في الصباح الباكر تقف أمي وتضع الحطب في تنورها، فيتصاعد اللهب حاملاً معه خيوط الشرر الطائرة إلى السماء، مع الدخان.
كنت طفلاً صغيراً في السابعة من العمر، أقف جانبها فتحاول أن تبعدني حتى لا يصيبني الشرر. أجلس بعيداً عنها وأنظر إليها. اللهب يتصاعد فيعكس نوره على وجهها فيبدو كرغيفٍ ساخن، وهي تقوم بعصا طويلة بترتيب محتويات التنور من أغصان الأشجار اليابسة.
أشاهد العجين بين أصابع أمي يتحول إلى دوائر خفيفة السمك بمهارتها وسرعتها التي اعتادت عليها، لتدخل بعدها الأقراص الواحد تلو الآخر إلى جوف التنور.
كانت حصتي رغيفاً صغيراً مدوراً ساخناً وشهياً يسمى "حناية".
أنهض مسرعاً وأتناول حصتي بعد أن أرفع ذيل ثوبي المتسخ حتى أمسك به. يستقر الرغيف وسط دشداشتي المقلمة، فأسرع به إلى زاوية الغرفة التي تتوسط باحة البيت، أقوم بتقليب رغيفي وآكله بشهية، بعد انتظاري قليلاً حتى يفقد سخونته.
وبعد أن أنتهي من التهامه تكون الشمس عالية.
يتكرر عمل والدتي عند الغروب. أقف بجانبها حتى تنتهي وآخذ حصتي منها "الحناية" الطيبة كطيب قلب أمي.
بعد أنتهي من أكلها يفرش الظلام جناحيه ويسيطر على المكان سيطرة تامة.
أسمع صوت أمي:
"أسرع يا قاسم قبل أن تأتيك السعلوة.."
أنهض مسرعاً إليها، أمسك بها من ثوبها خائفاً وأرتعش من السعلوة القادمة التي ستنهي حياتي.
يقول أبي مخاطباً أمي:
"كم مرة قلت لك لا تدخلي الخوف إلى قلب قاسم.."
تجيب: "لا تخف عليه، فعندما يكبر سيشاهد الكثير من السعلوات، فتكون له خبرة من الطفولة بمعالجتها.."
ماتت أمي وتركتني في العاشرة من عمري.
حزنت عليها كثيراً وبكيت على عتبة قبرها، وبقي تنورها كأثرٍ لا أحد يخبر به بعد رحيلها، بقيت في ظلام دامس أبكي كلما أتذكرها، وبقيت كل ليلة مظلمة أمسك قلبي خائفاً من مجيء السعلوة وتخطفني.
مات أبي بعد أمي وكان عمري ثمانية عشر عاماً. كنت صبياً يافعاً عند موته، فانطفأت أشعة الشمس في عيوني. بكيت عليه كثيراً انام مع الحزن يسبقني في الاستيقاظ ، يحدد مسافاتي يغلبني في اتخاذ قراراتي .. ويرسم أيكه..لاستراحاتي هذا حزني الفتان يدهشني كيف لم يفارقني كيف لم يمل آهاتي، هذا حزني فاق معرفتي بنفسي، يغسل بعصيانه جراحاتي، هذا الوفي لي أرقي و.. حارس ابواب مسراتي لا أهرب منه فهو يعصمني من الأدران والأخطاء.. أنه قدري وانا .. المنكوب اشحذ منه ملهمتي فكيف لي من صبر اذا ما صبره نفذا وتهت بلا حزن يرافقني لا استسيغ حياتي بلا خوف يداهمني في كل لحظة ..وكيف يطيق الحزن نفسي أن ضاعت بلا هدف.. وبقيت وحدي.
إخوتي الصغار توزعوا على بيوت بنات عمنا، وبقيت أتجول في بيوت زوجات إخوتي من أبي.
ظهرت كلهن سعلوة.
تذكرت كلام أمي عندما قالت: "عندما تكبر سوف تشاهد الكثير من السعلوات".
وفعلاً، زوجات إخوتي من أبي لا تربطني معهن صلة رحم، فأمرن أزواجهن بطردي الواحد تلو الآخر.
بعدها قمت بالاتكال على نفسي، وسكنت في بيت إيجار بسيط.
وبقيت الذكريات السابقة بين فترة وأخرى أتذكرها، لازالت كل ليلة مظلمة اشم رائحة الحناية في الخبز وأتذكر أن أول سعلوة كانت من الجوع، وأترحم على أمي وأبي، وأقرأ سورة الفاتحة..








التعليقات