انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

نصوص قصيرة

عبد الواحد منيصير
عبد الواحد منيصير

قاص وأديب مغربي

2 دقائق للقراءة
19 مشاهدة
نصوص قصيرة
مشاركة:

ما لم نقله

لم تكن المشكلة أننا لم نملك الكلام، بل أننا امتلكناه في الوقت الخطأ.

كان الاعتذار جاهزا، لكن الكبرياء وقف عند الباب، وكان الحب واضحا، لكن الخوف أطفأ مصابيحه، وكان العتاب ينتظر لحظة صفاء لم تأت.

مرت الأيام، وتراكم الصمت بيننا حتى صار جدارا لا نعرف من أين نبدأ هدمه.

وحين غادرت، اكتشفت أن بعض الكلمات لا تموت حين نكتمها، بل تبقى في الداخل، تكبر مثل طفل حرم من البكاء.

أردت أن أقول لك إنني سامحتك، وإنني أخطأت أيضا، وإن غيابك لم يكن أمرا عابرا كما ادعيت.

لكنني لم أجدك.

ومنذ ذلك الحين، كلما هممت بالكلام، تذكرت أن بعض الأبواب لا تغلق بالمفاتيح، بل بجملة لم تقل في موعدها.

حين مرت الحياة من هنا

توقف القطار دقيقة واحدة في محطة صغيرة، فرفعت رأسي عن الكتاب، و التقت عيناي بعيني امرأة كانت تبحث بين الوجوه عن شخص تأخر كثيرا.

ابتسمت لي، لا لأنني أعرفها، بل لأن الحزن أحيانا يخطئ العنوان.

نزلت من القطار دون أن أفكر، ومشيت خلفها حتى نهاية الرصيف، حيث احتضنت رجلا نحيلا يحمل حقيبة قديمة.

كان أبوها، كما فهمت من ارتجافة صوتها.

في تلك اللحظة، تذكرت أبي، والهاتف الذي لم أجب عنه يوما، والمكالمة التي لم يعد ممكنا إجراؤها.

دون صافرة القطار، وعاد الجميع إلى مقاعدهم.

أما أنا، فقد تغيرت رحلتي كلها بسبب دقيقة واحدة، علمتني أن الحياة لا تحتاج دائما إلى حدث كبير كي توقظنا؛ يكفي أحيانا أن نرى شخصا يستعيد ما نظن أننا نملكه إلى الأبد.

الكرسي الفارغ

ظل كرسي أبي في صدر الغرفة، لا يجرؤ أحد على نقله، كأننا نخشى أن ينهض الغياب محتجا إذا غيرنا مكانه.

كانت أمي تمسح ذراعيه كل صباح، وتضع قربه كأس الشاي الذي لم يعد أحد يشربه، ثم تنصرف دون أن تنظر خلفها.

كبرنا، وتغيرت الستائر، وبهتت الصور، لكن الكرسي احتفظ بهيئته الأولى، وبذلك الانحناء الصغير الذي تركه جسد اعتاد أن يستريح بعد يوم طويل.

ذات مساء، جلس عليه حفيدي، فضحكنا جميعا، ثم سكتنا فجأة.

لم يكن في جلوسه خطأ، ولم يكن في ضحكنا جحود.

فقط أدركنا أن الغائب لا يطلب منا أن نجمد الحياة عند رحيله، وإنما أن نتعلم كيف نواصلها دون أن ننكر مكانه فيها.

ومنذ ذلك اليوم، لم نعد نخاف الكرسي الفارغ، بل نخاف أن يأتي يوم لا نتذكر فيه لماذا أبقيناه.

مشاركة:

آخر تحديث: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٥:٠٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

خمبابا الجديد
ثقافة عربية

خمبابا الجديد

يُحكى أن إنليل، إله الآلهة، عيّن خمبابا حارساً على غابة الأرز في بلاد الشام، وأوصاه بحمايتها. لكن خمبابا ما إن تسلّم مفاتيح الغابة حتى استبدل الحراسة بالنهب، واقتلع أشجار الأرز، واحتكر ثمارها، وأشبع حاشيته، فيما أخذ أهل الغابة يتضورون جوعاً. ومع مرور الزمن، صار الناس يتحسرون على حبة أرز، بعدما…

· 1 د
قصيدة
ثقافة عربية

قصيدة

أنا ذنب الحياة الكبير دمعي يسيل على ضفاف الروح وجسدي مبخرة يفوح منها عطر الغائبين أصابعي أعواد قشّ أحرقتها بعد أن قصمت ظهر الأمل أحاديث الموت الطائشة تخنق صمتي في عيوني صحراء تمتد حتى آخر العالم كلما أمسكت الوقت في كفيّ تساقط حبات رمل جافة وبرفقة كل الضحايا أعبر جسر الحزن الطويل حاملة على صدري…

· 1 د
حائرة مثل النجوم
ثقافة عربية

حائرة مثل النجوم

| شاعرة | سورية تحملُ نورَها تضيء وتحترق. تستعير الأسماء من المجرات وتمضي في قراءة الحياة. لا كتب لا مسرات. كوكب سيّار، تمرُّ تتمنّى وتشتهي. بلا خيارات تسقط الشهب من الأعالي تضيء مرة واحدة، ثم تموت. امرأة تستعير من النجوم أحزانها وتزداد إشراقا بالضوء، كي لا تـأكلها الهالات السود. متوهجة مثل عطارد،…

· 1 د