منذ غيابها لم أعد أفرّق بين الغيم الذي يعبر فوق رأسي، والغيم الذي يمرّ في داخلي. كثيراً ما أعود في المساء إلى المقعد ذاته، كأنني أحرس ظلاً تركته هنا، أو أراقب غيمةً بعيدة لا تريد الوصول. لم يكن المكان ينتظر أحداً غيري، ومع ذلك كنت أشعر أن خطواتها ستسبق المطر، وأن ابتسامتها ستتحول إلى صرخة نيزك وتبدّد في عينيّ الليل.
لم أعرف كيف أواصل مسائي دونها؛ فوجهها ومضة فرح تضيء روحي. ورغم أن الغيوم أثقلت السماء، خرجتُ أسير نحو المكان الذي اعتدنا اللقاء فيه.
تمنيتُ أن تأتي ونحكي حكاياتنا تحت المطر، وعند شرفة الليل نكتب أغنية الفرح، لكنها تركت الاسئلة تزدحم في قلبي. جلستُ على المقعد الخشبي، أستعيد ملامحها التي ابتلعها الغياب.
ولأن بيني وبينها مسافات وحب لن ينتهي، انتظرتها وأنا أحتسي صمتي وأناجي المساء، ولا يؤنس وحدتي سوى ابتسامتها العالقة في عينيّ.
كنت أعلم أنها لن تأتي، ومع ذلك كان يغمرني فرح خفي، كأن المكان ما زال يفوح بعطرها. نظرتُ حولي، ومع حنيني شعرت كأنني مرجٌ يداعبه نسيم عليل قادم من أعالي الجبال.
بدأت حبات المطر الناعمة تتساقط، فهيأتُ لها مكاناً واسعاً بحجم القلب وهمست:" كل الأماكن مشتاقة لكِ، وأنا أكثر اشتياقاً، تعالي ولا تحيلني إلى ليل بلمسة غياب ".
أخرجت الورقة التي قدمتها لي في وداعها الأخير من جيبي. يومها قالت لي وهي تضعها في جيب قميصي:
لا تقرأها إلا بعد أن تعود إلى البيت.
لكني لم أنتظر، قرأتها بعد أن غابت عن عينيَّ مباشرة. كانت تحوي جملة واحدة:
" سأغيب قليلاً.. انتظرني ولا تجعل غيابي يتعبك".
قرأت الورقة مرات ومرات، وفي كل مرة كنتُ أراها فيها، وأرى "قليلاً" امتدّ فصار فصلاً بعد فصل، وها هو الربيع يعود من جديد، بينما غيابها يزداد كثافة كغيم شباط.
تذكرتُ ليالي الانتظار الطويل، كم هجرني الوسن، وكم لاعبتُ طيفها، وكتبتها لحناً على قلبي. كنتُ أشعر أنني أعيش أجمل أيامي، أما الآن، فثمة حيرة تنهشني:
"هل أظلّ بعيداً عنها؟ أم أذهب إليها، مهما كانت المسافات"؟
وبينما كنتُ غارقاً في حيرتي، سمعتُ وقع خطوات خفيفة. رفعتُ رأسي بسرعة، فوجدتها ترتسم أمامي، يلفّها ضوء خافت، كأنها خرجت من بين الغيم.
اقتربتْ ببطء، ابتسمت وقالت بصوتٍ يشبه لحنٍ عذب:
ـ كنتُ أظن أنك لن تأتي اليوم."
أجبتها وأنا أكاد أغفو بين ابتسامتها:
ـ كيف لا آتي .. قلبي لا يعرف الغياب؟
ثم أضفتُ وأنا وأشعر بأن قلبي يرفرف مثل طائر خرج من قفصه:
ـ لماذا ابتعدتِ عني كل هذه المدة؟
جلستْ إلى جانبي، وبدا في عينيها شيئاً ما يشبه التعب:
ـ ابتعدتُ عن أمور كثيرة… لا عنك.
ابتسمتُ، ولوّحتُ لها بالورقة:
ـ أمّا أنا فلم أبتعد عنك لحظة واحدة… حتى لو غبتِ خلف غيمة بعيدة.
ـ أما زلتُ تحتفظ بهذه الورقة؟
ـ كيف لا أحتفظ بها وهي منكِ؟
منحتني حديث عينيها للحظات، شعرتُ خلالها أن روحها امتزجت مع روحي، ثم همست:
ـ لن أبتعد بعد اليوم، وسنبدأ من جديد؟
في تلك اللحظة، رأيتُ فيها شمساً صغيرة تخبئ الدفء لأيامنا القادمة.
مددتُ يدي نحوها ببطء، وقلت:
ـ لنبدأ… ولن نفترق وهذا الليل يشهد.
وبينما كانت تبتسم، ويدي تستعير دفئاً من يدها، أدركتُ أن انتظاري الطويل لم يذهب سدى، وأنها لم تبتعد إلا لكي تأتي بما هو أجمل.
قلتُ وأنا أكاد أغرق في حنيني العميق إليها:
ـ آه لو تعرفين كم كتبتكِ بنبض القلب فوق وجداني.
وحين لم أسمع لها صوتاً، رمشتُ بعينيّ لألتقط ملامحها جيداً… لكن صورتها بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً، كأنها غيمة صغيرة تبددها الريح.
ضغطتُ بيدي على يدها، فلم تجد سوى خشب المقعد البارد. عندها فقط انتبهتُ إلى أن المقعد ما يزال خالياً، وأن المطر بلل ثيابي كلها.
مسحتُ شعري ووجهي، ونظرتُ حولي مرتبكاً، لا أثر لأحد، ولا رائحة عطر لمن كانت قبل قليل، تجلس إلى جانبي وتشاركني وحدتي.
مع صوت المطر الذي بدأ يزداد، أدركتُ كنتُ أختلق حضورها كي أحتمل غيابها.
نهضتُ ببطء، وضعتُ الورقة المبللة في جيبي، رفعتُ ياقة سترتي، ثم عدتُ أدراجي ومع كل خطوة، كنتُ أرسل سلاماً لوجهها المرفرف في خيالي.
مقعد تحت غيمة لا تصل

آخر تحديث: ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٢ ص






التعليقات