انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

طيفٌ يداعب نافذتي

بسام الطعان
بسام الطعان

قاص وروائي سوري

3 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
طيفٌ يداعب نافذتي
مشاركة:

تقدّمت نحوي كمدينةٍ من ضوء، تنضح نقاءً، كأنها قادمة من قلب نجمة. شعرتُ بأنفاسي تتعثر، وبأن زنابق مبلّلة بالندى تنبت في روحي. بقيتُ لدقائق تمثالًا مرتجفًا، لا ينبض فيّ سوى رعشةٍ خفيفة، ولا أتنفس إلا حين تهزني دهشةُ همسها.
وقفت أمامي وابتسمت. حدّقتُ في عينيها كطفل يرى العالم لأول مرة، قبل أن يضطرب الدم في عروقي.
قلتُ لها هامسًا:
ـ من أين جئتِ بكل هذا البهاء؟
ابتسمت مرة أخرى، وقالت بصوت يشبه همس المطر:
ـ جئتُ به من حنين نافذتك التي تناديني.
ثم استدارت ولم تترك لي مجالاً للكلام، وحين غابت، بقي طيفها يسليني بحديثه، فكتبتُ على خده الوهمي حكايات لا تنتهي.
كان طيفها وحده يخفف تعب المسافات. كلما داعب نافذتي، اشتعل هدوء ليلي، وتولدت في صدري ألف قصيدة. كنتُ أقول له:
ـ هل ستجيئين يومًا؟
فيجيبني بصوت يشبه رفرفة حمامة:
ـ حين يكتمل القمر.
حضورها المنبعث من جوانح الليل كان أرقّ من النسيم. لا أنسى تلك الليلة الدافئة حين سمعتُ نقراتها الخفيفة. فتحتُ النافذة، فرأيتُ الزنابق تلمع تحت ضوء القمر. تقدّمتُ منها بلا بروتوكول، وقلتُ:
ـ ألا تأخذين هذا القلب، فقد تعب من الانتظار.
أخذته بهدوء، ومضت، وتركت طيفها الوسنان يمزّق غيوم وحدتي.
بقيتُ أهدهد أحزاني وأقول لنفسي:
ـ لو جاءت الآن، لو وقفت أمامي مثل عروس البحر، لامتلأت شواطئ روحي بالنوارس.
وأحيانًا أهمس للطيف:
ـ لو كان لي زورق صغير، لأبحرتُ في شفق ابتسامتها حتى الصباح.
فيضحك ويقول:
ـ أنت لا تحتاج زورقًا، تحتاج حضورها فقط.
وحيدًا أقف أمام نافذتي، أتسلى بوجوه المارة، وأترقب وجهها المرصع بالضياء. ما زلتُ على العهد، وما زلتُ أعلن ولائي للريح التي تحمل إليّ بقايا دفئها. لا شيء يسلّيني سوى ركوب أمواج عينيها حين يزورني طيفها، فأطير في الأعالي ولا أهبط إلا عند انبعاث الشفق.
انتظرتها ربيعًا كاملًا، ثم مرّ خريف، ومرت ملايين الطيور ولم تأتِ. كنتُ أفترشها على ساحات الخيال، وأسأل الطيف:
ـ هل ستعود؟
فيجيبني:
ـ ما دمتَ تسمع الأغاني القديمة، فلا بد أن تعود وتجددّ الأمل فيك.
وفي كل ليلة، أستعيد تلك الأغنية التي غنتها سيدة الغناء العربي ليلة العيد، فأردد بصوت مسموع:
ـ كم أتمنى لو ينفيني الزمان إلى أرخبيلات عينيها.
هي نبع صفاء، وغيابها غياب الروح عن الروح. كلما أويتُ إلى النوم، أتدثر بهمساتها التي كانت تخصني بها. وأقول:
ـ يا سيدة الياسمين والأمسيات البهية، حبقكِ ما زال يتدلّى فوق نافذتي، فلا تدعي الزمن يجلدني.
وفي تلك الليلة، بينما كنتُ أحدّق في النافذة، سمعتُ نقرات خفيفة. اقتربتُ بهدوء، وقلتُ للطيف الذي كان يقف خلفي:
ـ إنها هي، ها قد جاءت أخيرا.
لكنه بقي صامتاً كأنه متواطئ مع تلك النقرات.
مددتُ يدي ببطء، وبعد تردد فتحتُ النافذة، فلم أجد أمامي سوى ليل له رائحة أخاذة. بعد لحظات شعرت بنسمة دافئة عبرت وجهي كأنها تريد أن تتحسس ملامحي.
التفتُ خلفي كي يشاركني الطيف دهشتي، لكني لم أجد له أثراً، وبقيتُ واقفاً أمام نافذة مفتوحة، وليل لا طيف فيه.

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:١١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حِينَ يَصْحُو الرَّمَادُ
ثقافة عربية

حِينَ يَصْحُو الرَّمَادُ

أُخَبِّئُ في يَدِي سِرًّا مِنَ الطُّرُقِ البَعِيدَةِ وَأَمْضِي في الجِهَاتِ كَأَنَّنِي أَبْحَثُ عَنِّي في خُطَى امْرَأَةٍ وَحِيدَةٍ أَقُولُ لِلرِّيحِ خُذِي هَذَا المَسَاءَ إِلَى مَكَانٍ لا تَشِيخُ بِهِ المَوَاعِيدُ فَفِي صَدْرِي بَقَايَا نَافِذَةٍ تَطِلُّ عَلَى غِيَابٍ لا يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ…

· 1 د
سؤال البدء وشاح اللحظة
ثقافة عربية

سؤال البدء وشاح اللحظة

مستقر كرمح برمل التاريخ او فاتحة لمئذنة المرايا صحرائي شجر ذابل ولي نخيل الواقع تهوي الى ترس الخيال وواقع الجياع وامر مسرعا على جبهة الخيل عله الرمح يفقأ عين الضوء ذلك العطش الذي يسكن قبةالذكريات لي منه فخذ وراية وحجارة تلهو بارض المسامات لي قول من حقائق الظلام كلام يسعد هياكل القصور لاشعل مسافات…

· 1 د
مقام صلالة
ثقافة عربية

مقام صلالة

تعدو بصدرِكَ للقريضِ خيولُ وتخونُكَ الكلماتُ حينَ تقولُ هذا هو الشجنُ الخفيُّ لفكرةٍ عذراءَ لٰكنّ الهواجسَ غولُ ماذا إذا كان المقامُ ( صلالةً ) وعُمانُ عنّي السائلُ المسؤولُ فإذا بأشجارِ الكلامِ تقزّمَتْ جداً وأشجارِ السكوتِ تطولُ وتطولُ حتى تلتقي أغصانُها بالشمسِ ثمّ مَعَ النجومِ تصولُ إيهٍ (…

· 2 د