لتأبين
(١)
توسَّطتِ الشمس كبد السماء، والَّتي عَدِمَتْ في تلك الظهيرة أيَّ مَلْمَحٍ للسحاب. لا يُرى بها طير أو حتى ورقة شجر هائمة أو تائهة. لا ظل يُبّرد الأرض إِلَّا مما سُقِفَت به مَنَصَّة خَشَبية ذاتُ تيجانٍ من أَشْجارِ النَّخِيل، يبدو أنها قد أُنشئت على عجل كي تتوسط ساحةً صغيرةً، تحيط بها بيوت مكعبة وذات طابق واحد في معظمها. غلب على كل شيء هناك لون الأرض والرمال المحيطة بها فلو قُدّر للمرء أن يرى المكان من علٍ، لما ميّزه كثيرًا عن الصحراء التي أحاطت به من كل صوب وابتلعته، بدا المكان بكل ما فيه فريدًا وعجيبًا.
ازدحمت الساحة حتى إنك تسمع أنفاسَ الحشدِ ووقعَ أقدامِ الناسِ مضخَّمةً ومزعجةً، وإن كان الجميعُ صامتين، لا حديثَ ولا همس. ثم فجأة، توقفت الأقدام وحُبِسَت الأنفاسُ عندما صعد إلى المنصة شيخٌ عظيم الجثة، وشَتْ ملابسه وسماتُه أنه غريبٌ عن المكان، فهو لا يشبه من يعيشون فيه بزيه أو هيئته. اتَّشح بثوبٍ أسود وعباءة حريرية سوداء، شبه شفافة، وقلنسوةٍ خضراءَ كبيرةٍ ومزركشة، بينما عكسَ بياضُ جبهته ولمعانُ بشرته كثيرًا من الضياء الحارق المنبعث من كل شيء، فزاد ذلك وجهه ضياءً فوق ضياء وتوهجًا فوق توهج. وقد ضاقت الساحة في قيظ الظهيرة بهذا الحشد العظيم، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وكأن البيوت كلها هُجرت، فربما لم يبق خارج الساحة أحد.
رفع الشيخ يده كإشارة بأنه سوف يبدأ الخطبة، فتطلعت عيون المحتشدين بفتور إلى المنصة حيث بدأ الخطاب في تؤدة وطمأنينة، فأكدت لهجته ما وشت به ملابسه وهيئته من قبل؛ هو ليس من هنا:
"تقدست روح المعلم، تحية لا تهجروها".
تُسمع أصوات همهمة من الحشد وكأنها رد تلقائي محفوظ؛ يستمر الشيخ:
"'أي بُني، أسدل السُتّر، أطفئ المصابيح، فداخلي مشرق كشمس الصباح.'
نعم، تلك كانت كلماته الأخيرة، تقدست روحه، قبل أن يغمض عينيه، لقد أَسدل الستار، فحل الظلام، ذهب بمصابيح السماء وأنوار العالم، في يوم من ربيع الصحراء، حيث شعاع الشمس يخترق حتى الحجر. ليس الربيع الذي نعرفه من حيث أتينا!" ينظر إلى مجموعة بين الحشد تشبهه في الزي والملامح، كان يتوسطهم قبل أن يصعد إلى المنصة، لا تُظهر وجوههم، هل هم سعداء أم تعساء أم بلهاء؛ لا انطباع ولا تأثر. يكمل: "الربيع هنا يأتي في أي وقت وأي شهر، يتناوبه النور والظلام، والشمس الحارقة والباردة المدبرة. بالأمس، كان ربيعًا ملتهبًا، عندما أنهى المعلم أيامه الأرضية، وأيضًا كانت بداية ربيع تلك الأرض بعد حلوله بها وبين عشيرته الأقربين. وبين الربيعين، أتم مهمته خير تمام. لست أهلًا بالحديث عنه ولست حافظًا لإرثه، فهو انتقى من يخلفه، شرفه بأن دعاه ابنه، ولم يسم غيره بها، حتى من انتسب إليه بالجسد. دعاه ابنه وإن كان في مثل عمره، وأسماه مختارًا ومفتاحًا للأخبار، وأوصاه بنا وحَمّله نوره، شَرّفه وحده بالتواصل والوصال؛ فلا خيرة لنا بعد ذلك ولا اصطفاء."
