انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

طُقُوس حَرْق الثَّوب

إلى المنبطحين فى الأرجاء هؤلاءالمبعثرين شذر مذر.

السيد أحمد حمزة
السيد أحمد حمزة

قاص وأديب مصري

7 دقائق للقراءة
3 مشاهدة
طُقُوس حَرْق الثَّوب
مشاركة:

 سماءٌ خربةٌ ، أرضٌ مُقفرةٌ ، أناسُ يحملون هُويَّات ذاتيَّة ، أجسادُ ثُلْثها آذان ، وثُلث بطون ، وثلث عيون ، فى الشتاء يسْتحْلبُون دِفء الأرض مُعايشة للبيئة ، وسُخْرية من العجاج العقيمة ، يحفرون الأرض قبورًا هربًا من سيارات الشرطة .. التى تلمُّهم للتجنيد ، قال الجد :

ارع الأمريكنية !!! وهمَّ بيمرقوا بسياراتهم ، إنت ما ارْعيت اليهودية ، ارعِ الدُّشم !!! ارع .. العظم ..ارعِ الجماجم ندوّس عليهم !!! ارعِ ولدى عياد ... هووووه .

زُمْتُ مُصْدرًا صوتًا كهرير القط ، خمشته بأصابعى مبتسمًا وقلت له ، وأنا أُمْعن النَّظر فى وجهه البرونزي المُحتقن بالنقمة :

حتى لا تدفن نفسك فى الرَّمل كلما مرَّت السيارة الكُحْلى ، أو الصفراء الباهته .

التصقت بَصْقتهُ بقصبة ساقه الأعجف النحيف ، مسحها مسرعًا ، ودسَّ يده فى الرمل  قائلًا بعصبية وغضب عارم :

ملعون أبو ال....... وملعون أبو ال........ وملعون أبو الشرق والغرب ؛ وملعون أبوك فلاح .

قالها مهمومًا.. محدقًا للبَكْر الرابض دائمًا أمام المِقْعد ، ومال برأسه إلى الخلف ضاحكًا للأفق .

دائم المضاجعة لظل تعريشته  الحطبية  .. الجد يلتفُّ حوله الصغار ، يحكى لهم عن أيام الاحتلال ، والعقربن والأفعى وأم جعار، وعن عياد أبو سعد ولده ، الذى صار يضحك فى قفاه ، قال لهم :

عيَّاد  ولدى أبوك ياعيد خايب  .

                                               *****

فى بكور أحد الأيام ، حينما ولج خارجًا من باب كوخه ، بعد انصراف الصغار ، وقبل أن يذهب إلى صف النوق يتناول حليبها وجبته الوحيدة فى يومه ، رمى نظره عادته  يرمقها .. يتأملها .. تدور رأسه بأفكار  كثيرة ، وهو يشيح عنها بناظريه مُتّجها خلف المقعد  إلى صف النوق الحلابة . سبَّهم ولعن نفسه ، من تجرَّأ منهم ، لم يهرُجوا .. أو يمرُجوا فى ليلة الصيف الفائته ، تكثر الأسمار والحكايات والأشعار، وتنتهى الليالى الصيفية بالهذر دائمآ ، عوَّدهم كل جَدّ وأبنائه وأحفاده ، يقومون على خدْمتها ورعايتها ، والتناوب فى حراستها ، ومسْحها وتلميعها ، وتنظيف المكان حولها ، والمحافظة عليها بعيونهم .

أمام كوخه واقفة تزهو فى اعتدال كامل ؛ منتصبة ببريقها الساطع ، الذى يحطّ سطوة فى قلب وعين المتطلّع  إليها ؛ كانت نائمة على جنبها مغبَّرة بالتراب ، مغروسًا بوزها فى الأديم تلتهمه .

