انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مواعظ الشيخ نبهان

عساف سلامة السلمان
عساف سلامة السلمان

قاص وكاتب سوري

6 دقائق للقراءة
30 مشاهدة
مواعظ الشيخ نبهان
مشاركة:

ارتفعت قهقهة الرجال عندما أقبل الشيخ نبهان نحوهم، يتهادى في مشيته، ويلفّ عنقه بقطعة صوف بالية لا تقيه برد كانون.

قال أبو العز، وهو يواصل دقّ اللبن بشاكوشه الصغير:

"رح يدوّخنا بسوالفه!"

ردّ عليه أبو العيد، وهو ينتزع لبنة من الجدار:

"شوفوا، بعد شوي بيبلّش يعطينا تعليمات وأحاديث عن الدنيا والآخرة!"

سمعتهما أم محمد، فالتفتت إليهما بوجه غاضب، وقالت:

"مو عيب عليكم تستهزئوا بالشيخ نبهان؟ رجل درويش، على باب الله، وما أذى حدا بحياته!"

ثم استقبلت الشيخ بابتسامة عريضة، كأنها تستقبل وفداً من كبار المسؤولين:

"أهلاً وسهلاً بالشيخ نبهان، بركتنا! تفضّل، تفضّل."

ناولته استكانة شاي ساخنة، وقالت وهي تنظر إلى معطفه الخفيف:

"هاي الاستكانة تدفّيك أحسن من البردسون اللي لابسه. يا شيخنا، البرد بكوانين هالسنة يقطع المسمار!"

جلس الشيخ قرب الجدار، وراح ينفخ بين كفّيه، ثم يرتشف الشاي على مهل. كان أبو العز وأبو العيد منهمكين في تفكيك جدار البيت، لبنةً لبنةً، كأنهما ينزعان جلداً عن حيوان ميت.

نظر إليهما الشيخ وقال:

"ما أهون الخراب!"

همس أبو العز في أذن أبي العيد:

"مو قلتلك؟ اسمع المواعظ! كل الناس بتعرف إن الخراب أهون من العمار. جرّب ابنِ بيتاً، وشوف شو بيصير بظهرك!"

كتم أبو العيد ضحكته، وأكمل عمله.

كان الرجلان يستعدّان للرحيل إلى الطبقة. فقد شاع أن السد سيغرق القرية، وأن مياه الفرات ستبتلع البيوت والحقول والطرقات، وكل ما ادّخره الناس من أعمارهم. قرّرا أن يفكّكا بيتيهما الطينيين وينقلا اللبن إلى موطنهما الجديد؛ فالبناء القديم، مهما كان متواضعاً، يظلّ أرخص من أن يبدأ المرء حياته من الصفر.

أما الأعمدة الخشبية التي حملت أسقف البيوت سنوات طويلة، فقد أخذتها بعض الأسر إلى شاطئ النهر، لتغسل عنها غبار السنين قبل أن ترحل بها إلى المكان الجديد.

قال الشيخ نبهان، وهو يراقب الرجال والنساء يتحركون بين البيوت:

"الفرات زايد اليوم. صارت المي تقرّب كل يوم."

لم يلتفت إليه أحد. كان الجميع يعرفون أن الفرات يرتفع، وأن السد لا يعرف المزاح، وأن القرية التي عاشوا فيها أجيالاً صارت فجأة شيئاً يمكن محوه من الخريطة بقرار هندسي.

وفجأة، أطلق أبو العيد صرخة دوّت في المكان:

"يا ساتر! لدغتني عقرب!"

ترك الشاكوش وقفز إلى الخلف، وأمسك بقدمه. كانت عقرب سوداء قد خرجت من شقّ في اللبن، ثم اختفت بين الأنقاض. ففي الشتاء، تختبئ العقارب في الشقوق طلباً للدفء، وتبقى هناك حتى يأتي الصيف فتعود إلى العلن.

ضحكت أم محمد وقالت:

"تاتشوفوا خطيّة الشيخ نبهان! طول النهار عم تسمعوا مواعظه، وهالسع إجتكم العقرب لتذكّركم إن الدنيا مو كلّها ضحك!"

لم يضحك أبو العز هذه المرة. كان أبو العيد يتلوّى من الألم، وقد بدأ الخوف يظهر في عينيه.

نهض الشيخ نبهان، ووضع استكانة الشاي جانباً، واقترب من المصاب.