توقف الشيخ الغريب عن الحديث حيث أشار بيده وأصابعه ملتصقة ببعضها إلى رجل يتقدم الحشد بمسافة، شيخ مثله، ليس بطول قامته وضخامته أو بياض وجهه، فهو من أهل المكان، يُغَبّره التراب ورأسه عار من أي غطاء، ومن أي شعر أيضًا. عكست صلعته نفس ما عكس وجه وجبين الغريب من وهج الشمس الحارق، دعاه:
"تفضل يا أبا الأنوار يا مفتاح الأخبار".
تجمد الرجل الذي أشار إليه في مكانه للحظة، وكأنه أُخذ بما أيقظه حديث الشيخ الغريب من شجن وبما وُصف به من حديث المعلم عنه. تماسك سريعًا وصعد إلى المنصة يتصبب عرقاً ويفتح بالكاد عينيه، لا ينظر لمن دعاه للحديث ولا للمترقبين، بل رافعاً يديه فوق جبهته ليقلل من وطأة الشمس التي أعمته تمامًا عن رؤيتهم، لكنه بدأ سريعاً بخطابه يجتره اجترارًا:
"لم يمت، لم يولد، تجسد بأمره، ثم عاد إلى ما كان عليه ومن حيث أتى، إلى ما علمه ولم نعلمه. تجسد قليلًا فوهب هذه الأرض روح الاستنارة وهبة الحكمة، أرشدنا إلى طريق الحياة فلم نخط بعد أولى خطواته. رأيناه، نحن عشيرته، ومن أتبعه من الناجين، بينما لم يدر به العالم، وهو لم يبال. هو اختار أن يكون واحدًا منا فكانت حياته قصيرة، وإن طالت، فلا مثقال لها مع أبديته. حياته معنا، وإن قَصُرت، خَلَقت لكم وزنًا وجَعلتكم شعبًا، وعلمتنا كل ما جُهل. مات في العقول العاجزة، لكنه معي، يتحدث بفم الحكمة، يعدني بأن أكون أول من يتبع خطاه إلى الأزلية، كما كنت أول من صدقه في الدنيا الدنية، وحاشاه أن يكذب أو يحتاج مثلي ليصدقه. أتبعه إلى هناك، حيث تجد الروح طريقها إلى من تهوى. أنا خادمه المتواضع وهو شرف لم أستحقه، ائتمنني على النذر اليسير من حكمته، ومفاتيح أسراره، مُختارُه لرحلة النجاة في زمن الغربة والاضطراب. قاتلت نفسي كي أسمو بالروح لتكون طوع أمره فترى ما لا يُرى. اصطفاني، تقدس اسمه، لأكون وقود الزحف على عُميّ القلوب وأصبحُ شهيدًا على انتصاركم على أنفسكم. تضحية شرفني بها، بعد أن أتاح لي الخيار أن يضمني إليه في ملكوته، ضيف على موكبه الشريف، فتوسلت إليه أن أبقى هنا لإكمال المكتوب، والذي تم به وأنا طوع إرادته، حتى تكونوا جميعاً معي خلف موكبه.
أنا هنا من أجلكم، لن أترككم للغرباء وعُمي القلوب، من لم يقبلوا النجاة، الذين هم كل العالم."
توقف المختار عن حديثه فجأة، اختنقت كلماته، وسالت الدموع من عينيه. حاول إخفاءها عن الناظرين، فنزل سريعًا عن المنصة وسجد أمام تابوت يغطيه قماش حريري أخضر، مخفيًا وجهه خلف التابوت. بقي دقائق يهمس بخشوع قبل أن يصمت لوهلة ثم يقف وقد امتلأ وجهه بابتسامة منيرة، رافعاً يديه إلى السماء مستبشراً:
"لقد نجونا. هو حي، ولكن لا ترونه، لقد صَدَقْتكم، لم أشك في ذلك طرفة عين؛ إنه روح أزلية. يا أبنائي وإخوتي، لا تخشوا الظلمة التي حلت بعد أن جفانا نوره فهي لن تدوم، هو أنبأني من فوق عرش الأبدية الذي اعتلاه. أعطاني مهمة أولى هي أن نواري التراب جسده الدنيوي والذي زكي يوماً بكينونته، نحفظه إلى الأبد وإن كان هو من سيحفظنا إلى أن نلقاه في العلا. لقد أمرني أن يوارى ها هنا، حيث عَطّرت أنفاسه الأخيرة هواء صومعته.
