انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

فلسطين.. التي لا تشبه غيرها في الموت والبقاء

مصطفى عبدالملك الصميدي
مصطفى عبدالملك الصميدي

شاعر وأديب يمني

5 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
فلسطين.. التي لا تشبه غيرها في الموت والبقاء
مشاركة:

من ظن أن فلسطين مجرد قطعة أرض ضيقة على خريطة عالم شاسع؛ فقد أخطأ في تقدير ما يتسع له المكان من تاريخ. فلسطين - وإن ضاقت في حناجرنا الكلمات - ذاكرة وطن أنهكه الحصار، ومرآة لنكبة قرن لم تجد الطريق إلى نهايتها. فلسطين ذلك الجزء الغزير من التاريخ الذي كلما فتحته وجدته متدفقاً بأسماء القرى التي غُيبت عن الخرائط، بالبيوت التي نُسفت أحجارها ولم يجد الأهل لها بعد ذلك من أثر، بالمفاتيح التي شاخت في أكُفِّ أصحابها، بالخيام التي طال بها المقام حتى ألِفت حياة الرمل إلف الحر والصبار، بالجياع الذين تحصنوا بالصبر وتزودوا بالدين والتقوى.

ما كان لهذه الأرض يوماً نهار كامل تدعوه دارها، فمنذ عقود تعيش معلقة في تلك اللحظة الغامضة التي يتردد الضوء فيها قبل أن يسقط في المساحة المتروكة بين جدارين، وإن بلغ موضعه دون تعثّرٍ لم يلبث أن انكسر على الركام، وإن صادف منفذا إلى نافذة، تحطم على حطام زجاجها، وإن لامس وجوه أبنائها، وجد فيها من الليل ما لا تقدر الشمس على محوه بنصوع وجهها، كأنما كُتِب على هذه الأرض أن تطارد الضوء ولا تسكنه، وأن تخرج من العتمة كلما ظنت العتمات ابتلاعها، وأن تبحث ركضاً بين الخرائب عن إشراقةٍ كلما أوشكت أن تبلغها، امتدت إليها الأيادي الطوال لتطفئها. هكذا لا ينتهي الليل فيها عندما تطلع الشمس، ولا تنتهي النكبات عندما تتوقف الحرب؛ فثمة وجعٌ توارثه المكان على الدوام وذاكرة أبقت للراحلين ظلالاً تمرّ في الأسواق شامخة وتزهرّ في الأزقة عابقة.

لعل التاريخ نفسه لم يجد سبيلاً إلى محو تلك الظلال؛ فكلما همَّ أن يطوي صفحتها، أعاد فتحها على نحو مختلف ليكشف أن ما ظُنَّ عابراً في وجدان أمة قد استحال قضيةً أولى، وما حسبه الواهمون فصلاً من فصول ماضٍ سحيق لا يزال حاضراً في أصل الحكاية حضور الزمان والمكان وإن كان المكان مثخناً بجرح عمره ثمانون عاما. فكل إنسان يحب هذه الأرض يحمل في عينيه شيئاً منها، وفي قلبه كثيراً من حقيقتها الماثلة في صميم التاريخ. فليس أعجب من نكبة استطاعت، وهي التي انتزعت الإنسان من مكانه، أن تنتزع الزمان نفسه من مجراه؛ فما مضت السنون في فلسطين كما تمضي السنون، ولا انصرمت العقود كما تنصرم العقود، وإنما ظلّ شيء من الزمن هناك واقفاً عند اللحظة الأولى التي انفتح فيها باب الفقد، كأنما أُريد للساعة أن تدور حولها ولا تتجاوزها. مضت الأعمار وتوارث الآباء أبناءهم ثم حمل الأبناء أبناءهم جيلاً بعد جيل؛ لتظهر لنا الصورة البارزة أن ما يُراد له الاندثار قد يكون في سُنة التاريخ هو الأبقى حضوراً.

نعلم أنهم حين جاءوا انتزعوا القلوب من أقفاصها، وزرعوا في تجاويف الصدور سِككاً من حديد غشيم تجرّنا أدوات جرْفها نحو منفيين: واحد في الجهات وآخر في خرائط الروح، لكنهم جهلوا حقيقة أن المحو لا يطوي حكاية كتبتها الأرض بطينتها، وأن الركام في صميمنا ليس إلا بذوراً من فولاذ عنيد، ستنبت في غدنا القريب صفوفاً من جبال عصية على أسنان الحديد ومناقير الحرائق. ولأن الأرض تحفظ أسرارها تحت أقدام العابرين، لا بد أن يجيء اليوم الذي يتذكر الأسفلت فيه أنه كان طيناً كنعانياً خالصاً؛ فيتقيأ العربات والمصفحات والجرافات والأبراج والجدر السميكة والحدود، ليمهد الدرب العتيق للعائدين أفواجاً إلى ديارهم، الداخلين - دون أن يقرعوا الأبواب - عبر الثقوب كالصواعق. حينها ستشهد الدنيا كيف استدارت الجهات القديمة إلى مسالكها؛ لتعلن نهاية الغياب، وترد للأرض أسماءها الأولى، وتُخرج من رئات التراب تلكم الأصوات التي ظلّت عقوداً تربي حناجرها على نداء خالد لم يملك الموت له قبراً.

