في ليلِ دمشقَ
يختبئُ الحنينُ
في خبايا حاراتِها العتيقة،
بين حجرٍ شاخَ من كثرةِ الحكايات،
وبابٍ أرهقَه انتظارُ الغائبين.
وحين تبزغُ خيوطُ الفجر،
تضجُّ الأزقّةُ بالذكريات،
وتصحو اللهفةُ
حين ينحني الصوتُ
ليهمسَ لها:
أنتِ العشقُ الوحيد…
يا دمشق،
يا مَن أذبتِ بغرامكِ الأقلام،
وجعلتِ من الياسمينِ
لغةً لا تحتاجُ إلى ترجمان.
وفي صباحكِ
حين تشرقُ الشمسُ
على مآذنِكِ وأجراسِكِ،
تتفتحُ أزهارُ الياسمين،
وتفوحُ بالوفاءِ لجمالكِ،
ثم تنحني بخشوع،
وترفعُ أغصانَها إلى السماء،
تتضرعُ إلى الله:
يا ربّ…
أزِلْ عنها ظلمَ السنين،
وامسحْ عن وجهِها
غبارَ الحرب،
وكلَّ غبار.
ليعودَ اللبلابُ
إلى نوافذِ بيوتها القديمة،
يتسلّقُ جدرانَها،
يتشبّثُ بالحجارة،
ويصرخُ في صمتٍ أخضر:
هنا الحياء…
هنا الوفاء…
وهنا دمشق.
⸻
ولبردى
حكايةُ وجعٍ أخرى…
ذلك النهرُ العذبُ
الذي كانت النعمةُ تستريحُ في مائه،
وتغتسلُ على ضفّتَيهِ الحكايات.
في الربوةِ
لم يعد لخريرهِ
ذلك الصوتُ الذي ألفناه؛
غدا كبحّةِ نايٍ حزين،
كحسناءَ أجهشَت بالبكاء،
بعد أن أرهقتها دموعُها القديمة.
تتلوّى
لفقدِ عريسِها البطل،
حُرمتْ أن تمنحَه ماءَها،
أن تروي ظمأَه،
أن تحتضنَه بين ضفّتَيها.
أجل…
قُتل عريسُها،
أو شُرِّدَ في المنافي،
وربما ضاعَ
في دروبِ الغياب،
أو أُطفئتْ حكايتُه
في أعماقِ السجون.
فبكت دمشق…
وبكى بردى.
⸻
والغوطتانِ تتحشرجان…
تبكيانِ الأشجارَ
التي كانت تحفُّ بهما
مرفوعةَ الهام،
كجنودٍ مزهوّين
بنصرٍ لا ينتهي.
كان الجوزُ
مثقلاً بثماره،
فأنهكته صواريخُ أبنائه.
وكان اللوزُ
يزهرُ في الربيع،
فأعدمته جنازيرُ الدبابات
قبل أن يبلغه الرصاص.
وكان المشمشُ
يتدلّى من أغصانه،
فعلّقته المتاريسُ
على جدارِ الموت.
وكان الرمانُ
يتفتّحُ كقلوبٍ صغيرة،
فدُحقت حباتُه
تحت أقدامِ الراقصين
على أنغامِ الرصاص.
وكان التفاحُ
يمتلئُ عطراً وحياة،
فمرغته الحربُ
في التراب
والبارودِ والكيماوي.
فباتت الأشجارُ رماداً…
لن تحييها أمطارُ الشتاء،
ولا مياهُ السواقي،
ولا عودةُ الربيع…
إنما يحييها
حبُّ أبنائها،
حين يأذنُ الخالقُ
للحياةِ أن تعود.
⸻
وللطيورِ
حكايةٌ أخرى…
حكايةٌ
أشدُّ وجعاً
وأكثرُ فظاعة.
فلا البلبلُ غنّى،
ولا الحسونُ زقزق،
ولا السنونو
عاد إلى أعشاشِه.
لم تتركِ الطيورُ أوكارَها
خوفاً من الدودِ الأبيض،
ولا فراراً من البعوضِ الأسود…
بل هربت
من الفوسفورِ الأبيض،
ومن الدخانِ الأسود.