"أعطيني إيدك يا أبو العيد."

مدّ أبو العيد يده إليه، فأمسكها الشيخ، وتأمل موضع اللدغة بقلق. ثم حاول تهدئته، وربّت على كتفه قائلاً:

"ما تشوف شرّ. إن شاء الله بتقوم بالسلامة."

لم يقل موعظة واحدة، ولم يتحدث عن الدنيا الفانية، ولا عن الصبر على البلاء، ولا عن عجائب الخلق. اكتفى بأن يساعد الرجل الذي كان قبل قليل يسخر منه.

ثم نهض، وشدّ معطفه البالي حول جسده، ومضى في طريقه، تاركاً وراءه استكانة الشاي نصف ممتلئة.

ظلّ أبو العز ينظر إليه حتى غاب عن الأنظار، ثم قال بصوت خافت:

"والله يا أبو العيد، طلع الشيخ أنفع من كل هؤلاء الناس!"

ردّ أبو العيد، وهو يتأمل موضع اللدغة:

"إي، بس لو كان بيعرف يبني سدود، كان وفّر علينا هذه الرحلة كلّها!"

ضحك أبو العز، لكن ضحكته هذه المرة كانت قصيرة، وانطفأت سريعاً.

عاد الرجلان إلى تفكيك الجدار، لبنةً وراء لبنةٍ، حتى صار البيت الذي شهد ولادتهما وأفراحهما وأحزانهما كومة من الطين اليابس.

وفي المساء، ارتفع من جهة النهر صوت الماء وهو يضرب الضفاف.

توقّف أبو العز عن العمل، وأصغى قليلاً، ثم قال:

"أبو العيد، بتعرف شو الغريب؟"

"شو؟"

"الشيخ نبهان قال: ما أهون الخراب. وأنا كنت مفكّرها موعظة سخيفة. هلّق فهمت إنه كان عم يحكي عن شي أكبر من هالحيطان."

نظر أبو العيد إلى اللبن المكدّس قرب الطريق، وإلى الأعمدة المغسولة على الشاطئ، ثم قال:

"يمكن كان عم يحكي عنّا نحنا كمان."

لم يجب أبو العز.

كان الفرات يقترب، والقرية تستعدّ للرحيل. كان الناس ينقلون حجارتهم وأخشابهم وذكرياتهم، كأنهم يستطيعون حمل الوطن على ظهور الحمير والشاحنات.

أما الشيخ نبهان، فقد عاد إلى بيته الصغير، وأغلق الباب في وجه البرد.

وفي الصباح، لم يظهر الشيخ نبهان لصلاة الفجر كعادته. تساءل أهل القرية عمّا أخّره، وهو الذي اعتاد أن يطرق أبوابهم واحداً واحداً، يوقظهم للصلاة قبل أن يطلع الفجر.

قال أحدهم:

"غريبة! الشيخ نبهان لهلّق ما مرّ من هون؟"

فردّ آخر:

"يمكن تعبان من برد مبارح."

لكنّ أبا العز، الذي اعتاد أن يسمع طرقات الشيخ على بابه كل فجر، شعر بالقلق. ترك ما بيده، ومضى نحو كوخ الشيخ.

وقف عند الباب ونادى بأعلى صوته:

"شيخ نبهان! شيخ نبهان! اشوف شمسك عالية!"

لم يجبه أحد.

دفع الباب ودخل. وجد الشيخ مستلقياً على الجودل، وعلى وجهه ابتسامة هادئة، كأنّه غارق في حلم جميل. اقترب منه، وهزّ كتفه برفق، ثم أمسك بيده ليوقظه، فسقطت يده بلا حراك.

تجمّد أبو العز في مكانه. لم يصدّق ما رأته عيناه. هزّ الشيخ مرة أخرى، وناداه بصوت مرتجف، لكنّ نبهان ظلّ ساكناً، وابتسامته لم تفارق وجهه.

خرج أبو العز مسرعاً، كالمجنون، يركض بين الأزقة ويصرخ بأعلى صوته:

"يا قوم! مات الشيخ نبهان! مات الشيخ نبهان!"

ثم أضاف، وقد اختنق صوته بالبكاء:

"ماتت البركة!"