إن فلسطين الأبية، بعد كل هذه العقود المثخنة بالدواهي قد تجاوزت أن تحتاج إلى من يثبت وجودها بقدر ما تحتاج إلى من يفهم سرّ بقائها؛ فقد تخطى اسمها حدود الذين وُلدوا تحت سمائها، وتردد على شفاه من لم يعرفوا دروبها. خرجت من حيز الخرائط إلى لغات العالمين وطناً كاملاً في ترانيم الأبجديات، في الحكايات التي تُروى كلما جلس الغائبون حول مائدة، في لسان شيخ كبير ما زال يصف طريقاً قديماً مفروشاً بالورود إلى باحة الأقصى وما تراكم على حجارة القدس من مهابة القرون.. ما زال يصف ديار صفد المعلقة على السفوح كغيمة بيضاء أبت الإياب إلى السماء.. ما زال يصف هديرَ بحرٍ كان يجيء يافا برائحة المرافئ والبرتقال.. ما زال يصف نوماً وديعاً كان ينسدل من عيون حيفا على كتف الكرمل.. ما زال يصف ماء صافياً كان يستلقي بوداعةٍ تحت شموس طبريا.. ما زال يصف عنباً ناضجاً على مهل في كروم الخليل، وزيتوناً باقيا على كل شبر من تراب.. ما زال يصف، ويصف، ويصف حتى إذا فرغ من أسماء المدن، بدا كأن فلسطين كلها قد اجتمعت في تضاريس حنجرته أوسع من أن تحتويه الخرائط.

هكذا هي فلسطين أشبه بشاهد قبر تنبت في جنباته الزهور. تقتات كل يوم فتاتها من الجوع والخوف والنزوح وتختبئ في المحطة الأخيرة للخراب، ثم تخرج من أطلالها واقفة تقول إن لحياتها جذوراً لا يستطيع الركام اقتلاعها. وكلما حاول الموت أن يكتب نهايتها، كتبت هي سطراً جديداً في حكاية البقاء. لكن محنة عيشها بين الموت والحياة هذه لن تدوم، سيسقط الجدار كقشرة جرح يابسة ليقف صاحب الأرض الأصيل في مكانه شامخاً شموخ الجبال، ويعود المنفي إلى ترابه الممزوج بطينته، وتستعيد الأرض أسماءها الأولى، وتخرج من رئات التراب أصوات الذين غابوا، حاضرةً في ذاكرة العائدين وشاهدةً على أن ما حاول الموت اجتثاثه لم يكن قابلاً للفناء. ستنفجر في حناجر المؤرخين الجدد ألغام الأرض؛ الأرض التي دُوِّن تاريخها دون شعب، وسيحمل التائهون في الشتات مجازر اللد والخيام في عيونهم طيفاً مرعباً إلى أن يموتوا.

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٤٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

وطن عاش جهنم
ثقافة عربية

وطن عاش جهنم

عساف سلامة السلمان أقامت بلدية المدينة التي أسكنها في الصيف الماضي مجموعة من النشاطات الثقافية في الحديقة العامة. كانت هناك موسيقى ومسرح ومعارض وأشياء أخرى لم أكن أفهم معظمها، لكنني كنت أذهب إليها من باب الفضول. فالإنسان المهاجر يتعلم أن الفضول أرخص وسيلة لفهم البلد الذي وجد نفسه فيه. ذات مساء،…

· 2 د
حين تجدُ الكلمةُ صوتَها
ثقافة عربية

حين تجدُ الكلمةُ صوتَها

الكلمةُ لا تموتُ حينَ تُكتب، ولا تُدفنُ حينَ يُطوى بها السطر؛ تظلُّ في صمتِها، تنتظرُ صوتًا يوقظُها من الصمت، وقلبًا يلتقطُ معناها قبلَ أن يلتقطَ الحرف. فإذا وجدته، خرجتْ من عتمةِ الورق كأنها أولُ نورٍ في آخرِ سفر، تحملُ وجعَها، وتحملُ فرحَها، وتفتحُ في جدارِ الغياب نافذةً أخرى للعمر. تخرجُ من صمتِ…

· 2 د
ضربة عصا واحدة
ثقافة عربية

ضربة عصا واحدة

لم أكن أحلم، في طفولتي، بأن أصبح صاحب عصا سحرية. كنت أحلم بأشياء أكثر تواضعا: أن أجد وظيفة لا تسرق نصف عمري، وأن أرى الشوارع نظيفة، وأن يدخل المواطن الإدارة من بابها ويخرج منها من دون أن يحتاج إلى وسيط، أو قريب، أو صديق لصديق يعرف موظفا يعرف مسؤولا. لكنني، ذات صباح، استيقظت فوجدت العصا إلى…

· 5 د