أذكر انني ولدت في المدينة البيضاء، هذه المدينة التي لا تحمل من اسمها شيئًا..
مدينة لا تنام، هي فقط تُغمض عينيها كي لا ترى ما تفعله بأبنائها..
أخبرتها ذات يوم، وأنا أجوب شوارعها التي أرهقها الركض، أنني أمقتها.. ابتسمت وقالت: أنا نفسي لا أطيقني..
نحن على خلاف مستمر..
ثم تركتني ومضت، لكن عبارتها ظلت تلاحقني في شوارع ليلها، كأنها قررت أن تردّ إليّ صوتي، ولكن بصوت لم أعرفه..
كنتُ أشعر أنني غريبة عن كل ما يحيط بي.. غريبة عن يدي اللتين تحملان مفاتيح بيتي.. وعن مرآتي التي ظلت سنوات تردّ إلي وجهي دون أن تخبرني لمن يعود.. أنا التي خدعتني ألوان الحياة في المدينة البيضاء حتى صرت لا أستطيع أن أميز بينها..
بقيت أجوب الشوارع التي بدت لي أكثر معرفة بي من نفسي.. كانت تعرف الأماكن التي أهرب إليها حين أعجز عن احتمال ضجيج النهار، والمقاهي التي أجلس فيها بين الغرباء، حتى أشعر أن وحدتي ليست استثناء في هذا الكون..
كان قد مضى وقت طويل حين استوقفني مبنى متهالك.. بدا كأن من سكنوه قد نسوه، حتى غاب عن ذاكرة المدينة.. كان بابه مواربًا.. دفعته ببطء، فصدر عنه صرير شقّ سكون المكان.. تجاوزت العتبة بخطى هادئة.. رأيت امرأة تجلس خلف الباب المنفرج قليلا، تحدّق في صورة باهتة.. تقدمت إليها وسألتها بفضول،
—من أنتِ؟
قالت وهي ما تزال تنظر الى الصورة:
—امرأة ابتلعها التاريخ.. دخلتُ من هذا الباب يوما، وحين غادرني الكون، لم أعد أعرف طريق الخروج..
جُلت بعيني في أرجاء المكان.. وتساءلت: كم مكانا حللت به دون أن أعرف ما تخفيه جدرانه؟.. وكم بابا عبرتُه دون أن أعلم حقيقة ما وراءه؟.. وكم وجها التقيتُه، ولم أكن أعرف ما يُبطِنه خلف ملامحه؟.. كم من الأشياء مررت بها دون أن أراها..
حين التفتُّ لأغادر، رأيت مرآة ملقاة عند عتبة الباب.. اقتربت منها، لكنني لم أرَ وجهي.. رأيت المدينة البيضاء.. رأيت أنوارها المنطفئة.. ووجوه المارة الذين لا يجرؤون على البوح بما تخفيه ملامحهم.. رأيت أشياء لم أجرؤ على تسميتها جعلتني أخرج مسرعة إلى الشارع، وأترك الباب مفتوحا خلفي..
كان الليل ما يزال مستيقظًا، وكانت المدينة البيضاء ترفل في ضجيجها الذي لا يهدأ.. وفي صمتها الذي لا يكاد يسمع..







التعليقات