انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

جبل الشاعر جميل حاجب

حميد عقبي
حميد عقبي

كاتب وناقد ومسرحي يمني

4 دقائق للقراءة
16 مشاهدة
جبل الشاعر جميل حاجب
اللوحة بريشة حميد عقبي
مشاركة:

قبل أن أغلق جهاز اللابتوب، لمحت منشورًا قصيرًا للشاعر اليمني جميل حاجب، وكتب: «الليلة لم يأتِ النوم حتى اللحظة، وأنا جالس أشوف الجبل وهياج الجبل التي تبدو موحشة، وأتذكر صاحب الموتور الذي قال لي اليوم إنه رأى جنية تغطي نفسها بثوب أبيض، وإنها كانت تقف في مكان مخيف في أسفل النقيل. أخبرته بأن المكان مرعب بالفعل، لكنه أكد لي أنه شجاع، هو ما زال شابًا صغيرًا. قلت له: جيد إنك شجاع، أما أنا فلم أعد أخرج في الليل، لقد عملت بنصيحة الرجل الكبير الذي قال لي ذات مرة: (الليل ليس لبني آدم)، والواحد مش ناقص فجائع.»

قرأته بسرعة، ولم أظن أنه سيلتصق بذهني. وقتها ربما كانت الساعة تشير للثانية عشرة ـ منتصف الليل، أتأكد تمامًا من دقة التوقيت، هيأت نفسي للنوم وبدأت أخطو نحو غرفة نومي. انطفأت لمبة الممر القصير المؤدي للغرفة، إذا بي، في لحظة سريعة ربما كانت ثانية واحدة، وجدت نفسي في طريق جبلي وعر. تذكرت بسرعة وخطر في عقلي ما قاله جميل عن جبله، لم يكن هناك أي ضوء للتأكد من أي شيء. فجأة سمعت صياح ديك، كرر صياحه بحماس وكأنه يعلن مقدم الفجر، تبعته بعض الديوك.

شعرت كأني قادر على رؤية الديك النشط، وأن أسمع المستيقظين من أهل القرية، والذين ظنوا أنه موعد صلاة الفجر. بدأ الجميع يتهيأون، وغادر بعضهم متوجهًا للمسجد. أحدهم دق على أحد الأبواب ونادى جميل حاجب، يحضه على الاستيقاظ، فالفجر لا يعوّض، ثم طرق بابًا مجاورًا ونادى مؤذن المسجد، والذي نهض ونظر إلى السماء، تأكد من ساعته وقال للمنادي: لم يحن الفجر ولا حتى الفجر الكاذب، لقد تأكدت من ساعتي.

رد الطارق وقال بجدية: أتصدق ساعة صنعها الكفار وتكذب الديك، خلقه ربنا ليؤذن للفجر؟ الله يهديك، قم حتى لا تفوتنا بركة اليوم.

اضطر المؤذن أن يخرج، ورأيت صديقي جميل حاجب يخرج أيضًا. مشى الثلاثة، وكنت أتبعهم بحذر، فأنا لم أعتد على المشي بالطرق الجبلية مثلهم.

وصلنا إلى المسجد الصغير، كان مزدحمًا برجال وشباب القرية في انتظار المؤذن، وكانت أصوات الديوك تملأ فضاء الجبل. لم يرني جميل ولا أحد من القرويين. كنت قادرًا أن أسمع حتى همساتهم، وأرى من زوايا مختلفة، وكأني أمام شاشات تنقل ما تصوره عدة كاميرات. حاول المؤذن أن يقنعهم أن شيئًا خطأ، وليس هذا الفجر، لكنهم تدافعوا يطالبونه بأن يؤذن. فعل ما طلبوا منه، وانتظرهم قليلًا، ثم صلى بهم.

من العادة أن تبدأ تباشير الصبح بعد الانتهاء من الصلاة، ولكن ذلك لم يحدث. ظل كل واحد يلتفت إلى الآخر، تساءلوا فيما بينهم عن الصبح الذي لم يرسل ولو علامة صغيرة للكون.

اقتربت من جميل وقلت له: محبات، كيف حالك صديقي الجميل؟

انتبه للصوت وسمعه، نهض وفتح هاتفه، والغريب أنه لم يجد التوقيت والنت لم يعمل، همس وقال: كأني أعرف الصوت.

قلت له: حرام عليك يا رجل، أخوك حميد، أنت تسمع وتشاهد فيديوهاتي.