تحطمت أجنحتُها،
وتبعثرت أرياشُها،
ونُتفت أذيالُها،
وبقيتْ تتلوّى على الأرض
مع الشجن.
مُنعت من التحليق،
وتكالب عليها
الجندُ والصوّافة،
بشجاعةٍ لا تُشبه الشجاعة،
ليبتلعوها
بلا رحمةٍ ولا رأفة.
يتجهزون
لتحريرِ القدسِ الشريف…
فقلتُ في سري:
وهل تتحررُ القدسُ
بأكلِ الطيور؟!
⸻
يسعدُ مساؤكِ يا شام…
أجل،
فقد سمّاكِ النوابُ
شقيقةَ بغدادَ اللدودة،
ومصيدةَ بيروت،
وحسدَ القاهرة،
وحلمَ عمّان،
وضميرَ مكة،
وغيرةَ قرطبة،
ومقلةَ القدس،
ومغناجَ المدن،
وعكّازةَ تاريخٍ
لخليفةٍ هرم.
يا وطناً
لا يشبهُ سائرَ الأوطان…
جارَ عليكِ الزمان،
فكنتِ أمًّا
لا خالةً عجوزاً،
وكنتِ جسداً متآلفاً
لا أشلاءَ ممزقة.
كنتِ بيتاً واحداً،
له بابٌ واحد،
ونافذةٌ واحدة،
ودرَجٌ واحد،
وممرٌّ واحد،
يتّسعُ لفسيفساءِ العائلاتِ والأديان.
لم تكن الأبوابُ متاهات،
بل كان لكلِّ بابٍ
مفتاحٌ يصلُ إلى باب.
قفلُ بابِ المصلّى
مفتاحٌ لبابِ السريجة،
ونافذةُ بابِ الجابية
تطلُّ على حكايةٍ أخرى،
وطرقةٌ على بابِ توما
تُجيبُ عنها دمشقُ كلُّها.
تلك عظمةُ الخالق
في ديارِ الشام…
كلُّ شيءٍ فيها عظيم،
كلُّ شيءٍ بديع،
كلُّ شيءٍ جميل…
والأجملُ من كلِّ ذلك
تلك الألفةُ
التي جمعت أبناءَ الأديان،
حين كانت الكنائسُ
تُرشدُ التائهينَ إلى الجوامع،
وكانت الجوامعُ
تحفظُ للكنائسِ أجراسَها.
فأتساءلُ اليوم:
أفي قادمِ الأيامِ
يكونُ لنا لقاء؟
أفي قادمِ الأيامِ
تحضنُنا ذراعاكِ
كما كنتِ؟
أم أجيءُ إليكِ
فتنظرينَ في وجهي
ولا تعرفينني؟
يا شام…
لم نغادركِ أحراراً،
ولم نحملْ حقائبَنا
بحثاً عن مغامرةٍ جديدة…
غادرناكِ
مُكرهين.
غادرناكِ
وأنتِ في القلبِ
أمّاً لا تُنسى،
وبيتاً لا يُستبدل،
وعشقاً لا يشيخ.
فإن عادَ الربيعُ يوماً
إلى نوافذِكِ،
فلا تنسينا…
وإن عادَ الياسمينُ
ليملأَ حاراتِكِ عطراً،
فخبّئي لنا
بين أزهارِه
مقعدًا صغيراً
في ظلِّ جدارٍ عتيق.
لعلّنا نعود…
لا غرباء،
ولا لاجئين،
ولا مكسوري الخاطر…
بل أبناءَكِ
الذين أحبّوكِ
ولم ينسوكِ.
ويبقى الياسمينُ شاهداً:
**…أنَّ دمشقَ
قد تتعبُ…
قد تنزفُ…
قد يغطيها غبارُ الحرب،
لكنها لا تموت.
لأنَّ في عروقِها
حبًّا أقدمَ من الحرب،
وأبقى من الغياب،
وأعطرَ من الياسمين.






التعليقات