انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أقفاص الكلمات

كفاح الزهاوي
كفاح الزهاوي
2 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
أقفاص الكلمات
مشاركة:

    في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل من نصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفال ينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري.

    السوق لا يبيع أجسادًا فحسب، بل يبيع شرعيةً مغلّفة بالقداسة، حيث يتحوّل النص إلى سلعة، والإنسان إلى هامشٍ في كتابٍ لا ينتهي.

 

دخل الراوي الساحة بخطواتٍ مترددة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تحمله. كان الهواء مشبعًا برائحة الورق المحترق، والكتب الممزقة تتطاير كأجنحةٍ مكسورة. وقف أمام قفصٍ من الكلمات، حيث امرأة تحدّق فيه بعينين لا تعرفان النوم، كأنها تسأله بصمتٍ:

ــ هل أنا نصٌ أم إنسان؟

 

اقترب أكثر، فسمع أصوات الباعة تتداخل مع تلاواتٍ قديمة، كل صوتٍ يعلن أن البيع مباح، وأن الأسر شرعي. لكن في داخله ارتفع صوتٌ آخر، لم يكن صوتًا بشريًا بل صدى الحرية نفسها، يقول:

ــ الكلمات ليست قدرًا، إنها أقفاص، وإن كسرتَها عاد الإنسان إلى نفسه.

 

فجأة، ارتفع صوت الحرية كريحٍ عاتية، فاهتزت الأقفاص المصنوعة من الكلمات، وتساقطت الحروف على الأرض كرمادٍ بلا معنى. الباعة تراجعوا مذعورين، والنساء خرجن من ظلالهن كأطيافٍ تستعيد أسماءها.

لم يكن السوق بحاجةٍ إلى سيوفٍ أو جدرانٍ لتنهار، بل إلى كلمةٍ واحدة تُقال بصدق:

ــ الإنسان ليس نصًا، بل حياة.

 

حين انطفأت الأضواء، لم يبقَ في الساحة سوى فراغٍ واسع، كأن الأرض نفسها تنفست أخيرًا. وقف الراوي في الوسط، ينظر إلى الرماد المتناثر، ويسأل نفسه:

ــ هل انتهى السوق فعلًا، أم أن النصوص ستعود لتبني أقفاصًا جديدة؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٧ تموز ٢٠٢٦ في ١٠:١٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

سيرة المرايا
سرد

سيرة المرايا

(1) المرآة ذاكرة المسافات التي تتهشم على حواف الزمن. تمامًا؛ ما يحدث في مرآة السيارة، فلا صورة تبقى في حاضرها، كل الزمان عجول ليكون في ماض هارب. في مرايا السيارات؛ مفارقة تلازمك، أنك ترى مستقبل حادثة تقع لك، فعندما تترجل ترى الذكرى لما جرى لك، فأنت قد كنت حاضرًا وشاهدًا فقط، ليس بمقدورك أن تلحق…

· 4 د
قصص قصيرة جدا
سرد

قصص قصيرة جدا

السقف سقف غرفتي ذو الندوب الكثيرة يشبه السماء المزدحمة بالنجوم،وحالما استلقي على سريري تقع عيناي على بقعة أراها تتشكّل بحبيباتها الصغيرة وفق مخلوق ما،بعض الأحيان أنظر إلى الصورة ذاتها بطرف عيني فأرى الغزال يصبح حيوانا آخر أو السمكة تتشكل بصورة دبّ،لكنّ كلّ شيء اختفى حين أعدت طلاء السقف الذي تعرّض…

· 1 د
أشياء لم تحدث
سرد

أشياء لم تحدث

اشياء لم تحدث!! قصة قصيرة نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم 2026 julay حين خرج سالم من منزله صباح الثلاثاء، لاحظ أن ظلَّه لم يخرج معه. توقف عند الباب، التفت إلى الخلف، فرأى الظل واقفًا في الممر، يراقبه ببرود، ثم أغلق الباب من الداخل. لم يشعر بالذعر. شعر بالإحراج. وصل إلى عمله دون ظل، فاستدعاه المدير…

· 4 د