في صباح اعتيادي، نزل السيد معين من منزله إلى كشك الجرائد، في شارع الملكة أروى، ويبدو أنه استعجل النزول قليلا، فمازال العم مصطفى لم يفتح كشكه بعد، ولذلك جلس السيد معين على الرصيف، وقد أخذ كعادته مسبحته ،و هو ينظر الى التلال المحيطة بكريتر، ويتذكر شبابه.
لا احد يعلم أن السيد معين طالما لاحقته دوريات الاحتلال في هذا الشارع، ولذلك راح ينسج الان حوارا من تلك النافذة التي أطلت منها خديجة التي خبئته ذات يوم:
_تعال هنا يامعين
_قد يروني
_لا.. أنهم بالشارع الخلفي
_إنني أحمل قنبلة
_لا عليك هاتها
_اوجننت انت قد يجدها احدهم معاك
_حسنا
ادخل الان
_طيب
ولايتذكر السيد معين ماذا صار بعد ذلك، فقد فتح العم مصطفى كشك الجرائد كما أن بائع التانبول قد فتح أيضا ،وبدأت الحركة تدب في كريتر ويتوافد إليها أشخاص من مختلف المناطق الاخرى، وعلى الفور نهض السيد معين متجها لكشك الجرائد ولكنه فوجيء بوجود عامل جديد كما أن الجرائد لاوجود لها، ووضعت مكانها العاب اطفال فقال السيد معين:
_اين الأيام
_مافيش
_و١٤ اكتوبر
_مافيش
_والإمناء
قلنا لك مافيش، من عاده هذي الايام يقرأ
_صدقت يا ابني سابحث عنها في بسطة أخرى
ونزل السيد معين من الكڜك خائبا، وهو الذي كانت له صولات وجولات في هذه الشوارع والازقة، فلم يعد المكان في وعيه هو المكان، لقد أزيل كل شيء حتى أكشاك الجرائد، اين خديجة؟ أخذ يتساءل وهو محمل بالذكريات، وكريتر تتساقط عليه زمنا جميلا، كان ذات يوم، زمنا بطعم البارود، والحب التليد، ومن هنا مرق السيد معين إلى ذكرى أخرى مشابهة إلى ما حدث له من احتجاز واستجواب ثم سجن، نعم يتذكر الزنزانة الان، وجدرانها الباردة، يتذكر ملامح خديجة ،يتذكر طفليه، يتذكر وجوه العسكر، ولذلك كان لا يتوقف، رغم حرارة الشمس والحر الشديد الذي يكتنف كريتر الان.
وبعد تطواف كبير على أكشاك الجرائد ،وجد نفسه في حي الزعفران، وأغلب الظن أنه قد ضل الطريق، فلاغرو فهو في الثمانين، و لاامر ما لايدريه جلس على الرصيف، وكل من يمر به يحسبه من المتسولين، قد أخرجه الجوع إلى قارعة الطريق، وينسى هؤلاء إلى أنه من قارع الاحتلال ونازله.
وبدأت تتساقط أمام رجليه الشلنجات، كان يبتسم، ليس من أجلهم، ولكن من أجل خديجة التي خبأته.







التعليقات