حين قرر زيوس معاقبة برومثيوس، أرسل إليه رسولاً.
كان برومثيوس واقفاً أمام الصخرة التي سيُقيد إليها.
قال الرسول:
"ماذا اقترفت يا برومثيوس؟"
ابتسم برومثيوس وقال:
"يبدو أنني اقترفت أمراً فرياً، وإلا لما أرسلك رب الأرباب بنفسه."
قال الرسول:
"لقد خالفت تعاليم زيوس، تعالى في مجده، وسرقت النار من الآلهة وأعطيتها للبشر. ذق الآن جريرة ما فعلت. ستأتي النسور كل يوم، تنهش كبدك، ثم ينمو من جديد، لتعود النسور في اليوم التالي. وهكذا إلى الأبد."
نظر برومثيوس إلى قيده، ثم إلى الرسول، وقال:
"قل لزيوس إنني لم أسرق شيئاً. أنا فقط أخذت شيئاً لا يحتاج إليه الآلهة، وأعطيته لمن يحتاج إليه."
قال الرسول:
"النار ملك زيوس."
سأل برومثيوس:
"والبرد ملك من؟"
سكت الرسول.
تابع برومثيوس:
"البشر الذين خلقهم زيوس تركهم في العراء يرتجفون من البرد، ويأكلون ما يجدون، ويخافون الليل. أعطيتهم النار لكي يدفئوا أجسادهم، وينضجوا طعامهم، ويطردوا الوحوش. إن كان هذا ذنباً، فأنا مذنب."
قال الرسول:
"عليك أن تعتذر."
ضحك برومثيوس.
"عن ماذا؟ عن إنقاذ البشر؟"
"عن عصيان زيوس."
قال برومثيوس:
"قل لزيوس إنني سأعتذر له عندما يعتذر هو لأبيه كرونوس."
اتسعت عينا الرسول.
"أتتهم رب الأرباب بأنه عاق لأبيه؟"
قال برومثيوس:
"أنا لا أتهمه. أنا أذكّره فقط بأنه فعل بأبيه ما فعل بي تقريباً. الفرق أنني أعطيت البشر النار، وهو أخذ من أبيه العرش."
لم يجد الرسول جواباً مناسباً، فبسط جناحيه وعاد إلى جبل الأولمب.
وبقي برومثيوس وحده.
كان البحر هائجاً، والأمواج تضرب الصخرة، والنسور تحوم في السماء، وكأن الكون كله قد اجتمع ليشرح له عاقبة مساعدة الفقراء.
ومرت الأيام.
ثم الشهور.
ثم السنوات.
وفي كل صباح كان النسر يأتي في موعده، يؤدي مهمته بإخلاص لا تعرفه إلا الآلهة وموظفوها.
ومع ذلك لم يعتذر برومثيوس.
وفي أحد الأيام، علمت هيرا أن زيوس قد يفكر في إنهاء عذاب برومثيوس.
لم يكن ما يشغلها عفو زيوس عنه، بل كيف يمكن أن تجعل من ذلك العفو وسيلة للانتقام.
ظهرت هيرا أمام برومثيوس.
قالت:
"أتعرف لماذا ستتحرر قريباً؟"
رفع برومثيوس رأسه.
"لا."
ابتسمت.
"لأنني أقنعت زيوس بالعفو عنك."
نظر إليها طويلاً.
"زيوس؟"
"نعم. أخبرته أن عقابك طال أكثر مما ينبغي، وأن الآلهة لا ينبغي أن تبدو عاجزة عن الرحمة."
قال برومثيوس:
"وهل استمع إليك؟"
قالت:
"بل قرر أن يرسل هرقل ليحطم قيودك."
سكت برومثيوس.
ثم قال:
"ولماذا تفعلين هذا؟"
أخرجت هيرا قارورة صغيرة من ثوبها.
وقالت:
"لأنني أريد منك شيئاً بسيطاً."
نظر برومثيوس إلى القارورة.
"ما هي؟"
"ستعطيها لهرقل عندما يأتي."
"وماذا فيها؟"
"شيء سيجعله يفقد عقله."
ظل برومثيوس صامتاً.
تابعت هيرا:
"لا أريد منك أن تفعل شيئاً بنفسك. فقط أعطه القارورة. وبعدها يكون الأمر قد انتهى."
قال برومثيوس:
"ولماذا تريدين الانتقام منه؟"
أجابته:
"لأنه ابن الكميني."
فهم برومثيوس.
لم تكن هيرا قد نسيت خيانة زيوس، ولا المرأة التي أحبها، ولا الابن الذي جاء من تلك الخيانة.
قالت:
"لقد أنقذتك من زيوس. أليس من العدل أن ترد لي الجميل؟"
نظر برومثيوس إلى القارورة.
ثم قال:
"تسمين هذا جميلاً؟"
قالت:
"أسميه ثمناً صغيراً لحريتك."
وغادرت.
بقي برومثيوس وحده.
كان يستطيع أن يرفض.
وكان يستطيع أن يبقى على صخرته، وأن يحتفظ لنفسه بشيء واحد لم تستطع الآلهة انتزاعه منه: قناعته بأنه لم يخن الإنسان الذي ضحى من أجله.
لكنه كان متعباً.
متعباً من الصخرة، ومن النسور، ومن الألم الذي لا ينتهي.
نظر إلى القارورة.
وتذكر النار.
تذكر وجوه البشر وهم يرتجفون في العراء.
وتذكر كلماته أمام رسول زيوس:
"إن كان هذا ذنباً، فأنا مذنب."
ثم نظر إلى يديه المقيدتين.
وفكر في السنوات التي قضاها معلقاً بين السماء والأرض.
ولأول مرة لم يفكر في البشر.
فكر في نفسه.
وفي الفارق بين أن تموت متمسكاً بمبدئك، وأن تعيش بعدما تنازلت عنه.
وفي اليوم التالي، كانت هيرا تنتظره.
نظر إليها برومثيوس طويلاً.
ثم قال:
"أحتاج إلى وقت."
قالت:
"خذ وقتك."
ومضت.
بعد أيام جاء هرقل.
كان قوياً كما تصفه الأساطير، يحمل في جسده قوة أبيه زيوس، وفي يديه القوة التي احتاجها برومثيوس سنوات طويلة.
حطم القيود.
وسقطت السلاسل.
وقف برومثيوس حراً.
قال هرقل:
"انتهى عذابك."
نظر برومثيوس إلى يديه.
ثم تذكر القارورة.
كانت لا تزال معه.
أخرجها من جيبه.
ظل ينظر إليها طويلاً.
كان يستطيع أن يعطيها لهرقل.
وكان يستطيع أن يترك هيرا تحقق انتقامها من خلاله.
لكنه تذكر النار.
رفع القارورة، ثم رماها في البحر.
تحطم الزجاج بين الأمواج.
سأله هرقل:
"ما هذه؟"
أجاب برومثيوس:
"آخر قيد."
نظر هرقل إليه دون أن يفهم.
قال برومثيوس:
"القيود التي في يدي كانت من زيوس. أما هذه، فكانت من هيرا."
ومضى.
وبقيت هيرا تنتظر.
انتظرت أن يعود إليها الخبر الذي كانت تريده.
لكنه لم يأت.
أما برومثيوس، فلم يلتفت إلى الوراء.







التعليقات