دَعَكَ فروةَ رأسه حتى أدماها بأظافره.
انتابه قلقٌ قاتل، وسار يبحث عن السراب ليمتلك كنوزه.
لم يسمع ضجيج كلِّ شيء من حوله. كان هادئاً.
همُّه الوحيد أن يبتعد كثيراً عن جدران الغرفة التي تضيق به.
ولم يعد يميّز الألوان في الستائر والأثاث.
كلُّ شيء أصبح غائماً يلتفُّ حول عنقه.
الحرب التي يتلقّف منها الموت ما يشتهي من البشر.
يريد فقط أن ينسى غول الخوف.
أراد أن يحفر تفاصيل بشرة زوجته وأطفاله الناعمة في طيّات ذاكرته المترهلة، والتي بدأت تفقد عافيتها.
لا حائطَ يعلّق عليه صور ذكرياته.
عائلته التي اندثرت تحت الركام بفعل صاروخٍ أهوجَ لعين.
ينظر إلى الناس التي تحيطه.
عيونهم كمقابر فاغرة الأفواه، تصرخ لابتلاعه.
وهم يرددون: مسكين... مسكين.
اتهموه بالجنون.
الساعات تهرول مسرعة.
ظل يسير، يعبر السواقي والأنهار.
ابتلت أسماله وثقلت، فرفعها على رأسه.
تلك أسطورة تقول للغاديين والرائحين:
إنهم هاهنا أصبحوا سراباً، أو غرباناً، أو سحالي.
وطأةُ الأرض، وكانوا عمياً زحفوا نحو البحر ولم يكملوا مشوارهم.
كانت ريحهم تدفعهم، وكانت أسمالهم سفنهم، وكانت عقولهم في جعبتهم.
وكانوا مدبرين وليسوا صابرين، حانقين ومتبجحين.
ضربوا البحر ليمسكوا السراب، الآفة التي امتلكتهم واحتضنتهم سنين طويلة،
بعد أن حكّوا فروات رؤوسهم التي كانت فارغة، صلدة، مدعوكة، مقلوبة.
قال باندهاش: هل ظنوا أنه السراب فعلاً؟
أم كانت حيلة منهم؟
قذفتهم فتاواهم إليها فخسروا رهانهم.
جاؤوا متزامنين يلتحفون النجوم المطرزة لأشداقٍ جفّت.
لا ينابيع في الصحراء، لا سراب، لا ربيع.
تهرب الزروع إلى المنافي، وسرابهم يركض خلف سراب.
عيونهم مسمولة، رمداء.
وصلوا المدينة ناقمين جائعين، لم يكملوا مشوارهم.
أكلوا خرافهم، وتركوا برسيمهم للريح تنقله نحو بحر الظلمات.
وهم فيها هاتفين متربصين، فاتحي أشداقهم، زائغة أبصارهم.
يلتصق بهم ماضٍ أجوف سحيق بليد.
لملموا رؤوسهم وأحرقوا مباخرهم.
غزوا مكتهم بنعلهم المتدلية من أعناقهم،
تَشدُّ أنشوطتها أعناق برسيمية تتلبسها جلود أفاعٍ توارت خلفها،
خلف الأشداق، خلفهم وتحتهم وفوقهم.
وانسلّوا داخل الظلام يبنون قبابهم متاريس وزعانف وأسلحة وفوضى.
امتلكوا الليل والخيبة وفواحش الصلف.
وبنوا دوائر وخزّانات، وحللوا التربة، واستفاقوا وتصدروا ولم يتحاوروا.
كانت لغة الإشارة تدفعهم إلى الابتذال، وترنح الرؤوس.
وصهلت الخيول جفلةً من لكز سيوفٍ خشبية.
وأسدٌ من ورق كان يقعي عند خسارة الموقف.
جدولٌ بلا مواعيد موقوتة.
وهدير سحب غطت بلاداً واسعة عميقة مقروءة وما أمطرت.
كانت دماءٌ فائرة تدفعها الآهات وندب الأمهات وصراخ الأطفال.
وكأنه طاعون يسري كالعتمة.
كانت السماء تمطر دماءً.
أراد الخوض في تجربتهم، فالتحق بالسراب لاصطياد الكنوز.
لم يكن هناك سوى أرض سبخة تتوسط قلعة،
لا تنبت فيها غير الأشواك وتغزوها طحالب المستنقعات.
إنها جنة من أشواك ودموع... وسراب.
إنه أثمن من كنوز الدنيا التي تبغون.
نقشوا هياكل أشبه بتراث لملموه من مزابل بوابات العالم.
فقد كان التراث الأصيل يباع عند أقدام تلك البوابات في مزاد الباشوات.
يتقاسم اللصوص الأوفياء ما يجنونه من ثروات لأجل موائد القمار،
ويرجعوا خاسرين يتبجحون بأثوابهم المكوية وقصات شعورهم على الطريقة الإفرنجية تحضراً،
إسوةً بالعالم الذي يقلدون.
يتخيلون صوراً للمجد الهزيل الذي هم فيه كمتطهرين من عقدة التسلط،
مطأطئ رؤوسهم في الفضائيات وصفحات الجرائد.
تجردوا من الإنسانية.
الإنسانية فيهم شوهاء، أشبه بنعجة في تنور.
واستمر يتحدث بعصبية كأنه يخاطب جمعاً من الناس:
كانوا عمياً ببريق النقود والحفلات ومكاسب الأدنياء.
وما خلّفوا سوى الدخان.
مجانين لا عقول لهم. لقد مُسخت عقولهم داخل الجدران.
فاكتبوا... وأقروا ما تكتبون.
عليها إنها تسليتكم الوحيدة الباقية.
أنتم واهمون.
إننا نتسلى بكم، بأخباركم.
نضحك ملء أشداقنا على ما دخلتم من مطبّات.
ستغرق سفنكم الموعودة قبل أن تصل مراسيكم، قبل أن تلمسوها.
إنها لنا، في دواخلنا تلك السفائن المحمّلة بكنوز حياتنا وسر صمودنا وثمار الحياة لا قشورها.
ستنهار قصوركم عليكم ثأراً لسقوط منزلي على عائلتي، ومنازل الآخرين الأبرياء.
أنتم... مساكين عتاة، وقوادون أنذال، لصوص... لصوص... جبناء.
أفاق مرتبكاً من كابوس كان جاثماً على أنفاسه.
ينظر إلى الضياء الذي تسلل من شقوق الباب لينير العتمة.








التعليقات