الوسيلة والزاهد
(٢)
استمر المختار في حديثه المتفاني في تمجيد وتقديس المُعلم وكأنه سيتكلم إلى الأبد، بينما لم يبد التأثر على الجمهور بالرغم من حرارة الخطاب. وكان بين هذا الحشد، الذي لم يعد يزينه الهدوء ولا التفاؤل، سيدة لا تدري لها ملامح، إذ تختفي وراء نقاب ورداء وخمار جميعها بيضاء، وكأنها اتخذت كفنًا زيًا لها ليتماشى مع الحدث، إنها أرملة المعلم الوسيلة. وقف بجانبها ولدها الوحيد الشاب الزاهد، رُبعه من الرجال، يظهر على يديه نعومة العيش وسمو النشأة وقد بدا عليه عدم الرضا مما يسمع. تهمس الأم لولدها من وراء اللفائف التي ترتديها: "المختار! المنافق والعراف المزيف. يعلم جيدًا وقد أُخبر من سيده، أن كل شيء لم يكن إلا ليصبح ميراثًا ممتداً لأهل بيته، وأما ما أظهر الأفاق من سحر الكلام والنبوءات والدموع الزائفة، فنحن نملك منهم أضعافًا، لن يصدق أحد من هؤلاء دموعه ورسائله المبتذلة. شاء هذا الدعيّ أم أبى، نحن من سيخلفه في المال والجاه والسيادة، بل وكل شيء فلا نزاع في ذلك. ليس مختارًا، بل عبد لنا آتيناه بعضًا من فتات موائدنا فارتقى ليصبح خادمًا لا أكثر."
متأثرًا بكلام أمه، تدفق الدم في رأس زاهد وأحمر وجهه وهم بالحديث ومقاطعة المختار، ولكنه تمالك نفسه فرفع يده بأدب يطلب الكلمة. تلقف المختار صادق إشارته على الفور ويبدو أنه فهم ما قد يقوله وكم التحديات إذا تصرف بحمق، وبحماس عاد يتحدث مرة أخرى:
"الابن الحبيب الزاهد، أنا هنا من أجلك، كما أني من أجل كل من آمن. عَلمت أنك ستكون أول من سيرفع يده لدعم تكليفي، علمت أنك السراج المنير الزاهد الأمين، الهادي للخير، العارف بالمختار بعد أن يُسدل الستار، وكأن كل ما أطلعني به، تقدست روحه، يحيا أمامي الآن."
ومع مهارة صادق في الرد، أصبح زاهد في وضع لا يسمح له بالتعبير عن سخطه أمام الحشد الغفير والعيون الجاحظة والشر المستطير المطبق على الساحة. بهدوء خفض يده وكأنها أدت المهمة، لم يثق في رد فعل الجموع، فاختار أن ينتظر نهاية المهزلة؛ فلربما ينقلب الثائرون من الحشد على المختار فيتكفلون به، ويكفونه خطر مواجهته. فعكس رأي أمه، هو يعتقد أنه مع رحيل المعلم، لا أحد سوف يرضخ لمن سيخلفه، لا صادق ولا زاهد ولا غيرهما، لن يخضع أحد من الرعية بعد الآن.
وبعد تخطي عقبة يد زاهد، يسترسل المختار أكثر في سرد ذكرياته مع المعلم، فيحكي كيف كانا رفيقين منذ الصغر، وكيف كان المعلم هو دليل الهداية والعلم لأقرانه وأقلهم شطحات وأكثرهم أدبًا، فشهدوا له جميعًا بالسبق قبل أن يدروا أن هو هو. ولم ينازع مكانته أحدًا، فعلمه من الصغر وملكاته لم تكن لتخفى على بشر.
ومع استفاضة المختار في سرد مكارم المعلم وإظهار فضله وقربه الشخصي منه، زادت الجموع تململاً وحزنًا. وأصبح جليًا أنهم لا يستمعون للتأبين، ولم يأتوا من أجله، بل ليدركوا حظاً من التركة. فقد شاع بين الناس أن المعلم لن يترك شيئاً من متاع الدنيا كان له دون أن يجعله قسمة بين أتباعه. ولكن الشيوخ على المنصة لا يتحدثون عن ذلك، بل بدت كلمات التأبين وكأنها تهدف إلى تقييد الجميع، وتحفيز للمساكين أن يكونوا طوع يد المختار المستخلف.
