حاولت بلا جدوى تناسي الأثر، لكنها فشلت؛ تشعر بعقدة النقص تلازمها ولا تنفك عنها. كيف لوجه إنسان أن يصبح مبعث شكواه وموضع قلقه طوال عمره؟ من كان يظن أن هذا الجمال الباهر وهذه الفتنة الخلابة يمكن أن تنبت بين الآلام، والحطام، وركام المتاعب والبؤس؟ ،صحبتها عاهتها منذ صغرها، يحوم شبحها حوم الموت، يهبط عليها في كل ساعة فيضيق عليها الخناق. حتى بعدما كبرت وصارت إلى ما تصير إليه النسوة، ما برح يتردد صدى كلمات المواساة المؤلمة، يتجول بخاطرها كنباح الكلاب: «الحلو ما يكملش». الوجه الأبيض البراق المجلو في نضارة، كيف لهذه الندبات أن تشوهه، وأن تحوله لعورة توارى؟ كانت صغيرة بحيث لا تدرك يوم سقوطها في إناء الماء الساخن..
نعم، نجت من الموت المحقق، لكنها لم تنجُ من وخز آلام نفسها التي شدتها إليها بوثاق متين، استكثرت عليها الأيام أن تكون من السعداء كبقية الفتيات، ولم تفلح وصفات الطبيب المعالج في إزالة آثار الحروق؛ فقطرات من الماء المغلي كانت كفيلة بأن تذيب هذا الجمال وتحيله إلى آلام ثقيلة تصلي سعيرها. حاولَت أكثر من مرة هجر ماضيها، لكن شيئاً ما يجعلها تبحث في زواياه البعيدة، تنبش الرماد الحار؛ لعل دافع الأنوثة المتكون فيها، والمتخلق في امرأة مكتملة في كل شيء إلا موضع لبنة تأتي منه المخاوف، تتسلل منه العيون فتبدد هذا الجمال وتجعله هباءً منثوراً..
مبكراً امتدت يدها لأدوات الزينة، تلك التي تلطخ بها الوجوه وتجعل من «البوصة عروسة»، اندفعت في فوضى تغرق مكان الحرق، يومها عنفتها والدتها، فلا يليق بفتاة في مثل سنها أن تأتي بأفعال الكبار، لحظتها بذلت جهداً كبيراً كي لا تندفع إلى البكاء، لكنها شعرت ولأول مرة بالغربة، وبحاجتها لذلك القناع الذي لا بد منه لتتوارى خلفه من الناس، بل ومن نفسها، لأول مرة تشعر بذلك المخلوق المشوه الذي خلا من كل مزية، تلك الثلوج المتراكمة فوق صدرها ثقيلة تخنقه وتشعره ببرد الخيبة، مرارا حاولت التذرع بالشجاعة والثبات لكنها ترجع عنهما، وفي الأخير قابلت ضجر الأم وإصرارها بإصرار أكبر منه؛ ترجع في كل مرة أشد قوة وأكثر عزماً من ذي قبل، تقول لنفسها إنها أقوى مهما كان العنت.
اشترت بأول مبلغ جمعته من مصروفها علبة صغيرة من تلك البضائع الرخيصة التي تباع فوق الرصيف، وتهرول إليها المراهقات من بنات المدارس ، اختلت بنفسها داخل غرفتها، وأمام مرآتها شرعت في تمرير يدها بذلك المسحوق الوردي، مسته بطبقة رقيقة ،استسلمت لها في رضوخ محبب، حتى ألفته واتقنت نقشه، مشت بها السنون بين شد وجذب، قبول ورفض، وعود قطعتها على نفسها ثم فكت وثاقها، ولم تنفك عنها تساؤلات الأمس: «لماذا هي بالذات دون البقية؟! لماذا تلح الحياة عليها أن تضعها موضع المسخ؟»، لكنها لم تهتدِ لإجابة مريحة، الإجابة الوحيدة التي تلقفتها واستكانت لها نفسها كانت من مرآتها؛ صديقتها التي لازمتها من المرة الأولى، ذلك الانصياع لصداقة قديمة، فهي الوحيدة التي تحرص على إظهار رونقها، وأن تبدو أنيقة خالية من كل عيب.
بمرور الوقت تزحزحت قليلاً تلك الثقة؛ تشعر وكأن عيناً تنبت للمرآة تبحلق فيها شامتة، تهمس بنبرات مرتجفة لحظة مواجهتها وقد انحبست الكلمات بصدرها، تبدو مهدمة، تطالعها بعينين زائغتين قد جمدت الدموع في مقلتيها، وبعد هنيهة تنجلي عشاوة الدمع وتنزاح قليلاً لتتحلل من خجلها. تشرع في تمرير يدها فوق وجهها بتلك المساحيق السحرية، تلهب وجنتيها، لتتفجر منهما النضارة وتتجلى فيهما آيات الفتنة، بعد دقائق تتمشى السكينة في جوانحها، هادئة البال على وقع لحن شجي، وكأنها تتملص من تلك الهواجس التي استوطنتها والّتي تلف حولها كوحوش ضارية.