جمعهم فى ساحة المقعد ، جلس ساهمًا بينهم ، نار الركية انطفأت  والبكارج صدأت  ، والكبابى  على أفواهها انكفأت .. انقلبت .. اندست فى الرماد . لا شاى ولا قهوة ، ولا دخان عربى .. ولا حريْمات .. ولا هرج .. ولا مرج أو هذر، حتى يعرف الذى خان عهده وسوَّى هذا الفعل السيئ اللئيم . لم يعترف له أحد من أفراد قبيلته أورحمه .

تنحنح ؛ ارتجفت العمامات الكبيرة والصغيرة ، ولبد الضُّعوف بجنوب آبائهم قال :

قدركم .. أم قدر رءوسكم ، لا وقوف .. لا قعود .. لا رقاد أونوم مريح .. على شاكلتها تصيرون .

أمرهم كبيرًا وصغيرًا  .. قويًا  وضعيفًا ، قاموا .. كل فريق لجد ، والجد على رأسهم ، ينام نومتها المنكوبة ، بوزه فى التراب لا يلوكه - أكْل التراب شيمتها - لا استقامة ولا انتصاب بعد اللحظة ، الرقاد المتكسرعلى هيئتها ، لكن ليس من زهوٍ أو تكبرٍ أو خُيلاءٍ ، بل الفتور والكسل والوهن  .

من يومها أصبحوا أعواد متكسرة فى حال وقوفهم أو رُقادهم ، لا تميز !!! أو قعادهم أو نومهم ، لا تفرّق ، يختلط عليك الأمر!!! تحتار؛ تجدهم متكئين .. متكسّرين رأسًا لرأس أو قدمًا لقدم .

تمرَّن الأجداد وتدرب الأبناء والأحفاد على اتكائهم وتكسّرهم ، كان الضُّعوف ينفرطون على الأرض من الضحك وقت قيام الأب يتكئ .. ويتكسَّر مُعلّمًا حُرمته ، تَعْجَبُ الحرمة وتقف مدهوشة ، يكرر الرَّجل المحاولة ، لعلَّ المشْدوهة .. المعتوهة تفهم ، فتتَّسع عيناها ناظرة إليه قائلة  فى حزم وعصبية :

قم يا رجل انتصب .

وتشمّر ساعديها ، وترمى طُرّتها المتدلّية أمام وجهها فوق ظهرها حين انحنائها ، تتناول أعواد الحطب تكسرها ، وتوقد النار ... تسوّى حِمْشًا .

                      *****

جبلًا.. مضجعًا .. يستريح قليلًا من وقفته الأبدية ؟!!!

وشموخك الدائم ؟!! وكبرياؤك القاهر؟!! أوتجلّت قدرة عليك دكّتك فى الأرض ؟!! ما تبقى منك فرط من حجارتك  ، وحشد من الرمال ..أحفادك  ؟!! تحكى لهم هتْمًا  وهتْرًا  .

                 *****

جثم الليل على صدر الأرض ، طمس المكان بالعتمة ، من يرى ليل هذه البلاد لا يظن أبدأ أن النهار سيأتي يومًا يجلو عتمته . اعتدل الجد فى جلسته ، رفع رأسه ، وفرد ذراعه فى الظلمة المتناهية الموحشة مشيرًا قائلًا ، فى نبرة صوته حزنٌ عميقٌ ينُمُّ عن حسرة تُعْتمل بداخله  :

ظهر نوره .

حدَّقتُ فى اتجاه سبابته المفرودة وقلت :

أى نور؟!!

قال بعد أن صدرت عنه ضحكة متقطّعة تشى بسخرية ساخنة :

احرق ثوبك يعطوك الكمامة شغلته .

أتراه من هنا ؟!!

اضطجع وفرد جسده ، حكّ مؤخرة رأسه من تحت العمامة ، رفع إحدى رجليه قليلا عن الأرض ، أخرج فصًا مكينًا من هواء بطنه ، وخرج الكلام من بين شفتيه يعبّر عن الزّهق الذى اعتراه حين قال :

محدودى البصر مكفوفى البصيرة .. زارنى زمان صاحبى "عيذر" أعطيته تمرًا .. قلت له من الحجاز كنت أحج .. عبس فى وجهى .. وأقسم قائلًا :

لن آكله إلا قطفًا من  .. عراجين النخل ..على الشجر  .