يخرج أحد الرجال من الصفوف ويصرخ دون استئذان:
"لا نريدك، كنا نطهر أموالنا ونوقر معلمنا بإراداتنا وليس لنا حاجة بمن يعتقد أنه يخلفه فينا، لا أنت ولا غيرك، صبرنا وتحملنا من أجل أحلام ورؤى، طفح الكيل وخلت البيوت من الزاد، فأين الوصية وأين حقنا؟"
يسمع خليط من أصوات التأييد والنهر وإن كان صوته لم يتجاوز كثيرًا الحيز الذي تكلم به ولم يصل إلى المنصة إلا كثرثرة بعيدة، بينما سارع بعض من حوله بإخماد صوته وتحذيره ثم جره إلى آخر الصفوف.
الوصية
(٣)
يختتم المختار كلمات التأبين والتقديس ويبدأ صلاة بكلمات غير مفهومة ينهيها بالدعوة إلى بدء مراسم الدفن. ترتفع الأصوات، وبعض الصرخات ولا تدري أهي حزن أم اعتراض.
هنا يطلب الشيخ الغريب الكلمة من المختار وبأدب يطالب الحشد بالسكون، فلما اطمئن أن الهدوء قد عم، أخرج لفافة من خلف عباءته تظهر بوضوح ختم المعلم الشمعي الأحمر، ويدعو المختار لتفحصها ثم يستأذنه أن يقرأها، يرتبك المختار ولا يملك إلا أن ينفذ طلب الغريب فيفض الختم ويبدأ بقراءة اللفافة:
"هذه وصية المعلم تقدست روحه إلى الأبد:
يا أمتي، يا من اجتمعتم على تقديس الروح ونبذ الجسد، تركت فيكم ابني الذي أخترته ولا أبالي، فهو من أذنت له أن يعري جسدي ثم يهيل عليه التراب، لن أبلى فأنا بالعلياء أعيش، ولكن سوف أعطر الأرض، إليكم أترك جسدي في أرضكم وتلك هي تركتي، أرضكم تصير عطر الدنيا، ومثوى لأزكى الأجساد."
هنا سُمعت بوضوح أصوات اعتراض وتأفف وتزمت ثم بصراخ أحدهم:
"ترك لنا رمته وأين الذهب الذي جمعناه له طوال حياته."
تعلو الأصوات والجلبة ويتشابك البعض بالأيدي.
يتدارك الشيخ الموقف ويدعو الجميع إلى الهدوء، ثم يسرع بقراءة فقرات أخرى من الوصية:
"اعلموا أنكم شعبي وأنكم أبصرتم مجدي، جسدي مجد لكم وسوف تعلمون، هنيئًا للشيخ الغريب، فقد وليته شرف دفنِ جسدي وللمختار تعريته وإهالة التراب ولا يراني غريب أو قريب فليحتجب كل غريب.
لن أنبذكم هاهنا بلا متاع الأرض فأنتم حبيسي زيفها. الغريب بعث لكم يخرج ما انتظرتم وما لم يخطر على قلب بشر، لن يخلو بيت من الزاد ولن يجوع طفل أو عجوز أو امرأة، طوال حياتهم."
تغيرت وجوه الثائرين، وظهر على الجميع الترقب والاطمئنان، وارتفعت الصيحات من خلف الصفوف: تقدست روحه، تقدس اسمه، هو المعلم - حيٌ وإن ماتَ.
أشار الشيخ الغريب بيديه ثانية راجيًا الهدوء، ثم أكمل:
"لقد رصد لكم المعلم جعلاً، كلّفني بأدائه، هو أجرٌ لموالاته في حياته، وترك لكم كنزاً جائزة من كرمه وفضله، وسوف نستخرجه لكم كما شاء، طابت حياته وطاب مثواه."
ابتهج الجمع واستبشروا بينما ظهرت آثار تلك الكلمات على وجه المختار فغارت الدماء منه وكأنه تلقى صاعقة، ذهب الخشوع والإيمان وظهر الوجوم والقلق.