عندما بلغت مبلغ النساء وتحركت فيها تلك الألسن الملتهبة التي تتجول في كل ذرة بجسدها -تلك العاطفة والأحاسيس المتمشية في كل أنثى - توثقت علاقتها بقناعها. كان الحب قد مس قلبها المنكسر أخيراً؛ زميلها في العمل حاول أكثر من مرة أن يقترب منها، حام في شجاعة حول الوجه الجميل، طرقت نظرات الحب قلبها بعصاه السحرية، تملكتها النشوة واندفعت في هذا الطريق وكأنها أملكت حبال الأمل بيدها تقول في سعادة:" ولما لا؟"، لا تشغلها الشواغل إلا بذلك التعلق اللذيذ الطارئ عليها. مراجل النار التي شبت فيها، والتي ظنت أنها غير موحودة، سكبت عواطفها في صمت محكم تستمد منه قوتها، لكن الوساوس القبيحة لا تزال تلاحقها، فعلت ما بوسعها لتنجو بحبها الوليد، لكن تلك الأحلام الوردية ما إن تزهو حتى تبهت؛ عادت أدراجها سريعا، انطوت ثانية على نفسها ليسود الملل، عاودتها روحها المضطربة ثانية، تلك الروح البعيدة عن الجمال، الضعيفة، المشتتة، ترتجف في تداعٍ مخيف.
بيد أن خيطاً رفيعاً من السعادة لا يزال يربطها بالحياة؛ تعاودها ابتسامة الثقة الثقيلة، تنزوي خلف قناعها، أمام مرآتها تتجرد من ملابسها قبل أن تخلد إلى النوم ، تمرر يدها من فوق خصرها النحيل، تدلك ذلك البطن الضامر في مداعبة لطيفة، تطالع في انتشاء ساقيها المكتنزتين، ورمانتي صدرها المتصلبتين المفعمتين بالإغواء الشهي، ردفها الملتف في تصلب فتان، بشرتها البيضاء النقية، خصلات شعرها الأحمر المتموج المسترسل في انسكاب، جسد طازج مفعم بالحيوية وبسحر الأنوثة الفوار، طفرت منه الحياة في اندفاع جارف، لكنه اندفاع محفوف بالمخاطر، متردد في تخاذل.
تعود سريعاً إلى قناعها تلبسه في خضوع مذل؛ طاولة عريضة تفيض بعلب الزينة، تغرقه في نهم مسعور منها، تنثر في بذخ وإسراف غاضب وعينها معلقة بالمرآة في حماس متوجس، والألم ينهش صدرها، يحرق روحها ويحيلها لرماد.
منذ فارقت بيت أبيها واستقرت في شقتها وحيدة بعد رحيل والديها، لم تجد الونس الذي كان، حتى الجدران أضحت جاحدة كأهلها. يمتد الشرخ بداخلها، يتعمق في كل يوم، فاكتفت من يومها بالذهاب للمدرسة؛ أصبحت ساعات العمل بين طلابها، محادثة زميلتها المفضلة، الوردة الحمراء الوحيدة التي تعود بها، ملاعبة قطتها البيضاء، حوض السمك... تلك سلوتها من هذه الحياة،ما إن تعود حتى تهرع إلى المرآة، تزيل عن وجهها ما أثقلَه من قناع الصباح، تحرره وتطلقه من قيوده، تمرر يدها فوق الحطام الموجعة، وتبدأ في نوبة جديدة من البكاء تغيب فيه لدقائق منعزلة عن عالمها، تظل في ثباتها حتى يلف عباءةَ الظلامِ الوجودُ، فتهب مفزوعة، منتصبة أمام المرآة، خائرة القوى ،محطمة العزيمة، لتلصق القناع بوجهها من جديد.
وفي صبيحة يوم صائف، أرسلت صديقتها صغيرها في بعض شؤونها، استعجلتها طرقاته الوجلة، فخرجت مطمئنة قبل أن تضع قناعها كالعادة، حين رآها الصغير ذهل، وقال في بحة يكتم بها صراخه:" أريد خالتو مشيرة"، كانت هذه المرة الأولى التي يراها دون قناع، بدون جمالها المعروف. وبعد أن ودعته، أصابتها قشعريرة تمشت في عروقها، تملكها الخجل جرت صوب المرآة، فما إن رأت وجهها حتى شهقت، وكأن الشهقة تخرج من عينيها. بدت أنفاسها الضعيفة تتمزق بين شفتيها في هزال تام. وفي اليوم التالي قابلت صديقتها، توقعت أن في نفسها شيئاً من حديث الأمس، فلا بد أن الصغير قص عليها ما رأى، لكن الأمر مر بسلام؛ كانت المرآة من الحكمة بحيث تخفي عنها الحقيقة، وكأن شيئاً لم يكن.
وكيل المدرسة رجل مقتدر تجاوز الأربعين بقليل، كانت رائحة أنوثتها تملأ أنفه وتدغدغ أعصابه، انشغل بها طويلاً قبل أن يطلبها للزواج،ارتفع في صدرها صراخ حاد كاد أن يقضي عليها، انكمشت على نفسها وبريق مخيف ينطلق من عينيها، عادت ضحكات مرآتها تجلجل ساخرة، وصوت عميق ينطق في هزء: «لقد كُتب عليك أن تقضي حياتك خلف هذا القناع، إنه قدرك، وحذارِ من التمرد عليه».
بعد شهر، قدمت طلباً لنقلها من المدرسة؛ لتهرب بعيداً بقناعها..







التعليقات