تجمّع أهل القرية، وتركوا ما بأيديهم من لبن وأخشاب وأمتعة. وقفوا أمام كوخ الشيخ، عاجزين عن الكلام. بعضهم بكى، وبعضهم ظلّ يحدّق في الباب المفتوح، كأنّه ينتظر أن يخرج منه الشيخ بمعطفه البالي، ويلقي عليهم تحيّته المعتادة.

اقتربت أم محمد، ووضعت يدها على فمها، ثم جلست على الأرض وهي تبكي.

"يا حسرتي عليك يا شيخ نبهان! من يفيّقنا لصلاة الفجر بعدك؟"

لم يجبها أحد.

كان أبو العز واقفاً عند الباب، ينظر إلى استكانة الشاي التي بقيت في ذاكرته منذ الأمس، وإلى معطف الشيخ البالي الذي لم يعد يقي صاحبه برداً ولا حرّاً. تذكّر سخريته منه، وضحكته حين قال إن الخراب أهون من العمار، وشعر للمرة الأولى أن الكلمات التي أطلقها الشيخ لم تكن موعظة عابرة، بل شيئاً أكبر من فهمه.

شيّع أهل القرية الشيخ نبهان إلى مثواه الأخير، ودفنوه في قبر لعلّه كان أكثر دفئاً من كوخه الذي قضى فيه ليالي كانون الطويلة، تحت سقف لا يقيه برد الشتاء.

وبعد الدفن، عاد الناس إلى بيوتهم المفكّكة، وإلى أمتعتهم المكدّسة على أطراف الطريق. كان عليهم أن يرحلوا، فالفرات لا ينتظر أحداً.

لكنّ أبا العز بقي واقفاً عند القبر وقتاً طويلاً. انحنى، ومسح التراب بيده، ثم قال بصوت خافت:

"الله يرحمك يا شيخ نبهان. كنت عم تحكي عن الخراب، ونحنا كنّا مفكّرينك عم تتفلسف علينا."

رفع أبو العز رأسه نحو القرية، حيث كانت الجدران تتهاوى، والأبواب تُنزع من مفاصلها، والناس يحملون ما استطاعوا حمله من بقايا حياتهم.

تذكّر الشيخ نبهان، بمعطفه البالي وكوخه البارد، وكيف كان يطرق الأبواب عند الفجر، ويسأل عن الغائب، ويواسي المريض، حتى أولئك الذين سخروا منه.

تمتم:

"راح البيت، وراح الشيخ... وما عاد نعرف شو اللي ضلّ منّا."

لم يجبه أحد.

كان الماء يقترب، وكان عليهم أن يرحلوا قبل أن يصل.

أما الخراب، فقد كان قد وصل قبل الماء بوقت طويل.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

العابر الأخير.
ثقافة عربية

العابر الأخير

لم يكن رشيد يخشى الموت؛ كان يخشى أن يموت دون أن يعرف أيّ الرجلين كان طوال حياته: ذلك الذي رآه الناس في المرايا، أم ذلك الذي ظل يختبئ خلف عينيه. في جناحه الفخم، حيث تتدلى الستائر الثقيلة كأنها أُسدلت على مسرح انتهى عرضه، كان يحتضر وحيدا. على الطاولة ساعة ذهبية، وخاتم مرصع، ومفتاح خزنة، وصورة لرجل…

· 4 د
زهايمر - قصة قصيرة
ثقافة عربية

زهايمر

زهايمر قصة قصيرة سمير عبد العزيز في تلك الشقة الواسعة التي كانت يوماً تضجّ بالحياة والإيقاع المتواصل للضحكات والخُطى، لم يتبقَّ لـ "عائشة " سوى صدى خافتاً لمشيتها ومساحات شاسعة من الصمت الثقيل. كانت الجدران تتنفس ذكريات قديمة: صوراً معلقة بعناية يُغطّيها غبار ناعم، وطاولة طعام لم يعد يجلس إليها…

· 4 د
أوراق السنين
ثقافة عربية

أوراق السنين

أوراق السنين عبدالواحد منيصير لم يكن مصطفى يحتاج إلى تقويم يعلقه على جدار غرفته ليعرف أن العمر يمضي. كان يرى ذلك كل صباح في المرآة الصغيرة المعلقة قرب باب البيت، حين يتأمل الشعر الذي غزاه الشيب، والخطوط التي حفرتها السنوات حول عينيه، واليدين اللتين لم تعودا تقويان على حمل الأشياء كما كانتا تفعلان…

· 7 د