انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أثر واحد!!

( مسرودة قصصية)

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

4 دقائق للقراءة
1 مشاهدة
أثر واحد!!
مشاركة:

الطفولة ،  المملكة الوحيدة التي لا يموت فيها أحد..ولايمكن نسيانها)

                                    ( شوقيا)

حين توقفت السيارة عند جرف الشط، ولم يكن ثمة ما يدل على أن سبعين عامًا مرت من خلاله .ترجل  ببطء، ساداً الباب بهدوء، مبقياً يده  للحظة، كأنه يستأذن المكان قبل الخطو.

 الطريق الترابي ما يزال يحتفظ بانحناءاته العتيقة. نخلة مائلة عند المدخل، بيوت طينية أضيفت إليها طبقة إسمنت، مركز الشرطة المغلق  قد نال منه الهرم.لم ينظر إلى البيوت.تاركاً قدميه تختاران الطريق الذي تعرفانه.بعد هنيهة ظهر الغرّاف.

لم يكن  أكبر  مما حفظه. الماء وحده  يمضي، أما الضفتان بقيتا  تحفظان الوجوه أكثر مما تحفظان السنوات. عند الجرف وقف.دون أن يفعل شيئًا.مكتفياً بالنظر.الى الأولاد  وهم يتقاذفون الضحكات قبل تقاذف أجسادهم. يقفز أحدهم، فيتبعه الآخرون، ثم يخرجون  صارخين بذات بالعبارات  التي  تتردد  منذ عشرات السنين.ابتسم لأول مرة.لم يعرف أكان يبتسم لهم… أم لذاك الولد الذي كانه   ورحل باحثاً عن دروب خلاصه.اقترب حتى لامست مقدمة حذائه الطين  .انحنى قليلًا.ملتقطاً حفنة .قلبها بين أصابعه ثم رماها الى الماء.اتسعت الدوائر.ثم ابتلعها  كأنه لم يحدث شيء:

-هيه… تعال.

رفع رأسه. ثمة ولد يلوح له من الماء.ضحك رفاقه.ثم غاصوا .

ليظهروا بعيدًا وهم يتنفسون بصخب.

الولد الهاديء الطباع،  لم يبتعد.ظل يراقبه. ثم خرج من الماء بخفة. يقطر من شعره، و كتفيه، وركبتيه النحيلتين.وقف أمامه دون تردد.قال مبتسمًا:

- لماذا لا تسبح؟

ابتسم الرجل:

- يمكن نسيت!

هز الولد رأسه مستنكرًا.

- الذي يتعلم في حضن الغراف… لا ينسى.

ساد صمت قصير.وما لبث  الولد أن مد يده. الصغيرة، الطاعنة السمرة،  والشديدة النحول.تردد الرجل لحظة.

ثم وضع يده فيها. دافئة.على غير ما توقع.سارا بمحاذاة الجرف. لم يتكلما

ابدا، عاد الأولاد إلى لعبهم. وواصل الشط جريانه لا يعنيه لقاء حدث بعد سبعين عامًا.توقف الولد .مشيرا إلى بقعة ماء.قائلاً:

-  هذا مكان قفزك!

 بصمت نظر الرجل إلى الموضع. محاولاً استدعاء فطنته،لم يسأل  كيف عرف.مد الولد يده .مندفعا واياه بإتجاه الماء.خلع الرجل حذاءه.ثم وقف مترددًا.ضحك الولد.ضحكة قصيرة…قديمة على نحو أربكه.قال:

- كنت أشجع مني.

قبل أن يجيبه…أمسك بيده.دفعة واحدة.ليقفزا معًا.لم يشعر ببرودة الماء.ولا بثقل جسده. صار يسبح بهدوء، بينما الولد إلى جانبه، من غير أن يرش الماء، او يلتفت خلفه.عند منتصف الشط…مر خاطر خاطف بين ثنايا روحه ، أبصرهاجالسة عند الحافة ،  يلامس الماء أطراف ثوبٍها  الكتاني الأزرق ، خُيّل له أنها قطعةُ ضوءٍ استراحت عند الماء..كلما خرج   خفضت عينيها، ثم عاودت النظر إليه حين يشيح بوجهه.لم يتوقف الخاطر.تركه الماء يعبر معه.حين لامست قدماه الضفة الأخرى…رفع رأسه ليراها .مسندة جسدها إلى عصا من الخيزران.لم تكن المسافة بينهما تزيد على خطوات.تبادلا النظرات طويلًا.لم يبدُ على وجهها أنها فوجئت.كأنها  تعرف أن الغراف يعيده يومًا.التفت باحثاً عن الولد.فلم يجده .ابتسمت المرأة.قائلة بهدوء لا يشبه السؤال:— لم تركتني أنتظر طويلًا؟

أطرق برأسه.لم يكن في ذاكرته كلام يصلح لهذا السؤال.اقترب منها خطوة.

