لم يكن ينتظر أحدًا، لكنه اعتاد أن يترك مقعدًا فارغًا إلى جواره.
في تلك الليلة، جلس بمحطة الحافلات، يحمل رغيفين وهاتفًا قديمًا، ويحدق في الوجوه التي تأتي وتذهب. كانت المدينة مزدحمة إلى حدٍّ لا يسمح لأحدٍ بأن يلاحظ رجلًا وحيدًا.
فتح هاتفه، مرَّ على قائمة الأسماء، وتوقف عند أسماء كثيرة. أصدقاء، أقارب، ووجوه تقاسمت معه سنوات العمر. تردد أمام أحد الأرقام، ثم أغلق الهاتف.
لم يكن يخشى ألا يجيب صاحبه، بل كان يخشى أن يجيبه بدافع الشفقة.
اقتربت طفلة تحمل حقيبة مدرسية ممزقة، وجلست على الطرف الآخر من المقعد. كانت تحدق في الرغيفين.
مدَّ إليها أحدهما.
قالت:
ــ وأنت يا عمو؟
ــ أكلت.
قسمت الرغيف نصفين، ومدت إليه نصفه.
ــ إذن نتعشى معًا.
تأملها طويلًا. لم يكن يتذكر آخر مرة اقتسم فيها أحد معه شيئًا دون أن يطلب منه مقابلًا.
سألها:
ــ لماذا أنت هنا وحدك؟
ــ أمي في المستشفى، وأنا ذاهبة إلى خالتي. أخاف أن أعود فلا أجدها.
سكت قليلًا، ثم قال:
ــ كلنا نخاف أن نعود فلا نجد أحدًا.
نظرت إليه الطفلة، ولم تفهم تمامًا.
أخرج من جيبه بعض النقود، واشترى لها طعامًا وزجاجة ماء. وقبل أن تغادر، سألته:
ــ هل عندك هاتف؟
أعطاها إياه.
كتبت رقمها، ثم أعادته إليه قائلة:
ــ ابعت لي لما توصل البيت، عشان أطمن عليك.
ضحك، لكن عينيه خانتاه.
لم يسأله أحد منذ زمن إن كان قد وصل سالمًا.
عاد إلى غرفته، وأرسل إليها رسالة:
«وصلت يا مريم. شكرًا لأنك اقتسمتِ معي العشاء».
بعد دقائق، جاءه الرد:
«تصبح على خير يا عمو. ماما هتبقى كويسة إن شاء الله».
ظل يقرأ الرسالة حتى انطفأت شاشة الهاتف.
في الصباح، وجد رسالة أخرى:
«ماما خرجت من المستشفى. مستنياك تيجي تزورنا».
فتح النافذة. كان الضوء يتسلل إلى الغرفة التي لم يدخلها ضوء منذ زمن، أو هكذا خُيِّل إليه.
ارتدى ثيابه، واشترى رغيفين، ومضى.
في الطريق، تذكر الذين عاش بينهم عمرًا ولم يسأل أحد منهم عن غيابه، وتذكر طفلة لا تعرف عنه شيئًا، لكنها طلبت منه أن يطمئنها على وصوله.
ابتسم.
لم يكن يعرف إن كانت مريم قد منحته صداقة، أم أنه وجد فيها ما تبقى من إنسانيته.
لكنه أدرك أن الوطن ليس دائمًا أرضًا نولد فوقها، ولا بيتًا نحمل مفتاحه؛ أحيانًا يكون رقمًا صغيرًا في هاتف، ورسالة لا تتجاوز سطرًا واحدًا، تقول لك إن أحدًا ما ينتظر أن تطمئنه على وصولك.
ومنذ ذلك الصباح، لم يعد يترك المقعد المجاور فارغًا.







التعليقات