انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين تجدُ الكلمةُ صوتَها

عبد الواحد منيصير
عبد الواحد منيصير

قاص وأديب مغربي

2 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
حين تجدُ الكلمةُ صوتَها
مشاركة:

الكلمةُ لا تموتُ حينَ تُكتب،

ولا تُدفنُ حينَ يُطوى بها السطر؛

تظلُّ في صمتِها،

تنتظرُ صوتًا يوقظُها من الصمت،

وقلبًا يلتقطُ معناها قبلَ أن يلتقطَ الحرف.

فإذا وجدته، خرجتْ من عتمةِ الورق

كأنها أولُ نورٍ في آخرِ سفر،

تحملُ وجعَها، وتحملُ فرحَها،

وتفتحُ في جدارِ الغياب

نافذةً أخرى للعمر.

تخرجُ من صمتِ الورق

خفيفةً كالنور،

عميقةً كالجُرح،

بعيدةً كالسفر؛

وفي كفِّها سرُّ الطريق،

وفي عينيها بقايا المطر،

وفي صدرِها وجعٌ يبحثُ عن صدر،

وفرحٌ تأخّر

حتى وجدَ من ينتظر.

أنا لستُ حبرًا على ورق،

ولا اسمًا عابرًا على حجر؛

أنا وجعٌ إذا نطقَ صارَ أغنية،

وفرحٌ إذا تأخّرَ صارَ قدر.

أنا الذي ضاعَ بينَ فمِ الشاعر

وصمتِ البشر.

وكلما قالوا: انتهت،

قلتُ: ابتدأت؛

وكلما قالوا: انطفأت،

فتحتُ نافذةً أخرى

في جدارِ القبر.

فلا تكتبوني كما تُكتبُ أسماءُ الموتى،

ولا تحفظوني كما تُحفظُ الأشياءُ في الحجر؛

اكتبوني كما يكتبُ عاشقٌ رسالتَه الأخيرة،

لا يريدُ لها أن تصل،

بل يريدُ لها أن تُقرأ

حينَ يجيءُ الغياب،

حينَ يجيءُ القدر.

أنا لا أبحثُ عن يدٍ تكتبني،

بل عن قلبٍ يقرأني؛

لا أبحثُ عمّن يسأل: ماذا تعني؟

بل عمّن يقول: أعرفك...

منذُ زمنٍ وأنا أعرفك،

لكنني لم أجدْ لك صوتًا؛

صوتًا يشبهُ هذا الحنين،

صوتًا يليقُ بهذا السفر.

وحينَ وجدتُ صوتي فيك،

عرفتُ أن الحروفَ لا تشيخ،

وأن القصائدَ لا تموت،

وأن ما نظنُّه آخرَ السطر

قد يكونُ أولَ العمر،

وأن ما نسمّيه نهايةً

قد يكونُ بابًا آخرَ للعبور.

فيا من تقرأني الآن،

لا تُغلقِ الصفحة،

لا تُطفئِ النور،

لا تعبرْ سريعًا فوقَ السطور؛

فثمّةَ كلمةٌ تنتظرُك،

وثمّةَ كلمةٌ تناديك،

وثمّةَ كلمةٌ، منذُ آلافِ الصمت،

تبحثُ عن شفتيك؛

كي تولدَ فيك،

كي تصيرَ صوتًا،

ويصيرَ صوتُك وطنًا،

ويصيرَ الوطنُ سفر.

وحينَ تقولُها،

لا تقلْ: انتهت؛

قلْ: بدأت.

لا تقلْ: ماتت؛

قلْ: وُلدت.

لا تقلْ: هذا آخرُ السطر؛

قلْ: هنا يبدأُ العمر.

فأنتَ الصوتُ الذي انتظرتهُ الكلمةُ طويلًا،

وأنتَ القلبُ الذي فهمَها أخيرًا؛

ومنذُ أن وجدتك،

لم تمتِ الكلمة،

ولم ينتهِ السفر.

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٥٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

وطن عاش جهنم
ثقافة عربية

وطن عاش جهنم

عساف سلامة السلمان أقامت بلدية المدينة التي أسكنها في الصيف الماضي مجموعة من النشاطات الثقافية في الحديقة العامة. كانت هناك موسيقى ومسرح ومعارض وأشياء أخرى لم أكن أفهم معظمها، لكنني كنت أذهب إليها من باب الفضول. فالإنسان المهاجر يتعلم أن الفضول أرخص وسيلة لفهم البلد الذي وجد نفسه فيه. ذات مساء،…

· 2 د
ضربة عصا واحدة
ثقافة عربية

ضربة عصا واحدة

لم أكن أحلم، في طفولتي، بأن أصبح صاحب عصا سحرية. كنت أحلم بأشياء أكثر تواضعا: أن أجد وظيفة لا تسرق نصف عمري، وأن أرى الشوارع نظيفة، وأن يدخل المواطن الإدارة من بابها ويخرج منها من دون أن يحتاج إلى وسيط، أو قريب، أو صديق لصديق يعرف موظفا يعرف مسؤولا. لكنني، ذات صباح، استيقظت فوجدت العصا إلى…

· 5 د
فلسطين.. التي لا تشبه غيرها في الموت والبقاء
ثقافة عربية

فلسطين.. التي لا تشبه غيرها في الموت والبقاء

مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن باحث أكاديمي من ظن أن فلسطين مجرد قطعة أرض ضيقة على خريطة عالم شاسع؛ فقد أخطأ في تقدير ما يتسع له المكان من تاريخ. فلسطين - وإن ضاقت في حناجرنا الكلمات - ذاكرة وطن أنهكه الحصار، ومرآة لنكبة قرن لم تجد الطريق إلى نهايتها. فلسطين ذلك الجزء الغزير من التاريخ الذي كلما…

· 5 د