صمتنا طويلًا .. طأطأ  الصمتُ رأسه مُستحيًا ، نهره الجد بنحنحته وزئيره المتهالك ، زجره الصبية بصياحهم الصاخب ، خدشوا حياءه بهرجهم ، قمتُ مُنْصرفًا ، كان هزْجه يتهادى إلى سمعى وأنا أسير يُحاصرنى السواد .

"محمد .. يا محمد .. عذّرنا يا غالى

وشيل عنا شيل .. سود الليالى "

                                     *****

وقفت عاريًا وسط الرجال ، الذين تحلّقوا حولى لا مفر  حرق الثوب ، أحرق ثوبى ... أحرق نفسى .. لا فرق ؛ الرعد والبرق مُرادفان للمطر، الخروج من البيضة هدم وبناء .. الولوج من الرحم .. تحرر بعد اكتمال ؛ انشطار فى آخر الليل الضرير .. بين طرقات العتمة الحالكة اللئيمة ؛ انفلات فى أول النهار البصير  بين مسارات الضوء وأشعته الحليمة ، ألمٌ يفجّرنى ورقة رقيقة ، يطوينى مركبات فضائية .. أقماراصطناعية .. صواريخ طائرات من ورق مقبوضة بيد شريط بنى بين أنامل الأطفال القرويّين الواقفين ... فوق أسطح البنايات اللبنية المعروشة  بالقش والحطب .

تتطاير جثث الكلمات .. الموسيقي .. الاغنيات .. تتبعثر المزامير .. الأسفار .. الصحف .. الأصاحيح  .. الآيات .. تهمى  تتراكم تتعاظم فوق رءوس البشر تفريها العقول .

وضعوا حاجياتى .. فى رقعة القماش الملونة المهترئة ؛ أهلّه خابية سيوف صدئة .. كرانيف نخلة .. جرس جص .. مئذنة اسفنجة .. شيح أخضر .. قيصوم .. عرعر .. تذكارات جنود مسفوحين .. بطاقتى العائلية  ، أضرموا النار  فى كومة الكرانيف وعظام الجنود  .. جمعتها من المقبرة الجماعية ، بقسوة الصقوا بعرة البكر على جبينى .. استنفروا النار .. اصطفوا مع الريح التى " دحَّت " معهم  ونفخوا معها  :

" دح يوه .... دح يوه "

دح يوه .... ثوب جديد "

ارتفعت النار إلى عنان السماء .. تُقرقع .. تورَّمت أكُفّهم من التصفيق من أعلى لأسفل .. مع الإنشاد والانحناء ، والتقدم .. والتقهقر، والنفخ :

" دح يوه ... دح يـوه

دح يـــوه ... حرق الثوب "

تأجَّج قلبها  بالأوار .. تماوجت .. زمزمت .. هاجت النار ، شهقت .. مدت ذراعها .. تحسَّستنى .. ابتسمت .. رقصت على نغمات  الإنشاد :

" دح يـــوه... دح يـوه

دح يـــوه ... ىوم سعيد

دح يـــوه ... حرق الثوب

دح يـــوه ... ثوب جديد "

بيضة لا أرضى ؛ أظلم نفسى .. يحشونى الآدمى  بالهرمون .

مسكينة الدجاجة .. مقهورة  طفلتي  تعشق صفار البيض ، غبية حبيتبى تعشق الدجاج بخلطة  " كنتاكي " لن أتحمَّل ... أُسْلق  ؟ أُقْلى فى القلَّاية ، تبتلعنى حيَّة ؟ أُضْرب فى المضرب ؟ من هذا المصير أين أهرب ؟

                                       *****

حملتُ حقيبتى عائدًا ... خرائط بلادى فى أيدى الغرباء ؟!! عند المعدّية ، رجال الشرطة يستدبرون الكلاب ؛ دوع أمنية .