ليرى أن الزمن غير كل شيء …النظرات التي  تتسلل إليه من وراء خجلها، كلما خرج من الشط لاهثاً منتشيًا بانتصار لا يستحق كل ذلك الفرح.قالت:

- ظننتك  نسيت الطريق.

أجاب مبتسمًا:

- الطريق  الذي تذكرني.

ضحكت.ضحكة  مرحة،  خرجت من صندوق عتيق لم يفتحه أحد منذ سنوات.جلسا عند حافة الماء الذي يمر بينهما كما مر من قبل، لا يتوقف لأحد، ولا يلتفت إبداً.قالت ناظرة إلى عمق الماء:—مات أكثر الذي  نعرفهم.

هز رأسه.

- أعرف….

- والبيوت  تغيرت.

-  البيوت لا تشيخ ،،نحن من نفعل!.

سكتا.لان الصمت أعرف منهما بالحكاية.رفعت يدها.مشيرة إلى شجرة سدر بعيدة.

- عندها  تترك ثيابك قبل أن تقفز.

التفت إليها.مبتسماً.

 اتظنين أنها  تتذكر؟

قالت:

 نحن  تعبنا من التذكر.

جرف النسيم ورقة صفراء إلى الماء.

ظلت تدور قليلًا، ثم مضت مع التيار.

قالت:

- أتذكر آخر مرة عبرت بها؟

أجاب بعد تردد:

- كنت مستعجلًا… ظاناً أن الدنيا  تنتظرني عند الضفة الثانية.

ابتسمت بأسى.

- كنت أظنك عائداً .

أرخى رأسه. عارفاً إن سبعين سنة تختصرها جملة واحدة.في الجهة المقابلة، علا صياح الأولاد .

حين قفز أحدهم الى الماء.ثم تبعه الباقون.نظرهم طويلًا.باحثاً  بين الرؤوس الصغيرة…عن الولد الذي كانه.فلم يجده.لم يكن  إلا ثلاثة.أما الرابع…فقد أخذ معه عمرًا كاملًا، عائداً به إلى مكانه البعيد.رفع  يده ملوحا.ثم اندفع راكضًا ليقفز في الماء.

لم يظهر سوى اتساع دوائر صغيرة راحت تذوب في صفحة الغرّاف.

قالت المرأة: - ما الذي تنظر إليه؟

أجاب دون أن يحول بصره عن الماء:

- ذاك الولد…

تتبعت إصبعه.ثم التفتت إليه باستغراب:— أي ولد؟

ابتعدا عن الشط. وقبل أن يختفي عند المنعطف الأخير، التفت مرةً واحدة. كان الغرّاف يجري كما عرفه دائمًا. وعلى الطين الرطب عند حافة الماء… لم يبقَ سوى أثرٍ واحد.

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ٢٧ تموز ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قصص قصيرة جدا
سرد

قصص قصيرة جدا

السقف سقف غرفتي ذو الندوب الكثيرة يشبه السماء المزدحمة بالنجوم،وحالما استلقي على سريري تقع عيناي على بقعة أراها تتشكّل بحبيباتها الصغيرة وفق مخلوق ما،بعض الأحيان أنظر إلى الصورة ذاتها بطرف عيني فأرى الغزال يصبح حيوانا آخر أو السمكة تتشكل بصورة دبّ،لكنّ كلّ شيء اختفى حين أعدت طلاء السقف الذي تعرّض…

· 1 د
أشياء لم تحدث
سرد

أشياء لم تحدث

اشياء لم تحدث!! قصة قصيرة نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم 2026 julay حين خرج سالم من منزله صباح الثلاثاء، لاحظ أن ظلَّه لم يخرج معه. توقف عند الباب، التفت إلى الخلف، فرأى الظل واقفًا في الممر، يراقبه ببرود، ثم أغلق الباب من الداخل. لم يشعر بالذعر. شعر بالإحراج. وصل إلى عمله دون ظل، فاستدعاه المدير…

· 4 د
حين خرج الثور من الإصطبل
سرد

حين خرج الثور من الإصطبل

تقول الأسطورة إنَّ ملكَ كريتَ وقف يوماً على شاطئ البحر، رافعاً يديه إلى السماءِ. قال: "يا بوسيدون، يا سيدَ البحارِ، إن كنتَ قد اخترتني ملكاً على هذه الجزيرةِ، فأرسل إليَّ ثوراً يخرج من البحرِ، ليكون آيةً للناسِ جميعاً. وأقسم أن أقدمه قرباناً للآلهةِ." لم يكد يتم دعاءه حتى ارتجَّ البحرُ، وانشقت…

· 3 د