يحدث نفسه:
"أي جعل ولماذا؟ الجميع هم رعية لا يستحقون منا شيئًا، واجبهم أداء ما جبلوا له وأن يعيشوا ليكملوا ما عليهم، وأيُّ كنز يستخرج هذا ومن أين؟ وكأن هذا الغريب يعلم ما لا نعرف وقد مكن في خزائن أرضنا."
يقترب المختار من الشيخ الغريب ويحدثه بصوت خافت:
"وصية المعلم أمر ما بعده أمر، ولكن هل سنقع الآن في فخ نصب لنا جميعًا، ربما بنية طيبة؟ ما علمت بهذا الجعل من المعلم، ولا بالكنز ونحن لا ندخر شيئًا، فماذا تعني؟ إن كنت تقصد الروح والإيمان، فأخشى أن يأخذ كلامك العامة على ظاهره ثم يحبطون ويثورون إذا علموا الحقيقة."
يتغير وجه الغريب ويظهر التعجب لما سمعه:
"يا مختار، يا صادق، حاشاي أن أكذب أو ألفق، ما أقوله لك حق وهذه الوصية حق. أراد المعلم لكم الخير، واختارني لهذا السر، بينما اختارك لتملك الأمر."
لم يقتنع المختار كثيرًا بهذا الحديث، ولم يسعفه تفكيره في تفسير ما يحدث، فالختم، ختم المعلم، والشيخ الغريب كان قد سمع عنه من المعلم، والكلام الذي بالوصية كلام المعلم فاضطر أن يساير الغريب حتى يتضح الأمر.
"حسنًا، دعني أتم الشعائر أولًا، ثم أرني ماذا تقصد بتلك العطايا وأين هي؟"
رد الغريب:
"كل شيء سيتم كما كتب وأنت حجر الزاوية هنا، وكما الوصية، أنت تعري الجسد وأنا أدفن، ثم بعدها تهيل التراب، حتى إذا تم المراد، نوزع على كل رجل نصيبه من الجعل ونستخرج الكنز ليتم الوعد ومن حيث أتينا يكون العود."
توزيع التركة
(٤)
بعد الحديث المقتضب مع المختار، أدار الشيخ الغريب القلنسوة فأصبحت تخفي وجهه كله بغشاء سميك، شفاف عند العينين، وكذلك تبعه كل الغرباء دون إدراك لمغزى غير ما أراده المعلم.
أشار الشيخ الغريب إلى المختار ليحملا معًا النعش على ألا يتبعهما أحد. نزلا معًا درجًا يؤدي إلى غرفة الدفن المعدة آنفًا وقد طلبا قبل أن يذهبا من الجميع الانتظار والسكون في الأعلى، مُعزين كل أمر إلى وصية وتوجيهات المعلم، بينما توجه الأتباع الغرباء المحجبون إلى خلف المنصة، فجلبوا صناديق الجعل الذي بالوصية وقد أخفوها من قبل حتى تتم المراسم والدفن. بنظام ويسر وضعوا صندوقًا أمام كل صف أو مجموعة من الجمهور، يحرسه فرد من الغرباء. تهلل الجميع وانتظروا في حماس الفوز بعطاء المعلم الذي لم يبخل عليهم حتى بعد الممات.
فجأة يخرج الشيخ الغريب من القبر باكيًا متأثرًا بما أتم، ولكنه يتماسك ويقول "الفراق أصعب لدي من الممات، قد تمت المشيئة، وتركت المختار يهيل التراب ويناجي معلمه كما أراد، بينما أنا صعدت لأنفذ ما تبقى من الوصية.
يأمر الشيخ الغريب أتباعه: "فلتخلعوا القلنسوات وتتركوها خلف المنصة، فجسد البار قد وُوري بالتراب فلا داعي للاحتجاب"، يطيعون الأمر، ولكنه يترك قلنسوته كما هي تغطي وجهه تماماً. ثم يخاطب الجموع:
"ليلتف الجميع حول الصناديق لتروا فك الأختام وتشهدوا لنا بالأمانة في نهاية الأيام."
الجميع يكونون دوائر تلتف حول الصناديق بتسابق وتلاحم.
فجأة يسمع صوت حشرجة وحركة قرب مكان القبر. تتحول الأنظار باتجاه الصوت ثم تصرخ إحدى النساء:
"حقًا قام المعلم".
