انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

رجوع باهت

محمد فيض خالد
محمد فيض خالد

قاص وروائي مصري

3 دقائق للقراءة
34 مشاهدة
رجوع باهت
مشاركة:

شيء غير متوقع يحدث هذا الصباح؛ لقد عاد بائع العصافير. ظهر شبحه مجدداً أمام الحوض الكبير يغسل وجهه. قبيل رحيله الأخير تبدلت أحواله بشكل محير؛ ضمر جسده، وزحف الوهن إليه كعجوز، وبدا بنيانه مترهلاً. اختفت تلك النتوءات المتأرجحة من حول خصره، وغزا الاصفرار وجهه. لا يقطع صمته المريب غير حديث صاخب يقضيه في الهاتف، ينتابه الهوس، يتفل ويتمخط بجنون كأنه يصارع حمى تنهشه، يبرطم، وتتلاحق أنفاسه في ثورة وانبهار، يزفر من صدره أنفاس الضيق كالثور المذبوح. أُفرغت أقفاص العصافير، وأُهملت الكائنات الرقيقة التي تعود ملاطفتها، فاختفت أصوات البلابل، وتباطأ هيجانها وهي تقفز فوق الأسلاك، وتناثرت فضلاتها لتغرق المكان في فوضى وقذارة. تعلقت عينا القط الأسمر الكبير في جرأة ووقاحة —لأول مرة— بالأقفاص، تحرك أنفه الدقيق يتلمظ في تشهٍّ، ولسانه الأحمر يلعق شواربه في هوس. قبيل الرحيل لم أصدق عيني وأنا أراه يهشم عظام عصفور هزيل ،لا أعرف سبباً لهذه الانتكاسة، غير أن صاحبنا يخرج من حياته بالتدريج؛ تعبر أنفاسه المتلاحقة المندفعة من سيجارته الرخيصة، أنفه الكبير الذي يفركه بعنف، ويده التي تجذب باب الغرفة بقوة مخفية شيئاً مريباً. بعد يومين بالتمام لم يعد له أثر، أُزيحت من الممر أقفاصه الفارغة، وأُغلقت حجرته في خرس موجع ،لستُ متأكداً ما الذي دفعه ليعود بهذه الهيئة المطمئنة، ولماذا زادت أقفاصه؟ استغربتُ لهمته المفرطة، وجسده الذي عاد متيناً، وصوته المتأرجح بصخب في الممر، لكنه ورغم ادعائه، لا يزال خلف وجهه الضاحك ركام من الهموم، وألم ينهش صدره. كل ما يعنيني زقزقة العصافير التي افترشت المكان، والحياة المرحة التي دبت من جديد، وصوت غنائه الرخيم وهو يحاول مداراة الشرخ القديم، وجهده المبذول لتنحية المخاوف وتجاهل ذلك الكابوس المطبق على صدره. سريعان ما أسرف في حبك الدور، وفي إغراق من حوله بعطفه. عادت ثانية صديقته السمراء الضامرة في الظهور، ففاض الممر بعطرها الثقيل، وتصاعد همس خلاخيلها النحاسية الرنان، وتلاعبت ضحكات النشوة المتقطعة، والحركة المفرطة المختلطة بالمتعة، وصوت عراكهما، ثم الهدوء الذي يعقب العاصفة. لم يقتصر الأمر على صديقته، بل جاءت أخريات؛ توافدن في كامل زينتهن للغرض نفسه، فاشتبكت ضحكاتهن المبتذلة بصمت المكان، وامتزجت الآهات الطازجة بزناخة الممر المعتم، وغطت رائحة العطر الرخيص رائحة الكركم والطبيخ.

مر شهران، رأيته يحملق ثانية في الجدران وبالمارة، تسري تلك الرعدة القديمة في جسده، يطالع في صمت الخيالات القادمة مع الغروب بوجه شاحب، وعينين حمراوين، وتقاطيع متشنجة. أهمل ثانية أقفاصه ليزحف الموت الكريه نحوها، فضعف صوت عصافيره، وبدا القط مرة أخرى أشد جرأة؛ يحرك لسانه الأحمر، ويحرك أذنيه، ويمد منخريه يتشمم. ازداد اهتياج العصافير، ولفّ صاحبنا الدهشة، بعد أن أنهك نفسه في مص أعقاب السجائر الرخيصة، وفي الذوبان بين جدران غرفته الرطبة مع بنات الهوى وكؤوس الخمر.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تضيق الأرض بالخطوات
ثقافة عربية

حين تضيق الأرض بالخطوات

حين تضيقُ الأرضُ بالخطوات قصيدة للشاعر حسن غريب أحمد أمشي، وفي صدري مواسمُ حيرةٍ وعلى كتفيَّ حقائبُ من أسى أمشي كأنَّ العمرَ نهرٌ ضلَّهُ مجرى، وكأنَّ الحلمَ أضناهُ الظما ما عادَ في وجهِ المرايا فرحةٌ إلا بقايا وجهِ أمٍّ تنتظرْ والليلُ يخلعُ عن نوافذِنا المنى ويُعيدُ ترتيبَ الخساراتِ الكُبَرْ يا هذه…

· 2 د
تراتيل الزمن الضائع
ثقافة عربية

تراتيل الزمن الضائع

قال لها ذات شتاء نلتقي قرب صخر الدهشة، نفتت عشب الضمائر الملحدة نتوحد في سر الماضي المنزوي في تراتيل الزمن المتسارع الضائع في ذؤابة الأيام قال لها كلام و اقترب من نهاية التخفي في صيرورة الزوايا ذهب يئن في مراجل الرزايا يصد ذئب الجوع عن صبايا احترفن عشق سحابة الزيتون يرتلن مع حصى الخنوع بتلة الذهاب…

· 5 د
الباص رقم «42»
ثقافة عربية

الباص رقم «42»

قصة قصيرة بقلم : هدى الهرمي ركبت ليلى الباص رقم «42» بصعوبة شديدة، وهي تتلمسّ لنفسها موطئ قدم بين الأجساد المتلاصقة، والأنفاس اللاهثة. امتزجت رائحة العرق بعطور متباينة، وتعالت أصوات متقطّعة من هنا وهناك، بينما كان مراقب التذاكر يشقّ طريقه بين الرُكّاب، مطالبًا كلّ واحد منهم بالاستظهار بتذكرته.…

· 4 د