شيء غير متوقع يحدث هذا الصباح؛ لقد عاد بائع العصافير. ظهر شبحه مجدداً أمام الحوض الكبير يغسل وجهه. قبيل رحيله الأخير تبدلت أحواله بشكل محير؛ ضمر جسده، وزحف الوهن إليه كعجوز، وبدا بنيانه مترهلاً. اختفت تلك النتوءات المتأرجحة من حول خصره، وغزا الاصفرار وجهه. لا يقطع صمته المريب غير حديث صاخب يقضيه في الهاتف، ينتابه الهوس، يتفل ويتمخط بجنون كأنه يصارع حمى تنهشه، يبرطم، وتتلاحق أنفاسه في ثورة وانبهار، يزفر من صدره أنفاس الضيق كالثور المذبوح. أُفرغت أقفاص العصافير، وأُهملت الكائنات الرقيقة التي تعود ملاطفتها، فاختفت أصوات البلابل، وتباطأ هيجانها وهي تقفز فوق الأسلاك، وتناثرت فضلاتها لتغرق المكان في فوضى وقذارة. تعلقت عينا القط الأسمر الكبير في جرأة ووقاحة —لأول مرة— بالأقفاص، تحرك أنفه الدقيق يتلمظ في تشهٍّ، ولسانه الأحمر يلعق شواربه في هوس. قبيل الرحيل لم أصدق عيني وأنا أراه يهشم عظام عصفور هزيل ،لا أعرف سبباً لهذه الانتكاسة، غير أن صاحبنا يخرج من حياته بالتدريج؛ تعبر أنفاسه المتلاحقة المندفعة من سيجارته الرخيصة، أنفه الكبير الذي يفركه بعنف، ويده التي تجذب باب الغرفة بقوة مخفية شيئاً مريباً. بعد يومين بالتمام لم يعد له أثر، أُزيحت من الممر أقفاصه الفارغة، وأُغلقت حجرته في خرس موجع ،لستُ متأكداً ما الذي دفعه ليعود بهذه الهيئة المطمئنة، ولماذا زادت أقفاصه؟ استغربتُ لهمته المفرطة، وجسده الذي عاد متيناً، وصوته المتأرجح بصخب في الممر، لكنه ورغم ادعائه، لا يزال خلف وجهه الضاحك ركام من الهموم، وألم ينهش صدره. كل ما يعنيني زقزقة العصافير التي افترشت المكان، والحياة المرحة التي دبت من جديد، وصوت غنائه الرخيم وهو يحاول مداراة الشرخ القديم، وجهده المبذول لتنحية المخاوف وتجاهل ذلك الكابوس المطبق على صدره. سريعان ما أسرف في حبك الدور، وفي إغراق من حوله بعطفه. عادت ثانية صديقته السمراء الضامرة في الظهور، ففاض الممر بعطرها الثقيل، وتصاعد همس خلاخيلها النحاسية الرنان، وتلاعبت ضحكات النشوة المتقطعة، والحركة المفرطة المختلطة بالمتعة، وصوت عراكهما، ثم الهدوء الذي يعقب العاصفة. لم يقتصر الأمر على صديقته، بل جاءت أخريات؛ توافدن في كامل زينتهن للغرض نفسه، فاشتبكت ضحكاتهن المبتذلة بصمت المكان، وامتزجت الآهات الطازجة بزناخة الممر المعتم، وغطت رائحة العطر الرخيص رائحة الكركم والطبيخ.
مر شهران، رأيته يحملق ثانية في الجدران وبالمارة، تسري تلك الرعدة القديمة في جسده، يطالع في صمت الخيالات القادمة مع الغروب بوجه شاحب، وعينين حمراوين، وتقاطيع متشنجة. أهمل ثانية أقفاصه ليزحف الموت الكريه نحوها، فضعف صوت عصافيره، وبدا القط مرة أخرى أشد جرأة؛ يحرك لسانه الأحمر، ويحرك أذنيه، ويمد منخريه يتشمم. ازداد اهتياج العصافير، ولفّ صاحبنا الدهشة، بعد أن أنهك نفسه في مص أعقاب السجائر الرخيصة، وفي الذوبان بين جدران غرفته الرطبة مع بنات الهوى وكؤوس الخمر.







التعليقات