أخيراً... أوقفوه أمام باب حديدي كُتِب عليه: «غرفة التحقيق».
ركله أحد العناصر بركلة عنيفة على مؤخرته، دافعاً إياه نحو الداخل. ارتد إلى الجهة الثانية، وحاول الاستناد إلى جدار الغرفة، عله يسيطر على توازنه ويبقيه متماسكاً كي لا يسقط أمام العنصر. طغى صرير الباب لدى إغلاقه على اصطكاك أسنانه.
مسح الغرفة بنظرته الغاضبة. غرفة ضيقة، في زاويتها الجنوبية الشرقية طاولة حديدية قديمة، صدئة ومتآكلة، وكرسي قديم، رثّ. اتكأ على الطاولة قليلاً بغية انتظار دوره في التحقيق، إلا أن انتظاره دام طويلاً، فاضطر للجلوس على الكرسي المهترئ حيناً، والوقوف حيناً آخر، وهو ينظر إلى ذاك الإطار المتكئ إلى جدار الغرفة، وبجانبه عصا من خيزران ذات رأس بيضوي مبسمر.
نظر إليهما وقال في سرّه: يبدو أن القدر جمعني بهذه الأدوات الحضارية التي كنت أسمع عنها من الموقوفين. كان يعرف ماركة الإطار، كونه عمل فترة في بيع الدواليب، ولهذا تمعن في معرفة الماركة وقال في سرّه: ليست يابانية، إنها إندونيسية. حتى هذه الشركة لها وكالة في تركيا أيضاً.
مسح جبينه المتعرق بالرغم من أن الفصل كان في بداية الربيع. مد يده إلى جيبه ليخرج علبة الدخان، فخرجت يائسة خال الوفاض. تذكر أنه نسي علبة الدخان بجانب سريره. ورحل بذاكرته إلى تلك الليلة وما قبلها، حيث قام — بعد إلحاح من زميله — بمعرض مشترك أُقيم في بيت طيني على أطراف البلدة.
وتذكر كيف أنه، بعد انتهاء المعرض، لفّ ذراعه على رقبة والدته بحنية، وقبّل جبينها وقال:
— لو نُفّذت هذه المرة من الملاحقة، سأكون ممتناً لدعواتك وبركاتك يا أمي...!
ولكن هيهات يا أمي!
أحسّ بأن هذه المرة لن يُفلت من أيديهم. لامست أموراً غير طبيعية. كان الناس كثيرون، ولم نعتد على هذا الجمهور الغفير. معارضنا كلها سرية، والزوار بالعادة لا يعدّون على أصابع اليد. ولكن هذه المرة كانوا كثراً يا أمي. أشكال وألوان، قوميات وأديان، حتى آنسات الساحل. لا أعلم كيف جاءوا ومن دعاهم.
آه يا أمي... أعلم بهذه التجمعات كم من ذوي الضمائر الدنيئة والخسيسة يندسّون بين الجماهير، ويكتبون، ويملؤون، ويبثّون سمومهم في تقارير بعيدة عن الحقيقة والواقع كل البعد.
صدق توقعه وحدسه. بعد يومين طلب قسم الشرطة إبلاغ والده للحضور إلى فرع (........).
لم يغمض له جفن حينها. ازداد قلقه وحيرته. فكّر بالرحيل والهروب من بلدته، ثم عدل عن هذه الفكرة عندما نظر إلى زوجته وولده وهما قد غطّا في نوم عميق.
سأل ذاته: كيف لي بالابتعاد عنهما؟ سيقبضون عليها، أو على والدي... أو ربما أخي الصغير. سيحجزونه بدلاً عني، مثلما فعلوا بصديقي أبو روجين عندما حجزوا على أخيه الكبير عوضاً عنه، حتى اضطر المسكين إلى تسليم نفسه، وقضى ثلاث سنوات في السجن.
بقي حتى الساعة الثالثة والنصف صباحاً على هذه الحالة. خرج إلى الفرن الذي بجواره ليتخلص من الأفكار السوداء التي تراوده من حين إلى آخر. وما أن دخل المخبز حتى سمع هدير سيارة وقفت، وترجلت منها سبعة مسلحين، وأمروه بتفتيش المنزل.