ضحك ورد: فعلًا يشبه صوتك، لكني لا أراك، أنت في فرنسا، كيف جئت إلى هنا؟

قلت: لا أدري، آخر شيء قرأته منشورك عن الجبل والنقيل والجنية والليل، وكنت متوجهًا للنوم، انطفأت لمبة الممر، وجدت نفسي هنا منذ بداية صياح أول ديك.

قال مرحبًا: حياك الله، تفضل معنا البيت، نسلم على المصلين ونعود للبيت.

من العادة الناس تسلم على بعضها، ثم يغادر كلٌّ إلى بيته أو حقله أو عمله، ويوجد شخص ينشد أهازيج ريفية تحض على العمل والتراحم ومحبة الجبل، وقف وقال: عباد الله، تأخر الصبح، وكل شيء بيد الله، الليل والنهار والشمس والكواكب، ادعوا الله أن يطلق الشروق، ونسأل الله ما تكون علامة من حق يوم القيامة.

أحدث كلامه صخبًا ونقاشات عديدة. لم أكن أفهم لهجاتهم كلها، لكني فهمت أن أحدهم طرح فكرة الكسوف وطالبهم بصلاة الكسوف. بعد أخذ ورد، نهضوا وصلوا صلاة الخسوف، ثم انتظروا ولا فائدة. زاد التوتر، وصياح الديكة لم ينقطع.

اقترح أحدهم أن يصلوا صلاة الخوف، نهضوا وصلوا ركعتين خفيفتين، وكأن هذه الصلاة بعثت القليل من الطمأنينة. بعد عدة دقائق زاد التوتر، هناك من بكى، وهناك من ظل صامتًا.

انسحب صديقي جميل، ولم أتمكن من قراءة ما يحسه، توتر وانتظار. فتح هاتفه وهو يحدثني، ثم فاجأني وقال: أراك في الهاتف، لكن الصورة مهزوزة، تظهر وتختفي.

قلت: أنا أراك، لكن كأن هناك مسافة لا أقدر تجاوزها، والغريب لست خائفًا، لا، لا أقصد، خائف قليلًا لأني أعيش الحدث، هذا ليس خيالًا أو حلمًا أو قصة أكتبها.

قال جميل: الجو هنا يزيد توترًا، مضت ساعتان ونحن من صلاة إلى صلاة، والديكة لا تتوقف، وحتى الفجر الكاذب لم يأتِ.

هنا صرخ أحدهم وقال: قد نرجع ولا نجد بيوتنا ولا أهلنا، لا نتحرك حتى يبزغ الصبح.

بعد همس ونقاش، اتفقوا على هذا الأمر. خيم السكون والصمت، ودخل كل واحد منهم في عالمه الخاص، والديكة تواصل الصياح ولا تتوقف.

مشاركة:

آخر تحديث: ٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

بحثت عني فلم أجدني.
ثقافة عربية

بحثت عني فلم أجدني.

بحثت عني فلم أجدني سألت نفسي فتنكرت تهت فمضيت ثم أفقت من غفوتي بعدما وعيت إني لست أنا وإن أصررت فسجنتها في خلوتي وتخليت عشقت الفراق وانغمست في حبها ما حييت صعبة المراس شهوانية أمارة بالسوء بها أعذب أن لم أفلث عقالها عن عنقي وتنحيت رمت بي في جب عميق لا قاع له خالفتها والهوى لكنها هزمتني وعرت ضعفي…

· 1 د
نصوص
ثقافة عربية

قصائد

وما زال النفق مظلما ... ظلمة أمامك .. ظلمة خلفك ظلمة عن يمينك .. ظلمة عن شمالك .. تبحث عن بصيص نور.. ترنو إلى اﻷعلى فيصفعك الظلام ..تتأمل مواقع أقدامك فلا ترى إلا دروبا من صنع خيالك... تقتلك الحيرة ...يفتك بك الخوف من المجهول .. تدميك أشواك تطؤها بأفكارك... وجراح تنزف في عمق اللاوعيك ... تتحسس…

· 1 د
أحضان الليل نبض التمائم
ثقافة عربية

أحضان الليل نبض التمائم

في لفافة من تاريخ القوافي بذاكرة الاسوار أطوق شجرة الاحزان انحني لحضور الشمس بأقواس الموت في ظل الحضور و الغياب أمضي باهداب الذكرى إلى شرود سياج يرج حائق الرمل ومن أغصان العمر ألهب أطياف البحر مآذن برايات الكواكب كي لا تمل الريح من عزف سونيتة الأيام أصور مدينة الجوع جنين ضوء يلسعه وقع الخطى بساح…

· 1 د