انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مفتاحٌ في جيبي لا يفتحُ باباً

هيفاء نور الدين
هيفاء نور الدين

شاعرة وأديبة ليبية

2 دقائق للقراءة
19 مشاهدة
مفتاحٌ في جيبي لا يفتحُ باباً
مشاركة:

أحمل في جيبي مفتاحاً لا يفتح باباً.
مفتاحاً صدئاً، لبيتٍ هجره أهله وبقيت رائحته.

أحمله منذ عشرين عاماً، لا لأعود، بل لأتذكر أنني كنت هناك يوماً.
أن لي مكاناً كنت أنتمي إليه قبل أن تصبح كل الأماكن محطات انتظار.

في جيبي مفتاح، وفي قلبي بيت.

بيتنا القديم لم يكن كبيراً. غرفة لأمي، وغرفة للضيوف الذين لا يأتون، وساحة صغيرة فيها شجرة تين كسولة، ورائحة خبز لا تشيخ.
كانت أمي تقول: البيت ليس جدراناً، البيت هو من ينتظرك إذا تأخرت.
والآن... لا أحد ينتظر. الجدران وحدها تنتظر، وهذا أقسى أنواع الانتظار.

يقولون لي: انسَ.
كيف أنسى والذاكرة ليست في رأسي؟ الذاكرة في أنفي، في رائحة التراب بعد المطر الأول، في صوت جارتنا وهي تنادي على ابنها، في طعم الماء من جرة الفخار.
كيف أنسى ما لم يعلمني أحد كيف أتذكره؟

أنا لا أكتب عن الحنين، أنا أكتب عن الخسارة التي ترتدي ثوب الحنين لتكون أقل قبحاً.

سافرت كثيراً. رأيت مدناً مضيئة، وشوارع نظيفة، وبيوتاً لا يدخلها الغبار.
لكني لم أجد حارة تضيق حتى تتسع لنا جميعاً.
لم أجد نافذة تُترك مفتوحة للجيران.

هنا في المنفى، كل شيء مغلق بإحكام. الأبواب، القلوب، النوافذ.
حتى أنا، صرت مغلقاً بإحكام.

أخرج المفتاح من جيبي كل ليلة. أقلبه في يدي. أسأله:
أي الأبواب كنت تفتح؟
باب المطبخ حيث كانت أمي تعجن الصباح؟
باب السطح حيث كنا ننام تحت النجوم ونظن أننا نملك السماء؟

لا يجيب. المفاتيح لا تجيب. هي فقط تذكرك بأن الباب كان موجوداً.

أيها البيت البعيد،
لم أخنك حين خرجت. خنتني أنت حين بقيت جميلاً في ذاكرتي أكثر من الواقع.
وها أنا لا أستطيع العودة إليك، ولا أستطيع أن أسكن بيتاً آخر.

فليبق المفتاح في جيبي
ثقيلاً، صدئاً، بلا فائدة
مثل قصيدة عن وطن لا يقرأ

مشاركة:

آخر تحديث: ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٤٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مشاعر بُتِرَت
ثقافة عربية

مشاعر بُتِرَت

فاطِما خضر شاعرة وأديبة سورية عيناكَ مطرٌ يدُكَ ارتعاشُ طيرٍ صدرُكَ بركانٌ ملجومٌ في قلبِك برقٌ ورَعدٌ بينما يقولُ أحدُهم «كنتُ أمزح» . ككلِّ الأطفال كنت أعدُّ النّجومَ قبل النَّوم . كبرتُ.. استبدلتُ بها عدَّ شظايا قلبي التي لم تؤذِ يومًا أحدًا حتَّى الأحباب الذين داسوا عليها! . حتَّى البلاد التي…

· 1 د
تميمة عشق
ثقافة عربية

تميمة عشق

| شاعرة وأديبة | سودانية "الله لو تعرف كم هو مرهق البحث عنك.." وبحثت عنك.. في رحلتي عبر الطريق من الجحيم إلى الجحيم.. فتشت عنك ولم أجد.. إلا المرارة والجراح.. وما تبقى من حطام صبيةٍ.. تقتات من صبر الهموم.. ولذة الفرح الأليم.. وبحثت عنك.. وكنت يوماً قد دسستك.. خلف باب القلب خوفاً أن يروك.. وعليك…

· 1 د
جام الوجع
ثقافة عربية

جام الوجع

لا تحدِّثني بحقِّ اللهِ عن وطنٍ أصمٍّ أبكمَ أعورَ وطنٌ يمنحُ كنوزَه لفردٍ نصَّبَ نفسَهُ رباًّ والشعبُ عبيدٌ لا تحدٍّثني عن وطنٍ حرائرُه تأكلُ بالنهودِ القيودُ والسجونُ تنتظرُ كلَّ من يندِّدُ بالسرِّ والمجاهرُ مفقودٌ لا تحدِّثني عن وطنٍ الكلُّ فية مغلوبٌ مسلوبٌ لم يبقَ له شيءٌ غير الهواءِ فهراءٌ إن…

· 1 د