لم يبقوا شيئاً على حاله. قلبوا البيت رأساً على عقب، وزوجته مرعوبة تنظر إليهم بخوف ووجل. مدّ المساعد يده إلى المكتبة وقال باستهزاء:
— أوه... كتب ماركسية أيضاً...؟ وماذا تعمل بها أيها المناضل...؟
ردّت الزوجة بغضب:
— وماذا يعمل بها؟ ألم تقرؤوا الكتب المدرسية؟ ألا تعرفون لينين وماركس...؟! أم أن هذه المواد فقط غطاء وستار لتبرير أفعالكم؟
— سأترك لك هذه الكتب للتثقيف يا مناضلة. الأدلة التي بين أيدينا من نشرات ولوحات كافية بإدانته وزجه لسنوات.
التفت إلى الشرطي وقال:
— الثاني وين بيته...؟
ردّ أحدهم:
— أكيد زميله يعلم بمكانه، أليس كذلك يا فنان...؟
— لا أعلم بمكانه، وقد لا يكون موجوداً أصلاً في البلد، فهو يعمل في العاصمة.
ردّ شرطي آخر:
— سيدي، هؤلاء الناس ما رح تأخذ منهم لاحق ولا باطل. عاملين حالهم شرفاء، لا يبلّغون على بعضهم، يعتبرونها خيانة عظمى. أنا أعلم بمكانه. دارهم قريبة من خمارة أبو يوسف، المحل الذي نشرب فيه دائماً. مأدبة المختار، ألا تتذكرها؟ أبهذه السرعة نسيتها...؟!!!
— عظيم. ولتذكرني أيضاً في التحقيق أنه لم يدلّنا على بيت زميله، الأستاذ شريف أفندي.
اتجهوا نحو حارة زميله. لحظات، وهدير سيارة الجيب هدأ أمام مسكنه. وبعد حين أخرجوه وهو يتوسط اثنين منهم متمتماً. وصل إلى سمعه:
— تداهمون منازلنا كالإسرائيليين عندما يلاحقون شبان الفلسطينيين...!!
أثناء الطريق أصبحوا يستهزئون ويتسلّون بهما ويذلّونهما، ووجهوا لهما أسئلة سخيفة. شعرا بزيادة مسافة الطريق وطولها، بالرغم من أن المسافة في الحالات العادية تأخذ وقتاً أقل بكثير.
— اسمك حقيقي ولا مستعار — أقصد — فني، مثل زميلك آرشفين... يا دهان...؟
— أولاً، أنا أستاذ مدرسة. ثانياً، ما العيب إن عملت دهاناً؟ واسمي حقيقي.
— يعني أنك لا تخاف ولا تحسب حساباً لأحد.
— .................(صمت)
— وأنت يا آرشفين، يا فنان، لماذا غيّرت اسمك...؟ ألم يعجبك ما سمّاك به والداك...؟!!!
— لا... لم يعجبني هذا الاسم، ولا يليق بنا. إنه اسم غريب عنا ولا أحبذه، فاستعرت اسماً من لغتنا.
— سأجعلك تحبه بعدد صعقات الكهرباء، والكرسي الألماني ينتظرك على أحر من الجمر، وستحبه غصباً عنك وعن الذين خلفوك...؟
— في الدول المتحضرة بإمكان الإنسان أن يغيّر اسمه عن طريق المحكمة، وأعتقد أن عندنا أيضاً يحق لنا ذلك. قالها بعفوية.
— ضبّ لسانك واخرس أيها الحقوقي الفاشل، ولا تجعل من نفسك محامي الشيطان والدفاع عنه. أعلم أنك درست سنتين حقوق ولم تنهِ دراستك بعد. وللعلم، نحن نعلم بكل شاردة وواردة عن حياتك الشخصية... حتى عن مغامراتك وعشقك... ومن كنت تعشقها قبل زواجك...؟ اسأل حالك بلوحاتك...؟ أدهن... أدهن...؟
التفت إليه سائقهم وقال:
— يا سيدي، راودتني فكرة هائلة، وأريد طرحها على جنابكم. ما رأيكم، بعد استقبال الموقوفَين — والتفت نحوهما — أيما استقبال، على راحتكم وراحة رئيس الفرع، أن ندهن المكتب بهؤلاء الحثالة؟ أفضل من جلب عمال الدهان، ونأخذ من المزارعين أجرة العمال والمصاريف.
ابتسم المساعد وقال:
— يا فالح، من قال لك بأننا سندفع للدهان ولا لغيره؟ لكن استساغ لي أمر تنشيط مخك...؟!!!







التعليقات