يقولون إنني قاس، وإن الكلمات في فمي تشبه الحجارة، وإنني لا أمنح أحدا فرصة ثانية، ولا أترك للخطإ مساحة كي يشرح نفسه. يقولون إنني تغيرت، وإنني لم أعد ذلك الرجل الذي كان يتأثر بحكاية عابرة، ويطيل الوقوف عند وجع الآخرين، ويمنح ثقته كما لو أن العالم يستحقها بالفطرة. وأنا لا أصحح لهم شيئا؛ أكتفي بالنظر إليهم بوجه لا يكشف أكثر مما ينبغي، ثم أمضي، تاركا أحكامهم خلفي كأنها لا تعنيني.
لكن أحدا لم يسألني عما حدث قبل أن أصبح هكذا.
لم يسألني كم مرة فتحت قلبي لمن جاءني بيدين فارغتين، ثم اكتشفت أنه كان يبحث عن شيء يسرقه من داخلي. لم يسألني عن الوعود التي صدقتها لأنني كنت أريد تصديقها، ولا عن الأعذار التي اخترعتها للذين خذلوني، كي لا أضطر إلى الاعتراف بأنني أخطأت حين وضعتهم في المكان الذي لا يليق إلا بمن يصونون ما يؤتمنون عليه. لم يسألني أحدٌ عن عدد المرات التي ابتلعت فيها إهانة صغير، ثم عدت إلى البيت أحاول إقناع نفسي بأنها لا تستحق الحزن.
لم أولد بهذه الملامح. كان في صوتي متسع للرفق، وفي يدي فسحة للعطاء، وفي قلبي استعداد لأن يمنح الآخرين أكثر مما يطلبونه. غير أن الطيبة، حين تترك بلا حدود، قد تتحول إلى باب مفتوح يدخل منه العابرون بأحذيتهم الموحلة، ثم يلومون صاحب البيت لأنه لم يحسن استقبالهم. تعلمت متأخرا أن النوايا الطيبة لا تكفي وحدها لحماية أصحابها، وأن الثقة ليست فضيلة في كل موضع، كما أن التسامح لا يعني أن نمنح الجرح اليد نفسها التي أحدثته فرصة جديدة.
فصنعت لنفسي وجها آخر. جعلت كلماتي مقتضبة، وابتسامتي نادرة، وحدودي مرتفعة بما يكفي كي لا يتسلقها كل من مر. لم أعد أشرح كثيرا، ولم أعد أُظهر مواضع ضعفي، وصرت أفضل أن يساء فهمي على أن أضطر إلى كشف الجرح الذي ما زال يؤلمني. كان القناع يحميني من تكرار الحكاية، لكنه أخذ يغير نبرة صوتي، وطريقة استقبالي للناس، وحتى نظرتي إلى الأيدي التي تمتد إلي بصدق.
ذات يوم، ناولت رجلا مسنا كيسا سقط منه، دون أن أنظر في وجهه أو أكلمه. شكرني بابتسامة هادئة، ثم دعاني ألا أترك ما فعله بي أحدهم يقرر كيف أرى الجميع. مضى قبل أن أجد جوابا له. بقيت واقفا، كأن العبارة نزعت حجرا من جدار ظللت أبنيه سنوات. لم تكن نصيحة جديدة، لكنها أصابت المكان الذي كنت أحرسه بالقسوة.
للمرة الأولى، تساءلت إن كنت قد نجوت فعلا، أم أنني عاقبت العالم كله على جريمة ارتكبها بعض أفراده. أدركت أن الحذر يمكن أن يكون حكمة، لكن تحويل الحذر إلى طبيعة دائمة يجعلنا نعيش أسرى لأشخاص غادروا حياتنا منذ زمن، ويظلون، رغم غيابهم، يتحكمون في الطريقة التي نستقبل بها كل قادم.
لم تكن قسوتي انتصارا على الذين خذلوني؛ كانت، في جانب منها، اعترافا مؤجلا بأنهم استطاعوا تغيير شيء في. وربما تبدأ الشجاعة الحقيقية حين أستعيد حقي في الرفق، لا لأن العالم صار جديرا بثقتي كلها، و إنما لأنني أرفض أن أمنح الذين كسروني سلطة أبدية على القلب الذي بقي لي.







التعليقات