يأمر الشيخ الغريب أتباعه أن يفكوا الأختام ويفتحوا جميع الصناديق بنفس اللحظة. وقبل أن يشرعوا في تنفيذ الأمر، يظهر المختار زاحفًا من درج القبر إلى الأعلى يقطر دمًا ثم يسقط إلى الأرض. تعلو صرخات القوم وينظر الجميع إلى المختار المغدور، بينما يفتح الغرباء الصناديق فتُسمع أصوات كسر زجاجات وفرقعة ينتفض لها الجميع ولا يدرون ماذا يحدث، بينما يتصاعد غاز أصفر كثيف من كل ناحية. يحاول الناس الهرب في كل اتجاه، فيستنشقون من الغاز أكثر ويسقطون مغشيًا عليهم. يجرى إلى الشيخ الغريب أحد أتباعه محاولًا النيل منه، صارخًا:
"غدرت بنا أيها اللعين."
يدفعه الشيخ بقدمه فيسقط ولا يستطيع النهوض ثانية. بينما يتساقط الكل صرعى حول الصناديق.
يحدث نفسه بصوت عال:
"المعلم يريدكم بجواره، نعيمًا لكم، وقد بَعثت له مختاره أولًا، كما أوصى، سوف أتعذب أنا بذكراكم، وبالذهب."
يخرج الغريب خريطة ملفوفة من عباءته ويحدد مكان السرداب حيث يوجد كنز المعلم، بجوار حجرة الدفن. يمضي بلا تردد، لا يكترث بمن يموتون حوله، وقد شلهم الغاز وتركوا يختنقون بما ملأ صدورهم.
يدخل الغريب السرداب ويغيب قليلًا ثم يصعد بصندوق ثقيل جدًا، عليه قفل غريب الشكل. يحاول أن يترك المكان لاهثًا بين الجثث التي زحمت طريقه ليجد أمامه جثة أرملة المعلم وبجوارها جثة الزاهد وعيناه جاحظتان وفمه مليء بالرغوة، بينما لا يُرى من الوسيلة إلا قلادة المعلم حول رقبتها المغطاة وبها مفاتيح الجنان، كما أسماها المعلم، يتركهما وينطلق ثم يتذكر قفل الصندوق فيعود للجثة لينتزع القلادة من رقبتها فيسقط فجأة فوق جثة الزاهد ويصبحا معًا في بركة من الدماء، فقد باغتته الوسيلة بخنجر في رقبته، فقطع شرايينه. فهي لم يهلكها الغاز بعد أن حمتها لفائف الملابس وحجابها الكثيف فتظاهرت بالموت طلبًا للنجاة.
تنهض الوسيلة تسعل وتتنفس بصعوبة فترفع قلنسوة الغريب لتنظر في عينيه وهو يحتضر، ثم ترفع النقاب قليلاً فتبصق بوجهه وتركله بشدة، وتمضي في طريقها لا تلتف لجثث شعبها ولا حتى ابنها، تغطي وجهها جيدًا، وفي رقبتها قلادة المعلم لتختفي على الأفق.
عودة الربيع
(٥)
عاد الربيع هذه المرة فلم يجد المكان كما كان، أو ربما وجده كما كان دائمًا. اختفى البشر وحتى الجثث كأنها لم تكن، فقد أضافت الصحراء طبقة وفيرة جديدة من الرمال على كل شيء فأخفت معظم الملامح وأكلت الشمس وتقاسمت معها الضواري ما تبقى. بينما بقيت المنصة معلقة على تيجان أشجار النخيل بعد أن زخرفتها الرمال والرياح والطيور وربما الأمطار النادرة وقد اتخذت الغربان أعشاشًا فوقها. أصبح كل شيء يشبه ما حوله فلا يبدو له ملامح من أعلى أو من أسفل. بينما بقيت الشمس الحارقة تضيء المكان كالجمر، ولكن دون أن يستغيث منها أحد.
يطير غراب إلى عشه الذي تفنن في بنائه من الريش والخشب والأغصان وبَطّنَه بقماش أبيض ناعم، وعلى طرف العش تلمع تحت أشعة الشمس مفاتيح ذهبية متدلية من قلادة.
يسود المكان هدوء وسلام.
موت المعلم - قصة قصيرة

آخر تحديث: ٢٣ آب ٢٠٢٦ في ١٢:٣٨ م






التعليقات