنَه، أعقبتْها دفعة أخرى أسقطتْه أرضًا فلم يعد يرى غير سيقان الحشد المتدافع. وكافح كي ينهض، إلا أن الأرض تحته زلقة، وحشد الأقدام المضطربة يواصل التعثر به ويحول دون نهوضه. وأخذت الأجساد تتهاوى من حوله، وتتكوم فوقه، وتلفحه بأنفاسها، ثم رآها ترتفع عن الأرض وتنقذف بلا مقاومة، كأن رياحًا عصفتْ بها من الخلف، صوب تكشيرة الرئيس، التي راحت تتسع كلما تقدمت السيارة، وتتحول إلى مغناطيس هائل يقتلع كل ما حوله ويجذبه نحوه— الصحف المرفرفة، وشظايا أقداح الشربت، والزينات الورقية، والأكياس الفارغة، ومِزَق اللافتات، والغترات المرقطة، والأعلام، وأوراق الشجر. كلها اختلطت في سرب واحد وطارت نحو شِدْقَي الرئيس. وحين تمكن ناجي من النهوض أخيرًا، لم يعد الرئيس هناك. ولم يبق منه في ذاكرته غيرُ تكشيرته والأخدودين المقوسين المحيطين بها كحدوتَي حصان. ومنذ ذلك الحين، لم يعد يستطيع تخيله إلا مكشرًا.

 

في اليوم التالي شاع خبر مقتل الرئيس. وكثرت الأقاويل بشأنه. هل تعرضت طائرته لعاصفة ترابية؟ هل كان الطيار قليل الخبرة؟ أم تُراها مؤامرة؟ ومن الفاعل؟ وكيف؟ هل وضعوا سكرًا في خزان الوقود؟ هل زرعوا قنبلة في كابينة الطيار؟ ثم صدر بيان حكومي عزا الحادث إلى القضاء والقدر. وأُغلق الموضوع. وقد عُطلت المدارس. فقرر ناجي الذهاب إلى النشوة ليرى بنفسه. وصل ظهرًا. وجد عددًا غفيرًا من الناس قد سبقه إلى موقع الحادث. وأدهشه أنه لم يلاحظ أية علائم للحزن على الوجوه. هنا وهناك همسة بذيئة. كركرة مخنوقة. أين أولئك الذين صفقوا للرئيس أمس؟ كان موقع الحادث مطوقًا بقوات الأمن. ولم يسمحوا لأحد بالاقتراب من أشلاء الطائرة. هناك دخان بعيد، أسود، كالذي يصدر عن إطارات مطاط محترقة. واستطاع أن يلمح كتلة معدنية مستديرة مرمية بعيدًا عن مصدر الدخان، تشبه عجلة وحيدة متصلة بذراع حديدية مبتورة. ما عدا ذلك، لم ير شيئًا يستحق الذكر، فعاد خائبًأ. وقرر أن يستغل العطلة فيذهب إلى السينما. وهناك، في سينما الوطن، هالته التعليقات التي قرأها على جدران المراحيض. "بشِّر القاتل بالقتل." "طار لحم، نزل فحم." "مو عاصفة، مو عاصفة، لا والنبي مو عاصفة." "تلاثة طارن فد سوا، اثنين رجعن للوا، وحدة احترگت بالهوا، وبيها قائدنا انشوى." "البصرة حيّته، والزبير عشّته، والنشوة حرگت لشّته." "من عقيد إلى مشير، واصل حسابك من خلاء أبو أربعين." هكذا ودّع رواد سينما الوطن رئيسهم. 

وذهب لينقل الخبر إلى أم غاوية. وجدها تعجن وتدندن. قال: "الريّسِ مات، بيبي،" فلم تتوقف عن العجن. فأضاف: "هو والحيَّاني." فلم تلتفت. لعلها سمعت الخبر. لم يستطع أن يسبر ما كان يدور في ذهنها. ثم رآها تحك راحة يدها بحافة المعجنة الفافون لتزيح عنها ما لصق بها من عجين وتُطْرِق ساهمة. لقد تآلفت مع الموت حتى لم تعد أخباره تصدمها. عجنتْه وعجنها. تستطيع الآن أن تنظر في عيني الموت بلا رهبة، فكأنه جار قديم. وكأنهما هي وجارها هذا قد كبرا معًا، وشاب رأساهما، وفَقَدَ قلباهما حرارتهما، ولم يعودا يأبهان بما يدور حولهما. ما الجديد؟ لقد وُجِدَ الناس ليموتوا. ما الذي سيضيفه الموت أو يُنقصه؟ الموت هو العدالة الوحيدة على الأرض. أما هي، أم غاوية، فليس لديها ما تخسره. كفنها رأسمالها الوحيد. جواز سفرها في هذه الرحلة الغبراء التي يسمونها الحياة. ورآها تسند جبينها إلى ظاهر كفها، وأصابعها الملطخة بالعجين تنتأ إلى الجهة الأخرى، ثم تعاود العجن دون أن تنطق شيئًا. كان ينتظر تعليقًا. قال: "حوبتج بيبي." فتوقفت عن العجن. وصدرت عنها تنهيدة، ثم قالت هازة رأسها: "لا يمة، لا. الشماتة غبرة." وأردفت:

الزمان أغبر لعب بالناس طوبة

العاري يعير المشگوگ ثوبه

يشامت لا تگول الموت حوبة

الدنيا اعليك نوبة وإلك نوبة

 

ثم واصلت العجن في صمت.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تموز ٢٠٢٦ في ١١:١٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

طيور يتيمة
سرد

طيور يتيمة

لا أحد يعرف كيف جاء هذا اللقب ، ولا أحد يعرف معنى هذا اللقب أيضاً ، لا أحد منا نحن الأولاد العفاريت ، يعرف أيَّ شيء عن أهل - غريب النسلي - ، ولسنا ندري من أين وصل إلى حيِّنا العتيق ، ليفتح دكان حلاقته العجيب ! ذلك الدكان الذي يوفر الفيء والهواء المنعش لنا ، ويجعلنا مبهورين بالطيور التي تتهادى…

· 12 د
على هامش الإشارة الحمراء
سرد

على هامش الإشارة الحمراء

تَرجَّلَ شرطيٌّ من سيارته عند الإشارة الضوئية، وسأل بائعةَ المناديل الورقية إن كان اسمُها فاتن حسين علي، طأطأتْ رأسها خيفةً وحياءً وأجابته: ما الأمر؟! سألها ثانيةً إن كان لها قريبٌ تتصلُ به الآن، لم ترفع رأسها لكنّها أومأتْ بالنفي، حثّها على أن تجيبَه، ظلّتْ صامتةً جامدةً كما لو أنّها افتقدتْ…

· 8 د
عربية الجاز  ..
سرد

عربية الجاز  ..

يدخل عم حندوقة الشارع تسبق صوته رائحة الجاز. كان للزمن نفسه رائحة لا يعرفها إلا أبناء جيلي في السبعينيات وما قبلها. تحفظ الشوارع والحارات نداءه الممدود : - جااااز تخرج النسوة بصفائح صغيرة وعم حندوقة في جلبابٍ باهت يجلس خلف بغلته وفي عينيه طيبة زمان. نحيل أسمر شققت الشمس جبينه، عربته هي مملكته…

· 3 د