رائحة ضفائرها موغلة بذاكرته؛ لم تستطع الجدران الصماء، وصرير الأبواب الموصدة، حجب وجهها الذي كان في لون سنابل القمح، وابتسامتها التي كانت أشهى من ثمر التوت والبرتقال. ثمانية عشر عامًا على رحيلها، وما زالت تأتيه عابثة مراوغة، تغازله حيناً، وتختفي وراء باب حجرتها.
تستفيق روحه المجهدة على السنوات الست الأولى من زواجه، وتباطؤ الحمل الطبيعي، في تساقط الأجنة قبل إكتمال النمو، ويتوه الزوجان في زحام الكون الكبير، وتشجيع أم الزوجة القلقة للتردد على عيادات الأطباء والدجالين مرورا
بسحر العرافات في ليل الرماد الطويل.
لا خيارات أمام الزوج سوى الاستسلام لدموع الزوجة وحلمها بالأمومة؛ دارت بهما الدنيا في دروب معتمة،
لا أمل فيها ولا رجاء.
الزوج لم يدخر وسعاً في التخفيف عن آلام الزوجة بالترفيه، واصطحابها الى المصايف للتخفيف عن أوجاعها، حتى كان يوماً في أحد المصايف؛ جلس وزوجته على سلم إحدى البنايات الجديدة التي لم يشغلها السكان بعد، ظهر أمامهما رجل بسيط الحال، يكسو لحمه العظم، يسير بخطى وئيدة لضمور في الساقين والذراعين. فتح الزوج حقيبة طعامهما، وطلب من الزوجة أن تعطيه طعاما، ربما تأتيها دعوة طيبة منه، وكانت دهشة الزوجة في رفضه، مشيراً إلى بطنه الممتلئة بالطعام، مقبلاً باطن وظهر كفيه، متطلعاً للسماء شاكراً لله.
المدهش في الأمر أنه فاقد للنطق، لا يجيد سوى الابتسام؛ ما هذا الرضا رغم كل ما فيه؟! بكت الزوجة التي شعرت بالضآلة أمام نفسها وما شاهدته، وقالت: «يارب..». بعدها كانت الحلوى والشموع والغربال والملح في استقبال مولدهما الأول الذي أشاع البهجة والرضا، وبسببه اتسعت تجارته في الروبابيكيا التي ورثها عن والده،
حتى كان يوماً كتب أحد المعلنين على «الفيسبوك» رقم هاتفه، ورغبته في بيع شاشة تليفزيون حديثة، ومروحة إستاند، وغرفة نوم دون السرير. هاتف صاحب الرقم وحددا موعد الشراء، وجهز سيارته النصف نقل، بداية رزق يوم جديد. أوقفه أحد المارة طالبا توصيله للمستشفى التي يجري فيها غسيل الكلى، رأى حالته الصحية المتهالكة وعدم قدرته على السير، فغير اتجاهه وصحبه للمستشفى، وذهب بعدها إلى حيث ينتظره البائع.
وجده كهلاً يغزو رأسه شعر أبيض، نحيل البدن، في وجهه تجاعيد وحفر السنين. طلب البائع في الأشياء التي يعرضها للبيع مبلغ ستة آلاف جنيه، فابتسم المشترِي قائلاً:
إنه من يحدد السعر!
عاجله البائع بقوله:
إنه المبلغ الذي طلبته المستشفى ثمناً لإجراء العملية التي ستجريها لابنته.
على الفور أخرج مبلغ الستة آلاف جنيه، أعطاها للكهل قائلاً إنه لن يشتري شيئاً، وقد رأى احتفاظه بالسرير وحده دون غرفة النوم، وبيعه للمروحة في شهور صيف ساخن، والتليفزيون تسليتهم الوحيدة. سأله عن أم الابنة؟ أجابه: برحيلها منذ سنوات ثلاث. صحبه إلى المستشفى في سيارته النصف نقل، قائلاً: «لا تشغل بالك بالنقود الآن، ردها حين ميسرة، تليفوني عندك». لمس دمعة تتشكل في عين الكهل، لم تذرف بعد، تنتظر بلوغ المجرى حتى تفر، فلم يفلح في إمساكها.
في المستشفى طلب بائع الروبابيكيا رؤية الابنة للاطمئنان عليها،
وفي الردهة يسقط فجأة مغشيا عليه إثر اصابته بجلطة مفاجئة. على الفور تم نقله للعناية المركزة، وإسعافه وتقديم العون له بين دهشة الأطباء وطاقم التمريض لحضوره في هذا التوقيت للمستشفى وإسعافه ونجاته من الجلطة التي كادت تودي به، ليخرج بعدها في نفس اليوم سليماً معافى البدن.







التعليقات