تقلقني تلك النَّبرة التي تفتش في الضَّمائر، للأمانة، فقد جاء صوته ثقيلاً كالجبل، يهمس في دهاءٍ ملحاح، يُبالغ في اصطناع الثقة، أعرف أمثاله ممن يعانون -غالباً- من الخواء وعقد النقص: «ألو معك مهندس محمد شباب»، بلكنة شامية غير مريحة. بدا صاحبنا أكثر انتفاخاً، وطَلبَ في كبرياء تحديد موعدٍ للقاء.
اتصلت بصديقي الذي طمأنني؛ فقد أنهى كل ما يخص مسألة التوظيف. بعدها تحرَّك شيء ما في رأسي، لم أنشغل بالموعد المضروب انشغالي بذلك البالون المنتفخ، انتابتني حالة من التَّنمر لم أستطع مقاومتها، أردد بصوت مسموع كلماته في ميوعةٍ مثله وكأنَّني أَنْتَقِمُ لنفسي. لفترةٍ استأثرت بي تلك الخيالات، ومن جديد يحوم من حولي العبث..
عند المساء ارتميت فوق الفراشِ في إعياءٍ، وأغمضت عينيَّ، سريعةً مرَّت أمامي ساعات النهار، يتأتّى صوت صاحبنا الثقيل ينزعني نزعاً، وظللت بين كرَّ وفر حتى غلبني النوم. فتحت عينيَّ في ارتياعٍ على صوتِ المنُبِّه، كان الصباح رخواً، مشبعاً برغوة لزجة ،.
دخلت من باب الإدارة لأول مرةٍ، لم أجفل، وكأننَّي أكوي عواطفي. تلقائياً قصدت غرفته، أشار عامل البوفيه نحوها في إهمال، وبصوت هشٍّ قال: «هناك»، وأكمل تقليب "كنكة" البن
حاولت استرجاع الحوار الوهمي الذي اختلقته، كلمات مرّنت نفسي عليها بالأمس، قلَّبت الذاكرة المُحتشدة بعشراتِ الإجابات، لكنها جميعا تبخّرت ،لكني أتوقع الشر القادم ،العبارات الحادة، الهجوم غير المبرر، معركة الندّ للندّ، لم يسعفني المقام بغير حديث صديقي الأخير، وأثلجت صدري ضحكته الساخرة ليثبّت الثقة في نفسي: «أولاً هو مش مهندس ولا بطيخ!".
انفلتت ابتسامة لطّخت شفتي، وأظهرت حماستي الملتهبة التي دفعتني دفعاً قوياً. على باب الغرفة زايلني خياله: قزم أصلع، مستدير الرأس، التصقت رقبته بكومةٍ من اللحم المترهل، انبعج فوق كرسي كبير في حلة رسمية مهلهلة ورابطة عنق كالمشنقة ، !
في ذهولٍ ألقيت إليه التحية وأنا أكتم ضحكتي، وفي عَجلٍ عرّفته بنفسي. قام من مكانه في تثَاقلٍ مزعوم، ولمعة الغيظ تطفر من عينيه. اقترب بوجهه أكثر، وأذهلني عن نفسي وهو يدفع كرشه العريض من أمامه، يتبعه مفتخراً. وفي وَنَسٍ التقم راحتي بين يديه، وضغط عليها في تَخابثٍ كلصٍ محترف. أستشعر أنفاسه، ذلك النتن المنبعث من بين أنيابه الصفراء ورائحة الدخان. شدّ من الهواء نفساً عميقاً، كَسَر عينه اليمنى حتى أغمضها تماماً وهو يقول: «أهلين كيفك يا زلمة». أستشعر به وقد ضَاقَ خُلقه، يقاوم شيئاً مَأزوماً،.
توقف الزمن للحظات حتى عاينت تفاصيل جسده المكتنز؛ راعتني فروة الشعر الأسود التي تكسو أنفه المكعوف، أصابعه المغرقة بالخواتم. تملصت من كل هذا في حَالةٍ من الزهق، وارتميت على أقرب كرسي،.
بدون مقدمات صرخ بصوت مرتفع يستدعي عامل البوفيه، أخرج علبة الصفيح، وقَرّب بوزه كثعلبٍ ماكر ليقول منشرحاً: «هذا البن مخصوص لا يخرج إلا للحبايب». ثانية عاد للوراء يهتز فوق كرسيه في هُدوءٍ مزعج، وشيَّعني بنظرةٍ تقذف بالضيق وقد انعقد الغضب بين حاجبيه.
حاولت مجدداً طرد تلك الوساوس، فطمأنة مثل هذا الثعلب مطلبٌ لا بد منه. لاطفته بعبارات المدح التي انهالت عليه حتى انفرجت أساريره، وانجذب نحوي وكأنَّه يريد أن يتَخلّص من عبئه. تحرَّك حس الدعابة ليعبق المكان بدفعة من نكاته الوقحة، وانفضت جلستنا على وقعِ ضحكاته التي تشبه الصَّفير..
طلبت الإذن بالانصراف، وعند خروجي نظر إليَّ نظرة من يستعيد صفاء ذهنه، ولتأكيد انزعاجه دسَّ إصبعه في أنفه الضخم، وأداره في عنف وهو يبتسم ابتسامة تحدٍّ،
يزعجني صوت المنبه، في تَضاؤل مددت يدي إليه لأخنقه، وتذكرت أخيراً أن اليوم هو الجمعة!.
مُبكرِاً يستيقظ الهنود كدودِ الأرض، تدب الحياة في البيت، ويَغوصُ الممر الكبير بأصواتهم الممزوجة بروائح الطَّبيخ الخَانقة. تتأرجح ضوضاء مُربكة لا تتوقف سحابة النهار. أزحت الغطاء عن وجهي، وفي تَعطّشٍ عَانق بصري ضوء النافذة الضئيل القادمُ من خَلفِ السِّياج الأخضر. بللت شفتي ابتسامة هزيلة.. أخيراً تحررت من قَبضةِ حلمٍ سخيف، بينما التحمت عيني بالنعاس ثانية، ورأسي مهمومٌ بلقاء الغد!.







التعليقات