شمَّنى الكلب .. هبرنى .. ارتطمت مؤخرتى برصيف العبارة الخرسانى ، ثنى جذعه الشرطى ، مد ذراعه ، جذبنى من جلبابى .. خلف قفاى ، اصطدمت رأسى بصدره العريض البارز، سقطت خلايا دماغى تحت قدميه ؛ داسها ببيادته السوداء السميكة ، نهش الكلب أحشاء الحقيبة ، مطَّ شفتيه ، حكَّ شاربه أرنبة أنفه .. قال :

ما هذا ؟

وبر جمل .. شعر عنزة .. صوف شاة .

" تتعوذ " .

شيح .

" شتمني "

قيصوم .

" مالك والبداية ".

عرعر .

" عقرني الكلب ".

بقايا جنود جمعتها من المقبرة الجماعية .

" ارتجف " .

هويتى .

" اعتقلنى " .

لمُّوا قطعة الأرض ، طرفًا من الشرق وطرفًا من الغرب ، بحبل من ليف النخيل ، ربطوا رقعة القماش الباهته الممزقة .. المهترئة التى تحوى خرائط جسدى ، حملوها بين راحاتهم مهلهلة عليلة ، وضعوها فوق رأسى ؛ خرَّ الحزن من ثقوبها الكثيرة ، اختلط بالأسى الذى ينز من ثغور جلدى ، يسيلان كالزيت المغلى ، يشقَّان  طُرقا مُؤلمة فى نفسى أثناء سيرى إلى النار أرمى رأسى . قرفص الرجال ، وانكبوا على الأرض  بأكفهم  يضربون  أمام أقدامهم ، يصدر من أفواههم بصوت  عال  :

طب .. طب .. طب .

هخ .. هخ .. هخ

طب .. طب .. طب .

هووف .. هووف .. هووف .

طوحت رأسى ، انفرجت أسارير النار .. قالت :

هووف .. هووف .. هوووف .. مبروك عليك ثوبك الجديد .

أثار الرجال  الغبار الأصفر ، تصاعد أمام وجوههم من حمية اشتعالهم  مع رأسى ، وضربهم بأكفهم .. وهخهم .. وهفهم  :

طب .. طب .. طب .. طب

هخ .. هخ .. هخ

طب .. طب .. طب .

هوووف .. هوووف .. هووووف " .

مشاركة:

آخر تحديث: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قيد الدراسة
ثقافة عربية

قيد الدراسة

كان مصطفى يعرف المطر من رائحته قبل أن تمسّ السماءُ الأرض. في العاشرة من عمره، في حيٍّ أسفل الطريق نسيته الخرائط عند طرفها، تعلّم أن للتراب في أول الخريف نَفَساً حاداً كطعم قطعة نقدٍ على اللسان. يشمّه أبوه سالم يترك الشاي الأحمر يبرد في الكأس ويحدّق في آخر الزقاق، حيث ينفتح في الرصيف مصرفٌ مسدود بما…

· 5 د
صوت الصمت
ثقافة عربية

صوت الصمت

صوت الصمت قصة قصيرة يستلقي فوق سريره كجثةٍ نسيتها الحرب، يحدق في سقف الغرفة الذي بات مرآةً لخواء روحه. لم يكن السرير مجرد خشبٍ ومرتبة، بل كان زاويةً منسية في قبو العالم، وكانت عيناه مسمرتين في تشققات الطلاء التي بدت له كشروخٍ في كيانه توقف عن ترميمها منذ زمن. في الخارج، لم يكن المطر يطرق النافذة،…

· 4 د
سأترك السفينة
ثقافة عربية

سأترك السفينة

ليس تقدما في العمر ولا خوفا من المغامرة بل إن تكرار الحروب مجددا يعيدنا الى إلى نفس الصفر لأننا لا نجد مغارة ولا كنز لا نجد امرأة جميلة ولا خاتم سليمان لا نجد الوحش ولا الجرذان نجد فقط كلابا ميتة والماء عطشان ليس برودا عاطفيا أو نقصان في الحماسة ولا خوفا من الأسر بل إن العالم أفرغ وأصبح خاليا ففي…

· 1 د